‏إظهار الرسائل ذات التسميات الطاهر لسود، جمال عبد الناصر، قيادة جيش التحرير، صالح بن يوسف، استسلام الطاهر لسود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الطاهر لسود، جمال عبد الناصر، قيادة جيش التحرير، صالح بن يوسف، استسلام الطاهر لسود. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

الطاهر لسود بين صمت الوثائق وحدس التاريخ:

 محاولة الإجابة على  أسئلة غائبة عن سيرة قائد مقاومة مغاربي


يظل التاريخ الرسمي للحركة الوطنية التونسية، بعد الاستقلال، يُهمل عمدًا ذكر أدوار المقاومين المسلّحين، أو ما عُرفوا بـ"الفلاقة"، في إطار سعي واضح لتثبيت سردية تُعلي من شأن المقاومة السياسية السلمية. هذا التهميش يطال قامات وطنية خاضت أبرز المعارك، ومن أبرزهم المقاوم والقائد الميداني الطاهر لسود (1910-1996). تُرك اسم لسود في طي النسيان، على الرغم من دوره القيادي في التنسيق المغاربي لتحرير تونس والجزائر والمغرب.




النشأة والانخراط في النضال

وُلد الطاهر لسود سنة 1910 في ريف الحامة ، وينتمي إلى عرش "الخريجي" من قبيلة بني يزيد، وهو ابن خالة الشهيد البطل محمد الدغباجي. تُشير سيرته الذاتية إلى انخراطه المبكر في العمل الوطني؛ فبعد خدمته العسكرية التي نال فيها رتبة رقيب سنة 1930، التحق بالحزب الحر الدستوري ثم سرعان ما انضم إلى الحزب الحر الدستوري الجديد (تأسس في 2 مارس 1934). لم يكن لسود من النخبة المتعلمة، فقد عاش يعمل خياطًا لمساعدة أسرته، لكن فقر الحال لم يمنعه من الانخراط بفعالية في صفوف المقاومة المسلّحة.و قد نشأ فقيرا و مات كذلك رغم الدور ااذي لعبه في تحرير الوطن.

على الرغم من حياته الطويلة بعد الاستقلال (أربعين سنة)، لم يحظ الطاهر لسود بالاهتمام الكافي لجمع شهاداته التاريخية كاملة، حيث ظلت شذرات ما أدلى به لمعهد الحركة الوطنية أو لبعض الأصدقاء دون الصدى الذي يتناسب مع قيمته التاريخية. كان رحيله يوم 20 مارس 1996، بالتزامن مع الذكرى الأربعين للاستقلال، مصادفة رمزية تعيد التذكير بتضحياته كجزء لا يتجزأ من ذاكرة المقاومة المُغيّبة.

تساؤلات محورية حول مسيرة الطاهر لسود

تثير مسيرة الطاهر لسود ثلاث قضايا تاريخية وسياسية رئيسية تتطلب التحليل و أسئلة في حاجة إلى الإجابة الشافية:

  1. دوافع التكليف الناصري: لماذا اختار جمال عبد الناصر الطاهر لسود تحديدًا و دون غيره من القيادات المغاربية ليتولى مسؤولية القيادة العامة لجيش تحرير شمال إفريقيا؟

  2. الإنفصال عن الحركة اليوسفية : ما هي الأسباب الحقيقية للانفصال بين صالح بن يوسف والطاهر لسود؟ وهل كان انفصالًا شخصيًا أم سياقيًا؟

  3. البراغماتية البورقيبية: لماذا اختار الحبيب بورقيبة طيّ صفحة العداء مع الطاهر لسود ، ولم يسعَ للانتقام منه كما فعل بأخيه المقاوم  الهادي لسود؟

الطاهر لسود وتكليف عبد الناصر: الكاريزما الميدانية في مواجهة الحسابات الإقليمية

لم يكن صعود الطاهر لسود قائدًا محتملاً لجيش التحرير المغاربي مسألة صدفة، بل كان نتيجة مباشرة لكفاءته الميدانية واعتراف القاهرة بها. في إطار مشروع وحدوي يهدف لربط حركات المقاومة في المغرب العربي، أبدى جمال عبد الناصر تصميمه على دعم الطاهر لسود، و قد حضر أحمد بن بلة التعيين و باركه.

تؤكد شهادة الضابط المصري فتحي الذيب، وهو أحد المتابعين لملف شمال إفريقيا، الانطباع الإيجابي العميق عن الطاهر لسود بعد لقائهما في ليبيا يوم 24 نوفمبر 1955. يُبرز الذيب في شهادته (1) صفات محورية عززت خيار عبد الناصر، حيث يقول في كتابه " عبد الناصر و ثورة الجزائر":

"وخرجتُ من الجلسة الأولى بالانطباع الأولي التالي من خلال مناقشتي له:

– الارتياح الكامل لشخص الطاهر لسود من خلال إحساسي بصدق نواياه.

– الخبرة النضالية الواضحة المكتسبة من التجارب اليومية لسنوات النضال مع إلمام تفصيلي بكافة فنون قتال حرب العصابات، ومعرفة دقيقة لأرض تونس على اتساعها بدرجة أثارت اهتمامي رغم عدم إلمامه بالقراءة والكتابة.

– البساطة المتناهية في التعبير عن نفسه وعن قدراته بلا سفسطة أو غرور.

– القدرة على الاستيعاب السريع والوعي الناضج بمتطلبات الكفاح مع الإلمام التفصيلي بكافة أنصاره من المناضلين وقدرات كل منهم بالاسم.

– التمتع بقدرة على التفكير الهادئ والواقعي في مواجهة المشاكل ومعالجتها بعيدًا عن التعقيدات.

– الإدراك الواعي بقدرات عدوه وتكتيكاته ونفسيته، مع رصيد من المعلومات التفصيلية حول مراكز توزيع القوات الفرنسية في كافة أنحاء تونس"(الذيب، عبد الناصر و ثورة الجزائر، 1990، ص 135). 

يتميز الطاهر لسود إذن بالصفات التالية' 

  • الخبرة القتالية المكتسبة: إلمام تفصيلي بفنون حرب العصابات ومعرفة دقيقة بجغرافيا تونس رغم كونه شبه أميً.

  • القيادة الواقعية: القدرة على التفكير الهادئ والواقعي في معالجة المشاكل الميدانية بعيدًا عن التعقيدات النظرية.

  • الوعي التكتيكي: إدراك واعٍ لقدرات العدو وتكتيكاته، مع رصيد من المعلومات حول مراكز توزيع القوات الفرنسية.

كان اختيار لسود، إذن، يعكس ميلًا نحو الكاريزما الميدانية الصادقة والمجرّبة، على حساب الشخصيات السياسية التقليدية، خدمةً لأجندة عبد الناصر الوحدوية في شمال إفريقيا، و سعيا لسحب البساط من الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان يستعد للحصول على استقلال تونس.

الطاهر لسود وصالح بن يوسف: الانفصال السياقي لا الخيانة الشخصية

انخرط الطاهر لسود بحماس في خط صالح بن يوسف الرافض لاتفاقيات الاستقلال الداخلي، وعبّر عن موقفه بوضوح: "كيفاش خوك يضربوه واتخلّيه؟ ما تسمّيهاش خيانة؟" و المقصود هنا بالجزائر. لقد قاد لسود مع اليوسفيين ما سُمّي بـ"الثورة الثانية" (1955-1956).

لكن العلاقة بين القائدين لم تستمر. لقد كان انفصالهما، الذي أدى في النهاية إلى اضطرار الطاهر لسود للمغامرة بحياته و تسليم سلاحه في جويلية 1956، نتاجًا لتحولات إقليمية ودولية معقدة وليست خيانة شخصية. يمكن إرجاع الانفصال إلى عدة عوامل:

  1. الحرب الاستخباراتية البورقيبية: ساهمت الاختراقات الأمنية التي قادتها الأجهزة التابعة لبورقيبة، خاصة من خلال شخصيات مثل عبد العزيز شوشان، في توتير العلاقة وإحداث الشقاقبين الطاهر لسود و صالح بن يوسف.

  2. تراجع الدعم الإقليمي: بدأ الدعم المصري لليوسفيين يتراجع بعد إستقلال تونس  عام 1956، مما أضعف موقفهم السياسي و العسكري. و أصبحت الثورة الجزائرية هي محط أنظار النظام الناصري.

  3. انشغال بن يوسف: انشغل صالح بن يوسف بمعاركه السياسية والإقليمية، بينما كان لسود يواجه على الأرض قبضة الدولة التونسية الجديدة المتزايدة.

لقد كان الانفصال حتميًا، فهو يعكس انهيار الإطار السياسي الداعم للمقاومة المسلحة بعد أن بدأ بورقيبة في تثبيت أركان الدولة الحديثة.

الصلح البورقيبي: استيعاب براغماتي لرمز المقاومة

بعد إعلان الاستقلال، واجه بورقيبة معضلة التعامل مع قادة المقاومة المسلّحة غير الموالين للنظام الجديد. اختار بورقيبة استيعاب الطاهر لسود بدلاً من تصفيته، على عكس مصير قادة يوسفيين آخرين، مثل شقيقه الهادي لسود الذي أُعدم في نفس الفترة. كان هذا القرار ذو طبيعة براغماتية وسياسية بحتة:

  • تجنب الحرب الأهلية: كان فتح معركة مع رمز شعبي و قائد إقليمي بحجم لسود سيقود إلى زعزعة استقرار الدولة الوليدة وربما إشعال حرب أهلية.

  • شرعنة الدولة: استيعاب رموز المقاومة ربما يمنح النظام الجديد صورة "القائد الجامع" و يساعد في ترسيخ شرعية الدولة الجديدة.

  • المكانة الشعبية: كانت الرمزية البطولية للطاهر لسود، خاصة في الجنوب، تمنع أي محاولة لمحو شخصيته بشكل كلي.

لكن هذا "الصلح" لم يُنصف الطاهر لسود؛ فقد سُلّم سلاحه ووُضع تحت الإقامة الجبرية ثم نُقل إلى الروحية، حيث جُمّد نشاطه السياسي، وعاش على منحة زهيدة، في تهميش مادي يتناقض مع ما ناله مقاومون أقل شأنًا.

خاتمة: ضرورة إنصاف المقاومين في السردية الوطنية

تكشف مسيرة الطاهر لسود العميقة عن ثغرة واضحة في السردية التاريخية الرسمية التونسية، التي فضّلت طمس تضحيات المقاومين المسلّحين. تشير الأدلة المتوفرة، على ندرتها، إلى أن:

  1. دعم عبد الناصر للطاهر لسود كان مبنيًا على الكفاءة الميدانية في خدمة مشروع وحدوي ناصري.

  2. انفصال الطاهر لسود عن صالح  بن يوسف كان نتيجة ضغوط سياقية لا خيانة شخصية.

  3. تصالح بورقيبة معه كان قرارًا براغماتيًا يهدف إلى الاستقرار وتثبيت شرعية الحكم الجديد.

إن رحيل الطاهر لسود في ذكرى الاستقلال عام 1996 يعطي انطباعا للأجيال المتعاقبة بأن التحرير لم يكن مجرد عملية سياسية، بل كان ثمرة دماء وتضحيات أبطال حقيقيين، يجب على الأبحاث الأكاديمية والمؤسسات التاريخية إنصافهم ودمج قصصهم في الذاكرة الوطنية.

المراجع

  1. الذيب، فتحي. (1990). عبد الناصر وثورة الجزائر. القاهرة: دار المستقبل العربي، ص. 135.

  2. الزريبي، الهادي وناس. (2008). الطاهر لسود: القيادة العامة لجيش تحرير شمال إفريقيا. صفاقس: (جهة النشر غير محددة).

  3. جريدة الشروق. (جوان 2005). "حوارات مع الطاهر لسود".

  4. الصغير، عميره عليّه. المقاومة الشعبية في تونس في الخمسينات، دار التسفير الفني، صفاقس 2004.