في عصر البيانات الضخمة والتحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد التاريخ المعاصر و الحديث مجرد صفحات مطوية في المجلدات أو محفوظة في خزائن مغلقة، بل تحوّل إلى تدفّقات من المعطيات الرقمية التي تعيد تشكيل وعي الأمم بذاتها. لقد أصبحت رقمنة الأرشيف التاريخي جسر العبور الذي يسمح للمجتمعات باستعادة ماضيها، لا بوصفه حنينًا جامدًا، بل كرصيد معرفي حيّ يُستثمر في فهم الحاضر وصياغة المستقبل. إن رقمنة الأرشيف لم تعد عملية تقنية محايدة، بل فعلًا ثقافيًا وسياديًا بامتياز، لأنها تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة وذاكرتها، وبين الباحث والمعلومة، وبين المواطن وتاريخه. فهي انتقال من منطق الحفظ السلبي إلى منطق الإتاحة، والتحليل، والمساءلة، أي إلى إعادة صياغة الوعي الوطني ذاته. إن نظرتنا للتاريخ بوصفه ترفاً فكرياً يجب أن تتغير جذرياً؛ لتصبح قضية سيادية ووجودية بامتياز. فالاهتمام برقمنة الأرشيف في عصر العولمة لم يعد مجرد رفاهية، بل أضحى خياراً وهدفاً استراتيجياً، يتحول في نهاية المطاف إلى مطلب نخبوي وشعبي في الآن ذاته. أولًا: الأفق العالمي.. نماذج الريادة والتحول الشامل قبل الغوص في تفاصيل الحالة التونسية ومساراتها ا...