ملف شهر جويلية 2025
إنّ ظاهرة الزّعامة الوطنية التونسية لم تنشأ مصادفة، بل كانت نتيجة لسيرورة من النّضالات الشّعبيّة التي تجسمت خاصة في ثورة علي بن غذاهم سنة 1864، و في المقاومة الشّعبية الأولى للغزو الفرنسي للبلاد التّونسية سنة 1881. وكانت أيضا نتاجا لجملة من المجهودات الثقافية و السّياسيّة لرواد الإصلاح منذ بدايات القرن التّاسع عشر.
و قد كان خير الدّين التّونسي صاحب كتاب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"من أبرزهم ، فهو الذي قام بإصلاحات جذرية و حيوية في الدّولة التّونسية خلال توليه منصب الوزارة الكبرى. و قد تواصلت هذه المسيرة الإصلاحيّة بعد احتلال البلاد التونسيّة من خلال مبادرات مجموعة جريدة الحاضرة الإصلاحيّة، ثمّ حركة جماعة الشّباب التّونسي بقيادة علي باش حامبة، وصولا إلى تأسيس أوّل حزب وطني بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي يعتبر أوّل زعيم حزبي في البلاد.
الفضل يعود إلى الزعيم عبد لعزيز الثعالبي و رفاقه في تأسيس أول حزب وطني في البلاد، وهو الحزب الحر الدّستوري التّونسي. و هذه التّسمية لأوّل حزب تونسي ما هي إلا تعبير عن ثلاثة مطالب أو مبادئ أساسية قام عليها الحزب و هي؛ الحرّية و الدستور و الهوية.
إنّ ظاهرة الصّراع الزّعامي اليوسفي البورقيبي، لم تكن منفصلة عن سياق الصراع الزعامي الوطني، الذي انطلق منذ نشأة الحزب الحر الدستوري التونسي. و من أجل فهم طبيعة هذا الصّراع ، لا بد لنا من العودة إلى النشأة الأولى للصّراع الزّعامي الوطني، و تتبع هذه الظاهرة السياسية كحلقات متواصلة و مترابطة من الصّراعات الزعامية التي شهدتها السّاحة الحزبية التونسية منذ النشأة الأولى للحزب الحر الدستوري التونسي إلى حدود اغتيال الزّعيم صالح بن يوسف سنة 1961.
سوف نحاول في هذا الملف التطرق إلى الزعامة الوطنية التونسية، حيث سنقوم بالتعريف بها، و الإشارة إلى تطورها منذ خير الدين التونسي و مرورا بجماعة الحاضرة ثمّ وصولا إلى حركة الشباب التونسي، أين تحولت هذه الزعامة الوطنية التونسية إلى زعامة وطنية سياسية في ظل حركة الشباب التونسي. ثمّ لتتحول هذه الزعامة السياسية الوطنية في آخر المطاف إلى زعامة حزبية وطنية ضمن أول حزب سياسي وطني تونسي تأسس سنة 1920، و هو الحزب الحر الدستوري التونسي.
كما سنقوم بعرض و تحليل سلسلة من الصراعات الزعامية في ظل الحزب الحر الدستوري التونسي القديم و الجديد، والتي انتهت بالصراع الزعامي اليوسفي البورقيبي، و سنفتصرعلى مؤشراته و علاماته الدالة الأولى. فماهي الزعامة الوطنية؟ كيف تطورت؟ و ما طبيعة الجدل الذي دار حول نشأتها؟ و ماهي أبرز حلقات الصراع الزعامي التي شهدتها الحياة الحزبية الوطنية خلال الفترة الإستعمارية؟
I . الزّعامة الوطنية التونسية
لا يمكن وضع الصراع الزعامي اليوسفي البورقيبي في سياق التنافس على الزعامة الوطنية دون تحديد مفهوم لهذه الزعامة الوطنية، و معرفة ظروف و عوامل نشأتها و تطورها، لتتحول في آخر المطاف إلى زعامة حزبية . فما هي هذه الزّعامة الوطنيّة ؟ ما الفرق بينها و بين الزّعامة القومية؟ و كيف نشأت و كيف تطوّرت ؟
1. الزّعامة الوطنيّة و الزّعامة القومية
قد يقع الخلط في غالب الأحيان بين النّزعة القوميّةnationalisme و النّزعة الوطنيّة patriotisme ، التي عرّفها إميل دوركايم Emile Durkheim بأنّها "عاطفة تشرك الفرد في المجتمع السّياسي بقدر ما يشعر أولئك الذين يحملونها أنّها تربطهم بهذا المجتمع برباط عاطفي" ، بينما يصعب إيجاد تعريف محدد للنّزعة القوميّة و ذلك نظرا لغموض و تعقّد المصطلح ، فهي- أي النّزعة القوميّة- " مليئة بالألغاز، إنّها شكل من أشكال الممارسة لا التّحليل ؛ و هي تتقدّم بوصفها ظاهرة شاملة عالميّة ،غير أنّها خصوصيّة و محلّية بشكل لا يمكن تجنّبه...و هي تتعلّق أساسا بأمور ثقافيّة- اللغة و الدين و الرّموز-غير أنّها لا يمكن الفصل بينها و بين الأمور المتعلقة بالتطور الإقتصادي و المادي. .
لا يمكننا بهذا المعنى الوصول إلى مفهوم عام و شامل و محدّد للنزعة القوميّة التي رافقت الحركات المعادية للأستعمار. و" ببساطة لا يوجد اتّفاق حول ماهي النّزعة القومية، و ماهي الأمم، و كيف لنا أن نعرّف الجنسية."
و يؤكّد هاني الهندي هذا المعنى في كتابه " الحركة القومية العربية في القرن العشرين" قائلا: " للقوميّة تعاريف و منطلقات متعدّدة، و لها مفهوم واسع، فهناك أكثر من تعريف و تحديد لها؛ ﻓ "القومية" كما يقول حليم اليازجي، " من حيث كونها حصيلة لمركّب معقد من المعاني، تستعصي على التحديدات الكلية المطلقة، و في وضع تعاريفها، تطغى الصّعوبة على السّهولة، و تقع المسائل الخلافية في حصر العوامل الدّاخلية في تكوينها، و تحديد الحجم المعطى لكلّ من هذه العوامل في معادلة التوازن النّهائي الذي تقوم عليه." و في رأي اليازجي أيضا أنّ " الموسوعات الأوروبية تكاد تجمع على أنّ هذا المصطلح يتمرّد على كلّ تحديد."
إذن، لا يمكننا بهذا المعنى إيجاد تعريف محدّد و دقيق و متّفق عليه للقومية، بينما الوطنية نجد لها تحديدا دقيقا، و قد أبرزنا كمثال على ذلك تعريف عالم الإجتماع الفرنسي إميل دوركايم.
أوّل من استعمل مصطلح القومية التونسية هم جماعة الشباب التونسي و ذلك لتفادي الذّوبان في حضارة المستعمر و حفاظا على الهوية العربية الإسلامية للشعب التّونسي. و القوميّة التّونسية يقصد بها هنا الوطنية التونسية. و مفهوم الزّعامة القومية في تونس قد اختلط بمفهوم الزّعامة الوطنية و يصعب التمييز بين الزّعامتين، باعتبار أنّ الشعب التونسي هو شعب متجانس في أغلبيته رغم وجود اليهود الذين اندمجوا في الحضارة العربية الإسلامية و تعايشوا معها بحكم قدم وجودهم في البلاد، و هم تونسيون يحضون برعاية الباي.
الزّعامة الوطنيّة أشمل من الزّعامة القومية، إذ يمكن أن نجد في ظلّ الوطن الواحد قوميات متعددة و زعامات لقوميات شتّى، أمّا الزّعامة الوطنية فإنها واحدة و لا تتجزأ.
إذن، فإنّ الزعامة الوطنية هي أعم و أشمل من الزعامة القومية التي لا تمثل إلاّ مجموعة محددة من الأفراد في وطن قابل لاحتواء قوميات متعددة و غير متجانسة في بعض الحالات.
2. نشأة و تطوّرالزّعامة الوطنية التونسية
إنّ نشأة الزعامة الوطنية مرتبط بنشأة و تطوّر الحركة الوطنية، الذي بدوره كان بفعل انتشار الوعي الوطني. و قد أكّد المؤرّخ لتّونسي علي المحجوبي أنّ " فرنسا بفرضها نظام الحماية على البلاد التونسية سنة 1881 قصد توظيف رؤوس أموالها فيها، و تصدير سلعها إليها، و استيراد المواد الأوّلية منها، تكون قد قلبت أوضاع البنى الإقتصادية و الإجتماعيّة و السياسية لهذه البلاد الصّغيرة، و صادمت مصالح السّواد الأعظم من السكان الأصليين، فأحدثت بذلك الظروف المواتية لنشوء حركة وطنيّة و نموّها بين التونسيين...فقد كان منطلق هذه الحركة الوطنية خاصّة التناقضات الإقتصادية و الإجتماعيّة و السّياسية النّاجمة عن دخول رأس مال الفرنسي إلى البلاد التّونسية" .
العامل الحاسم لبروز الوعي الوطني بالنّسبة للأستاذ علي المحجوبي يتمثّل في " الرّأسمالية الفرنسية عندما هيمنت على كامل الإيّالة التونسية و مسّت بمصالح أغلبية الأهالي التّونسيين و أحدثت بذلك الظروف الملائمة لنشوء الوعي الوطني و نموه." فهل يمكن اعتبار الرأسمالية الفرنسية التي غزت البلاد بشكل مكثّف منذ 1881 هي العامل الرئيسي و الحاسم لتكون الوعي الوطني لدى التونسيين أم أنها مجرد عامل مساعد لبروز وعي وطني دفين وجد قبل الحماية الفرنسية أي منذ البدايات الأولى لحركة الإصلاح خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟ و لماذا اُعتبرت حركة الشباب التونسي هي النواة السياسية الأولى للحركة الوطنية التونسية التي بفضلها قد تشكلت أولى الزّعامات السياسية الوطنية؟ و كيف تطوّرت الزّعامة السياسية الوطنية لتصبح زعامة حزبية حيث كان الشيخ عبد العزيز الثعالبي رائدها الأوّل؟
أ. حركة الشّباب التّونسي و الإفراز الأوّل للزّعامات السياسية في تونس
إنّ حركة الشّباب التّونسي كانت النواة السياسية الأولى للحركة الوطنيّة، إلاّ أنّ حركة المقاومة الوطنية للمستعمر قد انطلقت منذ فرض الحماية الفرنسية على تونس سنة 1881، بل إنّ المؤرّخ و الأديب محمّد المرزوقي يرى أنّ محمّد العربي زرّوق رئيس بلديّة تونس كان متحمّسا للمقاومة " مهما كانت نتائجها" عندما أشار للباي قائلا:" و الآن لم يبق وجه لتأخير ما اتّفقنا عليه أمس، من انتقال سيّدنا إلى تونس، و هنالك يجتمع حولك نحو من ستّين ألف مقاتل من أمّتك، و يقضي الله بيننا." . فحركة المقاومة الوطنية المعبرة عن الوعي الوطني قد انطلقت منذ اللحظات الأولى للاحتلال الفرنسي الذي خضع له الصادق باي دون أي مقاومة تذكر و أمضى معاهدة الحماية، أما التعبير السياسي الناتج عن هذا الوعي الوطني قد جاء بعد فترة من انتصاب الحماية الفرنسية و سيطرتها الكلية على البلاد.
إذن، فالوعي الوطني و الشّعور بالإنتماء لتونس كان غريزيّا موجودا بالقوة منذ اللحظات الأولى للإحتلال الفرنسي للإيالة التونسية، و هذا الاحتلال لم يقم إلا بإيقاظ و تأجيج هذا الوعي بالوطنية التونسية الذي أصبح موجودا بالفعل بحكم ممارسات المستعمر الرامية إلى طمس الهويّة الوطنية و القضاء على سيادة اللإيالة التونسية التي كانت تتمتع باستقلال نسبي على سلطة الباب العالي .
إنّ حركة الشباب التونسي، ما هي إلاّنتاج للأفكار الإصلاحيّة الّتي سبقت فترة الحماية و خاصّة المبادرات الإصلاحيّة لخير الدّين التّونسي وهي أيضا ثمرة أفكار مجموعة جريدة الحاضرة (1888- 1911) التي ساهمت مساهمة فعّالة في تكوين رأي عام بالبلاد في أوساط المثقّفين .
و قد سعت هذه المجموعة (الحاضرة) بقيادة علي بوشوشة إلى التحسيس بمشاكل الأهالي و بالوضعيّة المتردية للعمال التونسيين مقارنة بالعمّال الفرنسيين و الإطاليين، ممّا سيساهم في انتشار الوعي الوطني الذي بدأ " يبرز بين الأهالي التونسيّين في مطلع القرن العشرين عندما امتزجت أوضاع ناجمة عن النّظام الإستعماري بظروف أخرى سابقة للحماية" .
لقد " ولّد نشاطُ جماعة الحاضرة في بداية القرن العشرين حركةً سياسية مُكتمِلة النُضج هي حركةُ الشّباب التّونسي، وهناك اتفاقٌ على اعتبارهذه الحركة أول مجموعة سياسية وطنيّة تتكون على أساس برنامج سياسي ذي أبعاد مطلبية. ويُمكن أن نعتبر صدور صحيفةLe Tunisien النّاطقة باسم المجموعة في7 فيفري1907، البداية االرّسميّة لنشاط هذه الحركة."
و" من المهم الإشارةُ إلى أن رواد الحركة استمدوا نمطَ تفكيرهم من مصدرَين مختلفين، هما : مبادئ الحركة الإصلاحية التونسية، من ناحية، والإيديولوجية الليبرالية والديمقراطية الغربية، من ناحية ثانية. وسعَوْا إلى التأليف.بين هذين الرافدين. ويُعد هذا التوجه التوفيقي من الثوابت المنهجية التي بنت على أساسها الحركةُ الوطنية رصيدها الفكري والمَرجِعي في مرحلة لاحقة."
هذه الحركة الوطنية ذات البعد السياسي الغير معلن، لم ترتق إلى مستوى الحزب السياسي كما هو الشأن بالنسبة للحزب الوطني مثلا في مصر الذي كانت تأثيراته كبيرة على مجموعة الحاضرة و حركة الشّباب التّونسي .
و " يرجع للحركة السّبق في بلورة نظرة حديثة للانتماء الوطني بتحديد المصطلحات الدالة على الهُوية الوطنية و إكسابها معاني جديدة تتلاءم مع روح العصر، رغم التّداخُل الشائع في نظر أغلب الأهالي بين مكوّنات الهُوية التونسيّة وعناصرالهُويّة العربيّة الإسلاميّة. ولقد أدى ذلك إلى تجديد الخطاب السّياسي التّونسي بإقحام مفاهيم جديدة في اللّغة السّياسيّة المُتداولة مثل مصطلح الأمّة التّونسيّة والشّعب التّونسي، هذه أوّل مرّة، حسب علمنا، لا تُقرَن فيها كلمةُ الشّعب في الخطاب النّخبويّ بالنّعوت المُزرِية مثل العامّة والرّعاع والرّعية."
فهذه الحركة شكّلت نقلة نوعية و نقطة فاصلة في التاريخ السياسي و الوطني التونسي، لأنّها ساهمت في إنتاج وعي سياسي و مفاهيم وطنية جديدة ، و قد كانت البذرة الأولى و الإنطلاقة الحقيقية للحراك السياسي المنظّم الذي أدّى في نهاية المطاف إلى استقلال البلاد سنة 1956.
لقد برز زعماء حركة الشباب التّونسي من خلال إصدار جريدة التّونسي في7 فيفري 1907 حيث قام علي باش حامبة زعيم الحركة بنشر برنامج الحركة من خلال مقال "برنامجنا".و لكن الحضور الحقيقي لهؤلاء الزّعماء كان من خلال:
أوّلا: مؤتمر شمال إفريقياCongrès de l'Afrique du Nord الذي انعقد في باريس بين 8 و 10 أكتوبر 1908؛ أي بعد تأسيس حركة الشباب التونسي حيث قام علي باش حامبة بإرسال سبعة ممثلين عن حركة الشباب التونسي ، علما و أنّ علي باش حامبة لم يرسل المحاميان حسن القلاتي و محمد نعمان بالرّغم من الكفاءة التي يتميّزان بها.
لقد أظهر الممثلون عن حركة الشباب التونسي قدرة فائقة على طرح و مناقشة المواضيع التي تهم مسائل حيوية مثل إصلاح التعليم و القضاء و الأحباس و التجنيس...و قد قدّموا مقترحاتهم في كلّ مسألة. و قد نشرت مناقشات و مداخلات المؤتمر في كتاب يعد وثيقة هامة يمكن أن نتعرف من خلالها على إمكانيات و قدرات مجموعة الشباب التونسي على مناقشة و طرح القضايا التي تهمّ بلادهم و في مواجهة أعداء شرسين و متمكنين مثل العنصري والمتطرف فيكتور دي كارنيار Victor De Carnière و هو زعيم و ممثل المتفوقين في المؤتمر، و هو العدو اللّدود للأهالي و لمجموعة الشباب التونسي و ذلك بسبب مواقفه العنصرية التي كان يصرح بها بدون وجل في جريدة "تونس الفرنسية" La Tunisie Française.
كما حضر المؤتمر "سماجة" ممثل اليهود التونسيين الذين سعوا إلى الحصول على الجنسية الفرنسية من أجل الإنفصال عن المحاكم الإسلامية و الإلتحاق بالمحاكم الفرنسية.
لقد كان علي باش حامبة مدركا بحكم الفطنة التي يتميز بها لأهمية المواجهة الفكرية بين الشباب التونسي و الممثلين عن المعمرين سواء تمّ قبول أو رفض مقترحاتهم.
ثانيا:أحداث الزّلاج سنة 1911
ليس لنا ما يدلّ على أنّ حركة الشباب التونسي كانت وراء أحداث الجلاز، و لكن من المؤكد أنّهم ساندوها و لو بشكل غير مباشر أو صريح.
ثالثا: حادثة الترامواي سنة 1912
لقد برهنت حركة الشباب التونسي من خلال حادثة الترمواي بأنّها حركة سياسية منظمة هدفها كسب مؤيدين و مناصرين في صفوف الشعب، و قد مثلت هذه الحركة مجموعة ضغط حقيقي من خلال تشكيل "لجنة المقاطعة". و قد خرجت عن صبغتها النخبويّة و التحمت بقضايا الشعب و كادت أن تكون نواة لحزب سياسي و وطني لولا نفي مجمل الزعماء من طرف السلط الإستعمارية و إجهاض مشروعهم الرّامي إلى كسب أتباع و مناصرين من الطبقة الشعبية .
إن نشأة الزعامة الوطنية السياسية في تونس كانت كمرحلة أولى قبل نشأة حزب سياسي وطني تونسي، و قد أشار ماريوس كامل ديب أن التنظيمات السياسية في البلدان الخاضعة للحكم الإستعماري تمر بتطور ذي ثلاث مراحل و هي:
أولا:جماعات ضغط
ثانيا:حركات وطنية
ثالثا:أحزاب سياسية
حركة الشباب التّونسي توقّفت عند المرحلة الثانية ، مع الملاحظ أن هناك مرحلتين سابقتين لم يشر إليهما ماريوس كامل ديب و هي مرحلة المقاومة الشعبية التلقائية و هو ما حدث عند احتلال القوات الفرنسية التراب التونسي سنوات1881-1883 بقيادة ثوار وطنيين، ثم مرحلة الدّعاية الفكرية و محاولة نشر الوعي السّياسي و الوطني لدى الأهالي و هو ما حاولت أن تقوم به مجموعة الحاضرة منذ سنة 1888 و حركة الشباب التّونسي من خلال نشرها لجريدة " لو تونيزيان" Le Tunisien باللّغة الفرنسيّة سنة 1907 ثمّ " التّونسي" باللّغة العربية بإدارة عبد العزيز الثعالبي سنة 1909، و إرسالها وفدا لمؤتمر شمال إفريقيا من أجل مناقشة قضايا تونسية حيوية. ثم تحوّلت هذه الحركة إلى مجموعة ضغط حقيقي من خلال تكوين "لجنة المقاطعة" في أحداث الترامواي.
الإشعاع الحقيقي للزّعامات السياسية الوطنيّة في هذه الحركة قد انطلق من خلال نشأة "لجنة مقاطعة الترامواي "بقيادة علي باش حامبة، حيث تمّ الإلتحام بين حركة الشباب التونسي و الجماهير الشعبية بمدينة تونس الأمر الذي أدّى إلى نفيهم و إجهاض مشروعهم السياسي و الإجتماعي.
إذن، فإنّ تشكّل الزّعامة السياسية الوطنية كان بفعل النشاط السياسي الذي قام به علي باش حامبة و رفاقه، و قد خلقوا بفعل هذا التحرك أتباعا و إن كانوا محدودي العدد(مدينة تونس). و هذا العمل يعتبر الإنطلاقة الحقيقية لنشأة الزعامة الوطنية السياسية و المنظّمة في إطار حركة ذات صبغة سياسية بالرغم من أنّ مجمل مطالبها التي ظهرت في العدد الأول من جريدة التّونسي كانت ذات طابع اقتصادي و اجتماعي. و قد كانت حادثة الترامواي فرصة لحركة الشباب التونسي من أجل جلب أتباع و مناصرين من الفئة المستضعفة و المهمّشة من الشعب التونسي. و قد تضامن "علي باش حانبة مع مواطنيه الذين وقع المسّ بكرامتهم " و طالب " الحكومة بالإستجابة إلى رغائبهم"، " و ذلك بعبارات معتدلة و لكنّها حازمة."
هذا الإلتحام بين الطبقة المثقفة و الشعب هو الذي أشعر سلطات الحماية بخطر هذه الحركة التي لم تكن فقط حركة إصلاحية كما أرادها المستعمر، بل كانت النواة الأولى لحركة سياسية من خلال التحامها بجماهير مدينة تونس سواء من خلال أحداث الجلاز أو من خلال حادثة الترامواي.
لقد كان الوعي الوطني حاضرا منذ الإنتفاضات الأولى الناتجة عن دخول المحتل الفرنسي البلاد التونسية، و قد نجح المستعمر بفعل قوته الهائلة و تواطؤ العائلة الحسينية معه في فرض الأمر الواقع على التونسيين. و لكن هذا الوعي أو الحس الوطني لم يكن ذا فعالية حقيقية إلا بعد أن تطور و انتظم في شكل حراك سياسي مهيكل.
و نعتقد أن الرأسمالية الفرنسية التي ساهمت في تدهور و تأزم الأوضاع الاقتصاديّة و الاجتماعيّة شكّلت عاملا مساعدا في زيادة تبلور الوعي الوطني و في لحمة الشعب التونسي. و إنّ الأعمال االتي قام بها زعماء الإصلاح منذ خير الدين و الكتابات الصحفية في جريدة الحاضرة أو التّونسي هي التي أدت في آخر المطاف إلى نشأة و تطور العمل السياسي و الوطني المنظم و المهيكل.
لقد نجح زعماء حركة الشباب التّونسي بالرغم من إجهاض مشروعهم في استقطاب الجماهير الشعبية التونسية و توجيه نظرهم نحو العمل السياسي المنظم، ممّا سهل على الثعالبي إتمام هذا المشروع و تأسيس أول حزب سياسي تونسي منظم و مهيكل.
يمكن القول إذن، أنّ الزّعامة السياسية التونسية قد ولدت مع حركة الشباب التونسي، و بذلك يمكن اعتبار علي باش حامبة هو أول زعيم سياسي وطني بحكم ترؤسه و قيادته لحركة الشباب التونسي. و قد واصل الشيخ عبد العزيز الثعالبي هذا المشروع السياسي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و ذلك من خلال تأسيسه و ترؤسه لأوّل حزب سياسي في تونس، و بذلك فقد استحق لقب أول زعيم حزبي في تونس.
ب. عبد العزيز الثعالبي: أوّل زعيم حزبي في تونس
إنّ الشيخ عبد العزيز الثعالبي لم يكن زعيما وطنيا محليا فحسب، بل كان زعيما له إشعاع على المستوى العربي و الإسلامي و ذلك بحكم الرحلات التي قام بها في مختلف البلدان العربية و الإسلامية، و ما رافقها من أنشطة سياسية و علمية و دعائية نصرة للقضية الوطنية التونسية. و هو من القادة و الزّعماء القلائل الذين زاوجوا بين الشهرة العلمية و الزّعامة السياسية.
يقول محمد الكامل التونسي مشيدا بزعامة عبد العزيز الثعالبي بعد عودته إلى أرض الوطن سنة 1937:" مرّت عصور عديدة على الأمة التونسية لم يخلق الله فيها زعيما تفاخر به غيرها و لم تجد في ماضيها القريب رجلا واحدا يذكره التاريخ في مصاف عظماء العالم. و هذه حقيقة لا يجب أن تنكر، و إن كانت مُرّة. فإذا بالزّمن يتعاقب و الأيّام تتمخّض فولدت لنا زعيما لم يجمع الله فيه بعض المؤهلات فحسب ، بل جمع فيه كل مؤهلات الزّعامة دون مبالغة أو غلو. كما أجمعت الشعوب الشرقية عامة على ذلك و لم ينكر عليه إلا من تعود الصيد في الماء العكر من أبناء قومه الذين تسيطر عليهم حب المصالح الشخصية..."
ولد الشيخ عبد العزيز الثعالبي بمدينة تونس العتيقة في 5 سبتمبر 1876، و ينحدر من أصول جزائريّة، بدأ منذ سنة 1892 بالكتابة الصحفية في جريدة المبشر التي تعطّلت بعد نشر ثلاثة أعداد. و قد نشر مقالات في الصحف و المجلات المصرية منذ سنة 1894 ﻜ"النيل" و "المقياس" و" المؤيّد "و "المنار" و "الرابطة العربية "التي كان من مؤسّسيها و قد أخذت هذه المجلّة (الرّابطة العربيّة) على عاتقها مشروع الوحدة العربية و قد بشّرت بالإمبراطورية العربية الكبرى سنة 1936 .وهذه المجلّة الرّائدة كان لها الفضل في رسم خريطة الوطن العربي، و قد ساهمت في نشأة و صعود التيّار القومي العروبي.
أنشأ الثعالبي سنة 1895 جريدة "سبيل الرّشاد" و لم يبلغ بعد العشرين سنة من عمره، فمساهماته الصحفية الأولى هي دليل نبوغه و نزوع نفسه نحو العلم و المعرفة و الإصلاح. و قد تسبب شيخ الإسلام الحنفي محمد بالخوجة في تعطيل و إيقاف الجريدة نظرا لانتقاد الثعالبي لفتوى من فتاويه. و قد قام شيخ الإسلام بتوجيه شكوى إلى الكاتب العام "مسيو روا" تحمل عنوان "لا إلاه إلا الله"، فقام هذا الأخير بإصدار أمر إيقاف الجريدة.
لقد كان عبد العزيز الثعالبي زعيما سياسيّا و وطنيّا و ذلك بفضل انضمامه لحركة الشباب التونسي و إدارته لجريدة التّونسي الناطقة باللغة العربيّة سنة 1909. و قد كانت له تجارب صحفية سابقة حيث أصدر سنة 1895 -كما ذكرنا سابقا- جريدة "سبيل الرّشاد" قبل أن يبلغ سنّ العشرين و ترأّس تحرير جريدة "الإتّحاد الإسلامي" التي أسّسها علي باش حانبة في 19 أكتوبر 1910. كما كانت له مساهمات عديدة في صحف أخرى محلية و عربية و إسلامية. و يعتبر هذا الزّعيم أول سجين رأي في تونس حيث تم إيداعه السّجن يوم 28 جوان 1904 بتهمة التطاول على الإسلام و الأولياء الصّالحين و ذلك بسبب مقال نشر في مجلة المنار المصرية في مارس 1903 و عنوانه "من صديق إلى صديق" يحمل توقيع "الفاتح المغربي" حيث يقول فيه" لنا علماء لكنهم جاهلون متكبرون متغلبون متغابنون و هم آلهتنا، حديثهم بطونهم، و تدقيقاتهم و مباحثهم خاصة بعجائب التكايا و كرامات القبور، و علمهم كعلم الآشوريين لا يزيد و لا ينقص، و لا يتجدد و لا ينعدم..." .
انتمى عبد العزيز الثعالبي قبل سنة 1903 إلى الفدرالية التونسية للفكر الحر و قد تأسست هذه الجامعة بإيعاز من الحزب الجمهوري الإشتراكي الراديكالي و كانت لها علاقة وثيقة بالماسونية، كما انضمّ إلى الرّابطة الفرنسية للدفاع عن حقوق الإنسان . و قد ألف كتاب"روح التحرر في القرآن" الذي صدر سنة 1905 بالإشتراك مع سيزار بن عطّار و الهادي السّبعي ، و قد تميزالثعالبي بجرأة كبيرة في طرح المسائل الدينية و الإجتماعية و قد صدر هذا الكتاب باللّغة الفرنسية في فرنسا و ذلك اتقاء لانتقادات شيوخ الزّيتونة المحافظين الذين تسببوا في دخوله السجن .
ما يميز عبد العزيز الثعالبي عن بقية الزّعماء الوطنيين في عصره كونه أوّل زعيم حزبي في تونس و ذلك من خلال ترؤسه للحزب الحر الدّستوري التونسي في مارس 1920 و ذلك بعد إصدار كتاب تونس الشهيدة الذي لقي صدى كبيرا في صفوف الوطنيين و المثقفين التونسيين. و لم يكن الثعالبي يعمل لوحده بل مع فريق من الوطنّيين الذين نشطوا ضمن حركة الشّباب التّونسي مثل أحمد السقّا الذي تولّى صياغة كتاب تونس الشّهيدة إلى الفرنسيّة و الصّادق الزمرلي و حمّودة المستيري...
و قد توجه الثعالبي في جويلية 1919 إلى باريس من أجل التعريف بالمطالب التونسية في مؤتمر الصلح. مما يؤكّد تميزه عن بقية الزّعماء الوطنيين في هذه المرحلة.
إنّ دراسة مسيرة هذه الشّخصية الفذة تتطلب بحثا معمقا، لأنّها شخصية متعدّدة الأبعاد و تحمل في ثناياها ألغازا كثيرة لم تكشف إلى حد الآن و أهمّها شبهة انتمائه إلى المحفل الماسوني كما يشير إلى ذلك بعض المؤرّخين التونسيين.
لقد قام عبد العزيز الثعالبي في مسيرته الحياتية بثلاث رحلات كبرى سواء أكانت طوعية أو قسرية يمكن تلخيصها كالتالي:
الرّحلة الأولى: بين 1896ـ1902
بعد إيقاف جريدته، عزم الثعالبي على الرّحيل طواعية، و قد دامت هذه الرّحلة ستة سنوات، زار خلالها مدينة طرابلس و اتصل بعلمائها و نشر في جريدة "الترقّي الطرابلسية" ثمّ تنقل بين عدة مدن أوروبية و آسياوية مثل جزيرة كريت و خانية و مدنا يونانية و تركية كما زار أرمينيا و كردستان و حلب و البصرة و النمسا و إيطاليا و السودان و مصر...و خلال هذه الرّحلة التقى بالعديد من رجال الفكر و الإصلاح من أهمهم محمد عبده و عبد الرحمان الكواكبي و محمد رشيد رضا و قد تأثر بهم. كما أقام علاقات فكرية مع العديد من أعلام الصحافة و الفكر و الأدب في العالم العربي و الإسلامي في تلك الفترة مثل:عبد الحميد الزهراوي، عبد العزيز جاويش، أبو الهدى الصيادي، محمد كرد علي، أحمد زكي، أحمد تيمور ، محمد فريد، علي يوسف، محمد بيرم التونسي...
هذه الرّحلة الأولى كان الهدف منها هو إقامة شبكة من العلاقات مع أهم رجال الفكر و السياسة و الإصلاح، و هو ما يدلّ على نضجه الفكري و السياسي المبكّر. كما ساهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي في هذه الفترة في كتابة العديد من المقالات في الصحف المصريّة خاصّة.
الرحلة الثانية ( 1912ـ 1914):
على إثر نشاطه في حركة الشباب التونسي و إثر أحداث الترامواي، تم نفيه إلى فرنسا صحبة رفاقه و إجهاض مشروعهم السياسي. و في شهر ماي من سنة 1912 توجه إلى إسطنبول حيث اشتغل بالمكتبات...و قد زار خلال هذه الفترة العديد من البلدان و المدن مثل مصر،اليمن ، كولومبو، الهند، الملايو، سنغفورة، مدن بجزيرة جاوة، كلكتا(الهند)...و لا شك أن الثعالبي في هذه الفترة قد قام بأنشطة فكرية و سياسية يضيق المجال لذكرها في هذا الفصل.
الرحلة الثالثة (1923-1937):
يظهر أنّ الثعالبي غادر تونس في شهر جويلية 1923 بضغط من المقيم العام لوسيان سان Lucien Saint الذي أشار في رسالة لرئيس الحكومة الفرنسي ووزير خارجيتها ريمون بوانكاري Ramond Poincaré بتاريخ 6 جويلية 1923 بأنّه يبذل جهدا من أجل مساعدة و إحياء الصّحف المعارضة للثعالبي، كما ذكر هذا التّقرير أنّ الثعالبي ينوي مغادرة تونس.
و قد أشار الثعالبي إلى السبب الذي جعله يغادر البلاد في مقال له :
"نعم يجب أن أبقى في تونس و أستمر على الجهاد و التضحية حتى ندرك ساعة النصر، و نحرز على الفوز. و لكن لماذا خرجت؟ لم أخرج أشرا أو بطرا، بل خرجت مضطرا. و كلكم تعلمون ذلك، أم تريد أن أكاشفك بالسرالمخجل؟ و أنا آنف أن يخطه قلمي. لكن تدوينه واجب لرجل مثلي، حياته اليوم ليست له بل هي للأجيال و التاريخ. إن تونس التي كنت أنفق عليها من مواهبي، و أغذيها من روحي، تركتني على أسوأ ما يكون من حالات الاضطرار، و أظهرت عجزها التام عن تغذية جسمي، فخرجت ألتمس الرّزق في غيرها، بعد أن آليت أني سأواليها بما عودتها به من الأغذية الروحية، و قد فعلت، و ما فترت عنها أبدا."
يؤكّد الثعالبي في هذا التصريح أن سبب خروجه من البلاد سنة 1923 كان بسبب الحصار الذي لقيه، مما جعله يعجز عن ضمان لقمة عيشه. و هذا السبب الذي ذكره الثعالبي يحمل رفاقه في الحزب مسؤولية ترك رئيس و مؤسس الحزب في وضعية مادية مزرية و هو ما تحرج الثعالبي عن ذكره .
و من رفاقه من يرغب في رحيله، فقد صرح محمد الجعايبي بعد رحيل الثعالبي في جريدة الصّواب قائلا:" فإنّنا نلفت نظر القرّاء إلى أن وجود الحزب، و نموه و ظهوره في مظهره العظيم لم يكن من صنع الشيخ عبد العزيز، و لا من تأثير زعامته عليه. بل هو نتيجة عمل العاملين، و إخلاص المخلصين من رجال الحزب الأبطال. و بهذا تم هذا البناء الشامخ على قاعدة التكامل العام. بحيث لم يصب الشيخ عبد العزيز من هذا التأسيس إلا بقدر ما يصيب كل فرد من أفراد العاملين.و بهذا البيان يتّضح لكل من له وجدان أن سفر الثعالبي لا يترتب عليه هدم هذا البناء و لا تقويض أركانه البتة."
ينفي محمد الجعايبي في هذا المقال بشكل غير صريح صفة الزعامة على الثعالبي و يساويه بغيره من المناضلين المؤسسين، كما يؤكد محمد الجعايبي أن سفر الثعالبي سوف لن يؤثر على الحزب و قد أنكر تميز الثعالبي عن بقية العاملين في الحزب، علما و أن محمد الجعايبي هو الذي سلم تذكرة السفر للثعالبي مع مبلغ من المال من الإقامة العامة ، ممّا يؤكد أن الثعالبي لم يكن مستعدا ماديا للسفر و قد كانت هذه الهجرة اضطرارية.
و يؤكّد الحزب الحر الدّستوري التونسي في رسائل لأقسام الدّاخلية أنّ الثّعالبي لم يكن
مكلّفا بمهمّة و أنّ خروجه كان بمحض إرادته .
هذه الرحلة الأخيرة كانت هي الأطول من بين الرّحلات السّابقة حيث دامت 14 سنة، و قد أرغم الشيخ عبد العزيز الثعالبي على مغادرة البلاد بعد تأسيسه و تزعمه لأوّل حزب سياسي تونسي.
لقد غادر الثعالبي البلاد هذه المرّة كمناضل سياسي ووطني، و قد كانت هذه الهجرة حافلة بالأنشطة العلمية و السياسية. فقد درّس الثعالبي الفلسفة الإسلامية في جامعة آل البيت العراقية. كما قام بالعديد من المبادرات و الأنشطة السياسية (الرّحلة اليمنية، حضور مؤتمر الخلافة، المساهمة في أشغال مؤتمر القدس...). كما كان للشيخ الثعالبي العديد من المساهمات الصحفية (إنشاء مجلة الرابطة العربية، نشر مقالات صحفية...).
رغم أهمية هذه الهجرة الأخيرة و دورها في إشعاع الثعالبي كزعيم تونسي و عربي و إسلامي، فقد غاب عن حدثين هامّين في البلاد و هما:
تأسيس أوّل نقابة عمّالية تونسية و هي "جامعة عموم العملة التّونسية" بزعامة محمد علي الحامّي.
تنظيم مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934 و انشقاق الزّعيم الحبيب بورقيبة و رفاقه و تكوين الحزب الحر الدستوري الجديد.
ما يهمنا أساسا في هذا الفصل هو أن عبد العزيز الثعالبي كان له السبق في تأسيس و ترؤّس أول حزب سياسي تونسي، ممّا مثل نقلة نوعية في الحياة السياسية في تلك الظرفية التاريخية. و يعتبر هذا الحزب امتدادا لحركة الشباب التّونسي و للحركة الإصلاحية التونسية.
لقد كان لعبد العزيز الثعالبي شرف التأسيس لأوّل حزب تونسي بالرغم من الصراعات التي اكتنفته منذ السّنوات الأولى من تأسيسه حيث انشقّ عليه حسن القلاتي و محمد نعمان و جماعة سيدي بو سعيد بسبب الخلافات حول طرق العمل...
و قد قام حسن القلاتي بتأسيس الحزب الإصلاحي المنشق عن الحزب الحر الدستوري التونسي سنة1921. كما حصل انشقاق آخر في صفوف الحزب الحر الدّستوري التّونسي حيث قام فرحات بن عياد و هو ممثل الحزب في باريس بتأسيس حزب آخر سمي ﺒ"الحزب التونسي الحرالمستقل "في 13 نوفمبر 1922 .
إنّ نشأة الزعامة السياسية الوطنية في تونس كان بحكم نشأة حركة منظمة لها مطالب سياسية و اجتماعية و اقتصادية. و يمكن القول أنّ علي باش حامبة هو أول زعيم سياسي تونسي بالمفهوم المعاصر للزّعامة السياسية، التي لا يمكن أن تبرز و تتشكل إلا في إطار حركة منظّمة أو حزب سياسي مهيكل.
كان بالإمكان أن تتحوّل حركة الشباب التونسي إلى حزب سياسي منظم و مهيكل، لولا اجهاض المشروع من طرف سلطة الحماية، لما حضيت به من شعبية إثر حادثتي الزلاج و الترامواي.و قد ضمت هذه الحركة زعماء قد فرضوا وجودهم خاصّة في مؤتمر شمال إفريقيا(1908) لما تميزوا به من ثقافة واسعة بحكم تكوينهم الغربي.
شهد الحزب الحر الدستوري التونسي صراعات زعامية نظرا لاختلاف و تباين الرؤى و التصورات...و لا يمكننا البحث عن جذور الصّراع الزّعامي اليوسفي البورقيبي إلا في سياق الصّراع الزعامي الحزبي، و هو صراع زعامي ذو طبيعة حزبية بالأساس. ذلك ما سنحلله في العنصر الموالي من خلال تطرقنا لتاريخ الصراع الزعامي الوطني.
II. تاريخ الصّراع الزّعامي الوطني
إن الزعامة السياسية و الحزبية لا يمكن أن تنشأ و تتشكل و تبرز ثمّ تتطور إلا في خضم الصراع و التنافس الزعامي، و قد شهد الحراك السياسي و الحزبي خلال الفترة الإستعمارية صراعا و تنافسا بين زعماء متميّزين، سواء في الحزب الحر الدستوري التونسي "القديم" أو "الجديد".و قد كان الزّعيم الحبيب بورقيبة من أبرز المشاركين في هذا الصراع الزّعامي و ذلك منذ انضمامه للحزب الحر الدستوري التونسي.
لا يمكننا فهم الصراع الزّعامي الذي جدّ بين صالح بن يوسف و الحبيب بورقيبة دون العودة إلى الأصول الأولى للصراع الزّعامي الحزبي الذي شهدته الحركة الوطنية التونسية منذ تأسيس الحزب الحر الدستوري سنة 1920، و خاصة الصّراع الذي حدث بين الزعيمين الحبيب بورقيبة و عبد العزيز الثعالبي إثر عودة هذا الأخير من الشرق سنة 1937 من أجل "إصلاح ذات البين" بين أعضاء الديوان السياسي " المنشقين " و أعضاء اللجنة التنفيذية " الغاضبين ". و قد كان صالح بن يوسف شاهدا على هذا الصراع و من المشاركين فيه، لكونه عضوا من أعضاء الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد، و قد كان من مناصري الجناح " المتصلب " في الحزب الذي يتزعمه الحبيب بورقيبة .
الصراع الزّعامي الحزبي خلال الفترة الإستعمارية هو عبارة عن حلقات مترابطة، و قد أثر بشكل مباشر أو غير مباشر في مسار الأحداث السياسية في تلك الفترة. و سوف نتطرق خلال الجزء الأوّل من هذا المحور إلى الصراعات الزّعامية التي شهدها الحزب الحر الدّستوري القديم، و سوف نتناول صراعين هامين؛ الأول كان بين الشيخ عبد العزيز الثعالبي و حسن القلاتي و الذي أدى إلى انشقاق هذا الأخير و تأسيس حزب جديد سمّي ﺒ"الحزب الإصلاحي". و الصّراع الثّاني - و هو الأشدّ وطأة- و كان بين الحبيب بورقيبة و الشيخ الثعالبي، الذي أدّى إلى انفصال نهائي بين اللجنة التنفيذية للحزب القديم و الديوان السياسي للحزب الجديد.
في الجزء الثاني من هذا المحور سنتعرض كذلك إلى صراعين زعاميين شهدها الحزب الحر الدّستوري الجديد ؛الأوّل بين محمود الماطري - الذي لم يكن طرفا فاعلا في الصّراع الّذي دار بين اللّجنة التّنفيذية و الدّيوان السّياسي. و لذلك فإنّ عبد العزيز الثعالبي لم يشر إليه كمنازع له في بيان "الكلمة الحاسمة" – رغم كونه رئيس الديوان السّياسي- و الحبيب بورقيبة الذي خرج منتصرا على زعامة قديمة تحمل تاريخا نضاليا و إشعاعا عربيا و إسلاميا. و الصّراع الثاني و الأخير هو الذي جدّ بين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف و هو محور اهتمامنا في هذه الأطروحة.
الصراع اليوسفي البورقيبي هو من أشد و أعنف الصراعات الزّعامية التي شهدتها الساحة الحزبية خلال الفترة الإستعمارية و تواصل إلى ما بعد الإستقلال. كما أن هذا الصراع قد دام مدّة زمنية طويلة مقارنة بالصّراعات الزّعامية السّابقة له، وقد مرّ بمراحل عدة انتهت باغتيال صالح بن يوسف سنة 1961.
هذه النّهاية المأساوية التي آل إليها الصراع اليوسفي البورقيبي و ما سبقها من محاكمات سياسية لليوسفيين و اغتيالات من قبل الجانبين، تدل على أن صراع الزّعامة إذا ما خرج عن التنافس النزيه يتحول إلى صراع دام و عنيف، و الأحداث التاريخية قد أثبتت ذلك.
سوف نكتفي في هذا المحور بالبحث عن مؤشرات الصراع اليوسفي البورقيبي و بعلاماته
التي كانت مبكرة وفقا لما تشير إليه بعض المصادر. فماهي طبيعة هذه الصراعات الزّعامية التي
شهدتها الحركة الوطنية التّونسية خلال الفترة الإستعماريّة ؟ و ما هي القواسم المشتركة بينها؟
1. الصّراع و التنافس الزّعامي في ظل الحزب الحر الدستوري التونسي
إن عبد العزيز الثعالبي هو الزعيم الأول للحزب الحر الدستوري القديم، و قد أشرنا سابقا بأنه يتميز بالنبوغ الفكري و السياسي ، و لم تثنه العراقيل و الصّعوبات التي واجهها على المضي قدما نحو استكمال المشروع السياسي الذي كانت تهدف إليه حركة الشباب التّونسي. و بعد تأسيسه لحزب منظّم و مهيكل ظهرت منذ السنوات الأولى لتأسيس الحزب الحر الدّستوري اختلافات في الرؤى و التصورات و طرق العمل- و هذه ظاهرة طبيعيّة و شائعة في الأحزاب السياسية النّاشئة- ممّا سيفضي إلى حركة انشقاقية تزعمها حسن القلاتي.
كما سيواجه الثعالبي بعد عودته من المشرق صراعا زعاميا آخر مع الحبيب بورقيبة تميز بالحدة و العنف، و قد تصادم الثعالبي مع خصم صعب المراس يتصف بالحنكة السياسية و يجيد المناورة رغم حداثة سنه و قصر تجربته السياسية مقارنة بمؤسّس الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي.
أ. التنافس الزّعامي بين عبد العزيز الثعالبي و حسن القلاتي
المحامي حسن القلاتي (1880-1966)، هو جزائري الأصل و قد هاجر مع أبيه إلى تونس بعد الاحتلال الفرنسي. تلقى تعليمه في تونس ثم في فرنسا حيث حصل على شهادة الحقوق سنة 1902. و هو من رموز الحركة الوطنية التونسية حيث كان من أعضاء حركة الشباب التونسي و كانت له مساهمات صحفية في جريدة التونسي.
نُفي حسن القلاتي إلى الجزائر بعد أحداث الترامواي، ثم عاد إلى النشاط السياسي بعد الحرب العالمية الأولى حيث شهد تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي، و لكنه امتنع عن آداء يمين الإخلاص. و كان يميل إلى سياسة المراحل و ينتقد "تصلّب" الحزب الحر الدستوري التونسي. كما أبدى إعجابا بإصلاحات المقيم العام لوسيان سان، مما جعله ينشق عن الحزب الحر الدستوري و يؤسس حزبا جديدا سمي بالحزب الإصلاحي.
أصدر القلاتي جريدة "البرهان" و ذلك بغرض مهاجمة الثعالبي في سبتمبر1921. و قد توقفت هذه الجريدة عن الصّدور بسبب مقاطعة الباعة لها. ثمّ أصدر سنة 1923 جريدة "النهضة".
و قد اعتزل حسن القلاتي العمل السياسي بعد فشله في انتخابات المجلس الكبير سنة 1928.
لقد استغلّ حسن القلاتي فرصة تواجد الشيخ عبد العزيز الثعالبي في السجن من أجل الإنشقاق عليه وجلب أنصار إليه.
لقد كان حسن القلاتي معارضا لإنشاء دستور خشية التصادم مع نظام الحماية و بالخصوص مع بعض الأوساط البرلمانية في باريس. و بذلك تمّ تأسيس الحزب الإصلاحي يوم 16 أفريل 1921.
تمكن حسن القلاتي من جلب بعض المؤيدين و المساندين مثل: المحامون محمد نعمان، البشير عكاشة، حسونة العياشي و الوكيلان أحمد بنيس والشيخ محمد بورقيبة و الضّابط في الجيش الملكي رشيد حيدر و كاتبه الشخصي الصادق الزمرلي و التاجر الطاهر المهيري و الوجيه محمد محسن و الصحفي الشاذلي القسطلي .
لقد شنّت هجمات صحفيّة متبادلة بين الطرفين، و لقد سعى حسن القلاتي من خلال الصحافة النيل من رمزيّة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، كما أصدر محمد نعمان نشريّة بعنوان " كلمة حق للشّعب" في 10 صفحات من أجل الدّعاية للحزب المنشق.
لم يُوفّق حسن القلاتي و جماعته في مسعاهم رغم تواجد الشيخ عبد العزيز الثعالبي في السجن(من جويلية 1920 إلى ماي 1921)، و ذلك نظرا للحملة الصحفية المنظّمة من طرف أنصار الثعالبي " إلى درجة أنّ باعة الصّحف قد رفضوا بيع العدد الأول من جريدة البرهان لسان حال الحزب الإصلاحي (أواسط سبتمبر 1921)" .
لقد اعتبر المقيم العام لوسيان سان Lucien Saint الإنقسام الحاصل في صفوف
الحزب الحر الدّستوري انتصارا شخصيّا له، إلا أن الحزب الإصلاحي لم يكن منافسا جديا للحزب الحر الدستوري، ولم يستطع حسن القلاتي النيل من المكانة التي كان يحظى بها الشيخ عبد العزيز الثعالبي نظرا للحملات الصّحفية المنظمة و الممنهجة التي شنت على هذا الحزب المنشق. كما أنّ الحزب الإصلاحي لم يحظ بسند شعبي لأنه عُدّ من الأحزاب الموالية لنظام الحماية.
كما أنّ مطلب الدستور كان من المطالب الشعبية الّتي ساندها الباي محمد النّاصر. و لم يعد الناصر باي إلى العرش إلا بعد موافقة الرّئيس الفرنسي على مطالبه. و قد تضامن الحزب الحر الدستوري و الشعب التونسي مع الملك الوطني في مظاهرة 5 أفريل 1922 و لكن موته المفاجئ حال دون تحقق تلك المطالب.
لم ينتظر حسن القلاتي خروج الثعالبي من سجنه حتّى يعلن معارضته لطرق عمل الحزب الحر الدّستوري و انشقاقه عليه، إلا أن للثعالبي مناصرين و مؤيدين حالوا دون توسع الحزب الإصلاحي و انتقال الزّعامة إلى حسن القلاتي. و قد أطلقت الصّحافة العربية إسم"سيادة الرّئيس الثعالبي" بعد خروجه من السّجن للتأكيد على زعامته.
إذن، فالصراع الزعامي الحزبي قد تزامن مع انطلاق الحياة الحزبية في تونس، و قد كان ناتجا عن اختلاف في الرؤى و التصورات و استراتيجيات العمل المعتمدة. كما أنّ أنصار الثعالبي في هذا الصراع هم الذين دافعوا عنه من خلال الحملات الصحفية المنظمة التي قضت على هذه المعارضة"الإصلاحية".
تواصل نشاط الحزب الحر الدستوري رغم هجرة زعيمه القسرية سنة 1923. و قد تجدد الصراع مرّة أخرى إثر عودة الثعالبي من الشرق في جويلية 1937، بشكل مغاير، و ضمن إطار سياسي و سياق تاريخي مختلف.
ب. الصراع الزعامي بين عبد العزيز الثعالبي و الحبيب بورقيبة
إن الصراع الزعامي في صفوف الحزب الحر الدستوري قد تجدد مرة أخرى و ذلك ببروز جيل جديد في صفوف الحزب يختلف من حيث الرؤى السياسية و المرجعية الثقافية و الأصول الطبقية عن المؤسسين القدامى للحزب الحر الدستوري التونسي، مما سيؤدي هذه المرة إلى تصدع حقيقي و خطير في صفوف الحزب؛ فالحبيب بورقيبة و رفاقه لم يلتجؤوا إلى بعث حزب جديد كما فعل حسن القلاتي، بل حافظوا على نفس التسمية للحزب. و يُعد مؤتمر قصر هلال الذي التأم في 2 مارس 1934 انقلابا على اللجنة التنفيذية و استيلاء على الحزب الحر الدّستوري التّونسي، و قد وقع هذا الإنفصال أثناء غياب الزعيم المؤسس للحزب الحر الدستوري و تواجده في المشرق منذ 1923.
المواجهة الحقيقية بين اللجنة التنفيذية للحزب القديم و الديوان السياسي للحزب الجديد سوف تكون إثر عودة الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى تونس سنة 1937 بعد هجرة دامت 14 سنة، حيث غاب الثعالبي عن مجمل الأحداث و التطورات السياسية في البلاد و قد كان اهتمامه في الغربة بقضايا عربية و اسلامية مختلفة.
الهجرة القسرية و الطويلة لعبد العزيز الثعالبي، فرضت عليه الانسحاب من العمل السّياسي الوطني. و بحكم شخصيته المتعددة الأبعاد و المطامح، فقد قام بنشاطات سياسيّة و علميّة مختلفة في المهجر أكسبته شهرة عربيّة و اسلاميّة. و قد عُدّ من كبار المصلحين و المجددين و كتبه و مؤلفاته المتنوّعة و مساهماته الصّحفية تشهد له على ذلك. فماهي أسباب و أطوار و نتائج الصّراع الزّعامي بين الحبيب بورقيبة و عبد العزيز الثعالبي؟
1) من هو الحبيب بورقيبة؟
ينتمي الحبيب بورقيبة إلى أسرة متواضعة، إن لم نقل فقيرة، و قد نشأ في المنستير . زاول تعليمه في المدرسة الصّادقية و في معهد كارنو. و قد تحصل على الباكالوريا شعبة فلسفة و كان من المتميّزين. ثم واصل تعليمه في فرنسا حيث تحصل على الإجازة في الحقوق و دبلوم المدرسة الحرة للعلوم السياسية.
أتمّ الحبيب بورقيبة تعليمه بتفوّق بالرغم من الصعوبات المادية و الصحية التي واجهته. و قد تزوّج من فرنسية تنتمي إلى أسرة متواضعة اسمها "ماتيلد لورّان "Lorain Mathilde و هو لا يزال طالبا. و قد كانت له عونا و سندا في أبرز المحطات النّضالية الّتي مرّ بها.
بعد اتمام دراسته، عمل الحبيب بورقيبة كمحام في مكاتب مختلفة و منهما مكتب المحامي صالح فرحات الكاتب العام المساعد للحزب الحر الدّستوري.
و خلال ممارسته لمهنة المحاماة كان الحبيب بورقيبة يكتب في الصحافة التونسية و بدأ يبرز كصحفي متميزفي جريدة "صوت التّونسي" La voix du Tunisien التّي صدرت سنة 1930 ثمّ جريدة "لاكسيون تونزيان" " L'action Tunisienne التي أسسها و تفرّغ لها منذ سنة 1932.
انضمّ الحبيب بورقيبة إلى اللجنة التّنفيذية للحزب الحر الدّستوري التونسي، بعد بروزه كصحفي متميز من خلال مقالاته سواء في صوت التونسي أو في العمل التونسي. و لكنّه سرعان ما قدم استقالته من اللجنة التنفيذيّة للحزب نظرا لاختلاف المواقف بينه و بين بعض العناصر من المحافظين في الحزب. و سيتعمّق هذا الخلاف بين الجيل الجديد و الجيل القديم في 2 مارس 1934، تاريخ انعقاد مؤتمر قصر هلال و ظهور مجموعة الديوان السياسي.
لقد وجد الحبيب بورقيبة الساحة التونسية خالية من زعيم فذ و شبيه بعبد العزيز الثعالبي الذي بقي مجرد زعيم رمزي للحزب الحر الدّستوري لكونه الزّعيم المؤسس للحزب. و لذلك فقد كانت الفرصة سانحة أمام الزّعيم الحبيب بورقيبة لملء هذا الفراغ و ذلك من خلال انتهاج طرق نضالية جديدة صحبة رفاق جريدة العمل التونسي، الذين يحملون فكرا سياسيا مختلفا و أسلوب عمل جديد.
إن رجوع عبد العزيز الثعالبي إلى أرض الوطن سنة 1937 هو الذي أجج الصراع بين الزّعيمين، و سوف يتصدى الزعيم الحبيب بورقيبة للشيخ عبد العزيز الثعالبي حتى يحول دون عودته إلى موقعه القديم كزعيم للتونسيين، رغم أن الثعالبي في تلك الفترة كان يحظى بإشعاع عربي و إسلامي، نظرا لمساهماته السياسية و الثقافية في بلدان عربية و إسلامية؛ فقد بذل الثعالبي مساعي سياسية من أجل توحيد اليمن(كتاب الرحلة اليمنيّة)، و قد وصل حتى إلى الهند من أجل معالجة مسألة المنبوذين في الهند (كتاب مسألة المنبوذين في الهند)...لقد كان لهذا الرّجل مكانة كبرى في أغلب الأقطار العربيّة و الإسلاميّة. و يشترك الحبيب بورقيبة مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي في ثلاثة أمور:
الإنتماء إلى نفس الأصول الطبقية.
كلا الرّجلين لهما مساهمات صحفية مرموقة.
يتميز كل من بورقيبة و الثعالبي بفكر تحرري رغم التكوين الزيتوني الذي حظي به الثعالبي الذي لم يدرس في فرنسا كما هو الشأن بالنسبة لبورقيبة ، إلا أنّ الثعالبي كان واسع الإطلاع و يتميز بثقافة عالية و تكوين موسوعي مما جعله يُدرّس الفلسفة في الجامعة العراقية لمدة أربع سنوات. كما أن الرحلات التي قام بها إلى بلدان أوروبية و آسياوية ساهمت في تغذية تجربته السياسية و الثقافية و في تحرر فكره.
2) من الترحيب إلى التصادم
يعتبر عبد العزيز الثعالبي نفسه أبا للتّونسيين جميعا " أنا أب التّونسيين جميعا، و سأستأنف مع الجميع العمل الذّي تركته منذ خمسة عشر عاما" . لقد أدلى عبد العزيز الثعالبي بهذا التّصريح قبل عودته إلى أرض الوطن، عاقدا العزم على المصالحة بين الفريقين و استرجاع الزّعامة السياسية و الحزبية الّتي ضاعت منه بفعل غيابه المطوّل عن أرض الوطن. فمن الذي أوعز للزعيم الثعالبي بالعودة إلى أرض الوطن؟ و لماذا عاد في ذلك الوقت بالذات؟
إن مغادرة عبد العزيز الثعالبي أرض الوطن كانت من جرّاء الضغوطات والتهديدات التي مارسها عليه المقيم العام لوسيان سان Lucien Saintبالتواطؤ مع الباي محمد الحبيب ، إلاّ أن عودته كانت بإيعاز من المقيم العام أرمان قيون من أجل وضع حد لتصاعد شعبية الزعيم الحبيب بورقيبة، و لتأجيج الصراع بين اللجنة التنفيذية و الديوان السياسي.
أكد الثعالبي و من خلال خطابه الأول إثر قدومه الّذي ألقاه "بقامبطّا بارك" يوم 10 جويلية 1937 أنّه قد عاد من أجل توحيد الصّفوف قائلا: " لقد مضى عهد الغفلة و الكسل و التفرّق و الشّتات" . و قد نوه في هذا الخطاب بالجهود التي قام بها الديوان السياسي حينما قال:" أحيي أعضاء الديوان السياسي الذين هيؤوا لنا هذا الإجتماع الحاشد"، و في هذه الجملة اعتراف صريح بالديوان السياسي المُنشق.
كما اعترف الثعالبي في هذا الخطاب بأنه قد فقد تأثيره على الشعب التّونسي بحكم غيابه الطويل " وأمّا أنا الّذي غاب عن البلاد أربعة عشرسنة فقد بعد تأثيري على هذا الشّعب. و العمل الحقيقي هو الذي قام به هؤلاء الشبان فعرضوا أنفسهم للمخاطر و المهالك". كما أضاف الثعالبي قائلا:" و هذه يدي أمدها لكلّ عامل لخير هذه الأمة من أي فريق كان متى كانت الغاية هي تحرير هذا الشّعب".
يمكن أن نفهم من ظاهر خطاب الثعالبي بأنه قد جاء من أجل جمع الشمل و توحيد الرؤى بين الفريقين المتنافرين للحزب الذي أسّسه سنة 1920. و قد أكّد محمد لطفي جمعة في مقاله في مجلة الرابطة العربية أنّ الثعالبي عاد إلى وطنه " ليكون حكما و مرجعا و مصدرا للنور. لم يعد ليسترد نفوذه فإن نفوذه زاد و علا و أربى، و لم يعد ليحل المحل اللائق به فإن هذا المحل محفوظ في قلوب الأمة و صدور بنيها."
لقد كان الثعالبي يعتبر نفسه الزّعيم الأب للتونسيين، و لكن بعد وصوله لتونس قد أدرك بحكم حدسه السّياسي بأنّه قد "بعد تأثيره في الشّعب" و ذلك بحكم التغيرات و التطورات العميقة التي حدثت للحزب بحكم تغير أساليب و طرق العمل التي اعتمدها أعضاء الديوان السياسي الجديد؛ أي بورقيبة و رفاقه. و رغم الحفاوة التي لقيها الثعالبي فإنه سيتصادم في آخر المطاف مع جماعة الدّيوان السّياسي .
لقد حاول أعضاء الديوان السياسي في أول الأمر كسب الزعيم الثعالبي إلى صفّهم و لذلك فقد نظموا له حفل استقبال بهيج، حضره ما يناهز عن 30000 تونسي لاستقباله. و قد تفاجأ الرّجل بعظم هذا الإستقبال، كما أدرك أن تغيرات عميقة قد طرأت و أن وعيا سياسيا جديدا قد تعمق و انتشر في صفوف الشعب .
لم يتدخّل الحبيب بورقيبة في هذا الحفل للإشادة بالزّعيم، و قد أوكل ذلك الأمرللطاهر صفر للقيام بهذا الدّور، و قد أطنب في الإشادة بالزعيم حين قال:" إنّ الشّعب التّونسي اليوم لا يحتفل بمؤسس الحزب الذي بذر بذرته الأولى التي نحن نجني ثمرتها و إنما نحتفل بزعيم الرابطة الإسلامية في مشارق الأرض و مغاربها". كما قال:"إن زعيمنا إذا ليس شخصيّة واحدة بل هو عدة شخصيات تجمعت في رجل واحد و ذلك ما يعطي قيمة للرجال العظماء فهو الرجل الإجتماعي الذي أظهر مكانة للدين الإسلامي و اتفاقه مع الحضارة العصريّة. و هو الرجل الذي قام بدعاية واسعة النطاق للإسلام و للعروبة. و يحق لنا إذن أن نسميه الزعيم الإجتماعي القومي الإسلامي العربي."
لقد تعامل أعضاء الديوان السياسي بحنكة سياسيّة مع حدث عودة الثعالبي، و قد حاولوا منذ الوهلة الأولى استيعاب الموقف، و لم يحدث في بادئ الأمر أي صدام بينهم وبين الثعالبي و حاولوا كسبه لصفهم، و لكنهم لم يكونوا مستعدين لقبول الثعالبي زعيما عليهم نظرا لإختلافهم معه ثقافيا و مرجعيا و سياسيا.
لقد شعر أعضاء الدّيوان السياسي أن الثعالبي سوف يفتك منهم الزعامة الحزبية و ذلك من خلال زيارته الدّعائية لجهات السّاحل (مساكن، المكنين، أكودة، سوسة). و قد تفادى الثعالبي التوجه نحو قصر هلال و ذلك لما تشكّله هذه المنطقة من رمزيّة بالنسبة لأعضاء الدّيوان السّياسي.
و قد أصدر الثعالبي بيانا إثر زيارته لمدن السّاحل قائلا فيه:" هذا و أني أعتبر رحلتي لبلاد السّاحل و اجتماعي بنخبتها و مفكّريها و شبيبتها و أحرارها و ما تبادلنا من عواطف الولاء و الإخلاص بمثابة عهد مكين بيننا على الإتحاد و التكاتف لخدمة صالح هذه البلاد المنكوبة و قضيتها الوطنيّة المقدّسة." فهل جاء الثعالبي من أجل التّوفيق بين الشقين أم جاء من أجل سحب البساط من تحت أقدام الدّيوان السّياسي؟
نحن مع رأي الأستاذ محمّد لطفي الشايبي الذي يرى أنّ عودة الثعالبي كانت بإيعاز و تسهيل من المقيم العام "أرمان قيون"بغية إرباك الزّعيم الحبيب بورقيبة"المشاغب" .
إن أعضاء الديوان السياسي لم يوافقوا على مبادرات الثعالبي التوفيقية و ذلك لأنهم لا يريدون العودة إلى الوراء بعد أن تبنوا نهجا سياسيا جديدا ، ولذلك فإنّ الثعالبي لم يجد بدا في آخر المطاف من الوقوف إلى جانب اللجنة التنفيذية. و قد نشر بيانا مطوّلا على الشّعب ليقيم فيه الحجة على الديوان السياسي و اعتبره هو المسؤول عن فشل مساعيه و عليه - أي الدّيوان السّياسي- تبعية هذا الإنقسام .
3) بيان الكلمة الحاسمة و الإنحياز المكشوف للشيخ عبد العزيز الثعالبي
"الكلمة الحاسمة" أو ما سمّي ﺒ" بيان عام إلى الأمّة التّونسية: كلمة الزّعيم الأوحد الحاسمة" الذي نشره الثعالبي في جريدة الإرادة التّونسية يوم 3 أكتوبر 1937 . و قد أتمّ الثعالبي تحريره في 30 سبتمبر من نفس السّنة.
سوف نحاول تحليل و مناقشة أهمّ ما جاء في هذا البيان. لنصل في الأخير إلى الإستنتاجات المناسبة حول الصّراع الزّعامي بين الثعالبي و بورقيبة.
يُعتبر بيان "الكلمة الحاسمة" من الوثائق الهامّة و المفيدة، لما احتواه من معطيات حول الصراع الزّعامي بين الحبيب البورقيبة و الثعالبي. و سوف نحاول تحليل ما جاء فيه، كما سنسعى من خلال تحليلنا لمضامين هذا الخطاب إلى التعرف على المقاصد الخفية من وراء نشر هذا البيان، و محاولين الكشف عما لم يقله الثعالبي (Le non-dit) في بيانه.
لقد حاول حسن القلاتي في السابق منازعة الشيخ الثعالبي على الزّعامة و لكنّه فشل في ذلك ممّا اضطرّه إلى الخروج من الحزب و تأسيس حزب جديد بعد أن جلب إلى صفّه بعض الشّخصيّات الحزبية. و لم يفلح القلاتي في زعزعة كيان الحزب الحر الدّستوري التّونسي كما فعل الحبيب بورقيبة و جماعته. و ما يميّز الحبيب بورقيبة عن حسن القلاتي هو أنّ الأوّل لم ينفصل عن الحزب الحر الدّستوري التونسي بل حافظ على نفس التسمية و قد نجح في الأخير في افتكاك الزّعامة من مؤسّس الحزب.
من خلال تحليل مضامين هذا البيان سنتبيّن مدى خطورة الموقف و حساسيّة المرحلة الّتي مرّت بها الحياة السياسية و الحزبية في تلك المرحلة. و هي حسب رأيي المرحلة المفصليّة في تاريخ الحركة الوطنية و هي أشدّ حسما و خطورة من سنة 1934، لأنّها قد شهدت صراعا و مواجهة حقيقيّة بين مؤسّس الحزب الشّيخ عبد العزيز الثعالبي بما أوتي من إشعاع و نفوذ و تاريخ نضالي و الحبيب بورقيبة الذي يعتبر في تلك المرحلة- بالنسبة للشيخ الثعالبي- شابّا صغيرا و رجل سياسة مبتدئ. و هو في حقيقة الأمر صراع بين الخبرة و الطموح، أي صراع بين جيلين يختلفان من حيث المرجعيّة الثقافية و الرّؤى و االتمشّيات السياسية.
هذه المنافسة الزّعامية الأولى التي خاضها الحبيب بورقيبة قد فتحت له الباب على مصراعيه لخوض و مجابهة صراعات و صدامات زعامية أخرى بكلّ ثقة في النفس و ثبات.
كما أنّ دراسة و تحليل هذا الصّراع الأوّل الذي خاضه الحبيب بورقيبة سينير لنا السّبيل من أجل فهم أعمق للصراع اليوسفي البورقيبي، باعتبار أنّ الصراعات الزّعامية الحزبية التي شهدتها الحياة السياسية التونسية زمن الإستعمار مترابطة الحلقات.
لماذا نشر الثعالبي هذا البيان؟
لقد أفاد الثعالبي في مقدّمة البيان السّبب الّذي جعله ينشر كلمته الحاسمة حين قال: " و لمّا شذّ النّاكبون عن الصراط السّوي و اتّبعوا أهواءهم و حان الميعاد المضروب، لم أر بدّا من إذاعة هذا البيان على الأمّة لترى رأيها فيما حدث فهي صاحبة القول الفصل بعد أن أبدي لها هذه الكلمة الحاسمة في تعيين النّاكبين عن الوفاق"
الهدف الظّاهر من نشر هذا البيان هو تحكيم الشّعب فيما بذل من مجهود من أجل الوصول إلى الوفاق بين اللّجنة التنفيذيّة و الدّيوان السياسي. و نلاحظ منذ المقدّمة أنّ الشيخ عبد العزيز الثعالبي لم يكن طرفا أو حكما محايدا معتبرا جماعة الدّيوان السياسي قد خرجوا عن الصّراط السّوي و اتّبعوا أهواءهم متّهما إيّاهم بأنّهم قد عرقلوا هذا الوفاق الّذي سعى إليه . و سوف نلاحظ عند عرض محتوى هذا البيان انحياز الثعالبي لرفاقه القدامى من أعضاء اللجنة التنفيذية.
من المفترض أنّ الحَكمَ يكون محايدا و غير منحاز و لا يصرّح بموقفه سواء بالإيجاب أو بالسلب، فنرى هنا الثعالبي يقدح في جماعة الديوان السياسي و ينعتهم بالناكبين عن الصراط أو الوفاق و لم يترك مجالا لقارئ هذا البيان ليحكّم رأيه فيه. و سوف نلاحظ هذا الأمر خلال كامل البيان، حيث ،يقوم الثعالبي بوصف بورقيبة و جماعته بشتى أنواع الأوصاف السلبية، و في المقابل سوف يشيد بمواقف الحزب الحر الدستوري القديم و أعضاء اللجنة التنفيذية.
لماذا توسّط الثعالبي بين الفريقين؟
البيان يذكرالأسباب الّتي دعت الثعالبي للتوسّط بين الفريقين و هي كالآتي:
الحفاظ على وحدة الحزب الّذي أسّسه
لقد شقّ على الثعالبي حسب تعبيره أن ينقلب الحزب الّذي لاقى في تأسيسه أشدّ الآلام من سنة 1918 إلى سنة 1923 إلى " أداة شغب و مثارا للفتن الدّاخلية بين أهل الوطن الواحد" . فالثعالبي يعتبر نفسه هو الزعيم الشرعي و التاريخي للحزب و لذلك فقد عاد من أجل توحيد صفوف الحزب بحكم شرعية الزّعامة و لأسبقيّة في التّأسيس التي يمتلكهما.
دعوات تطالبه بالعودة إلى أرض الوطن لإنقاذ الموقف و إصلاح ذات البين
لقد أشار الثعالبي بأنّ رسائل بعثت إليه حتّى وهو في الهند تطالبه بالعودة إلى أرض الوطن من أجل الإصلاح بين الفريقين المتنازعين: " كلّ هذه الرّسائل تطالبني بأن أسرع بالعودة إلى الوطن لإنقاذ الموقف و إصلاح ذات البين و إعادة التيّار القومي إلى مجراه الطّبيعي و صد هجمات الطّفيليين الّذين استمرؤوا حياة البطر في البلاد و امتصّوا دماءها دون مقابل".
لم يذكر الثعالبي الأطراف الّتي كانت تطالبه بالعودة، إلا أنّه قد أشار بأنّها لم تكن من قبل الهيأتين المتخاصمتين، و المقصود بالطّفيليين هنا هم جماعة الدّيوان السياسي أو المنشقّون عن الحزب القديم الّذين كانوا يرسلون بمقالاتهم إلى الصّحف المصريّة و الفلسطينية من أجل التّرويج لأفكارهم، ممّا جعل الثعالبي يتصل بهاته الصّحف من أجل الحدّ من نشر المقالات التي من شأنها أن تشوه صورة أعضاء اللّجنة التنفيذيّة في الخارج.
و قد بلغته الدّعوات حتّى من "أقطاب" مصر من أجل وضع حد للشتائم الّتي تنشر في الصّحف المصريّة و دعته للتدخّل من أجل الوفاق بين الفريقين المتخاصمين.
يزعم الثعالبي عند حديثه عن أسباب توسّطه لإزالة الخلاف بأنّه قد حاول العودة إلى
أرض الوطن عند بداية الخلاف، و لكن فرنسا منعته من دخول أرض الوطن. و السّؤال الذّي يمكن أن نطرحه هنا هو لماذا سمحت فرنسا هذه المرّة للثعالبي بالعودة سنة 1937؟
لقد أشار الأستاذ محمّد لطفي الشّايبي بأنّ الثعالبي" تحصّل على تأشيرة للعودة إلى أرض الوطن بتسهيلات من المقيم العام الماصوني "أرمان قيون" بغية إرباك زعيم الحزب الحر الدّستوري الجديد، الأستاذ الحبيب بورقيبة –"المشاغب" و العازم على تحدّي حكومة الجّبهة الشّعبية الّتي يرأسها الإشتراكي الماصوني "ليون بلوم" إثر فشل الحوار في شأن الضّمانات الدّستوريّة..." . و تجدر الإشارة هنا، إلى أنّ الثعالبي لم يكن ملزما بالحصول على تأشيرة من أجل العودة إلى أرض الوطن، لأنّه لم يصدر عليه حكما قضائيّا بالنّفي.
إنّ المقيم العام أراد أن يحدّ من شعبية الحبيب بورقيبة ، و لذلك فإنّه لم يمنع الثعالبي من العودة التي من شأنها أن تشعل مرّة أخرى لهيب الصّراع بين الديوان السياسي و اللجنة التنفيذية، و ذلك ما حصل فعلا.
ما لم يذكره الثعالبي هو التسهيلات الّتي يسّرتها له سلطة الحماية من أجل العودة ،أفلم يتساءل عن سر تلك التسهيلات و عن دوافع المقيم العام من وراء إعطائه التأشيرة في ذلك الوقت بالذات ؟!
لقد سعى المقيم العام إلى إحداث صدام زعامي عنيف بين عبد العزيز الثعالبي و الحبيب بورقيبة من أجل الحد من نفوذ هذا الأخير القادر على دغدغة مشاعر الشعب و استجلابهم لصفه بحكم قدراته الخطابيّة و الكاريزما التي يتمتع بها.
و نظن أنّ المقيم العام يدرك جيّدا أنّ الثعالبي سوف لن يتخلّى بكل سهولة عن زعامته الحزبية الّتي حظي بها منذ تأسيس الحزب الحر الدّستوري التّونسي، و لذلك فهو (أي الثعالبي) - لئن حاول الظّهور بمظهر المحايد أو الموفّق بين الشقّين- فإنّ عبارات الإدانة لجماعة الدّيوان السّياسي الّتي استعملها تدلّ على أنّه كان منذ الوهلة الأولى من أنصار اللّجنة التنفيذيّة.
ما هي أسباب الخلاف بين الشقين المتنازعين؟
لاحظ الثعالبي أنّ الخلاف بين الشقّين لم يتغلغل إلى الشّعب التّونسي، و هو يرى بأنّ الخلاف هو خلاف أفراد و لم يجد حسب قوله " سببا جوهريّا يبرّر هذا الخلاف سوى نزوع أفراد إلى التشبّث بالشقاق ليتسلّقوا منه إلى كراسي الزّعامة و يغتصبوها من الأمّة اغتصابا على حساب المصلحة العامّة."
لم يُخف الثعالبي سبب الخلاف و هو سعي - حسب زعمه - أعضاء الديوان السياسي بقيادة الحبيب بورقيبة إلى الحصول على كرسي الزّعامة. و لم يعتبرها الثعالبي سببا جوهريا، و الحال أنّها من الأسباب الرّئيسيّة للنزاع .
سوف نرى أن الثعالبي سوف يدافع عن هذه الزّعامة بكل استماتة، فهو "أب التونسيين جميعا" كما صرّح بذلك قبل مجيئه إلى أرض الوطن، و لقد جاء الحبيب بورقيبة لكي ينازعه هذه السّلطة الأبوية بالرّغم من صغر سنّه و حداثة تجربته السياسية مقارنة بعبد العزيز الثعالبي.
لقد عرض الثعالبي في هذا البيان أقوال و مؤاخذات كلّ فريق و سوف نحاول من خلال هذه الأقوال معرفة الأسباب الحقيقيّة للخلاف بين الشقّين:
مؤاخذات أعضاء الدّيوان السّياسي:
لقد كانت مؤاخذات الدّيوان السّياسي موجزة و تتلخّص في النّقاط السّبع التّالية:
• اهمال اللّجنة التنفيذيّة للقضيّة التّونسيّة.
• عدم اإتّصال اللّجنة التّنفيذية بالشعب.
• تأليب الحكومة على جماعة الدّيوان السياسي.
• تبرّؤالوفد الّذي ترأّسه أحمد الصّافي سنة 1933 من جريدة العمل أمام المقيم العام بيروطون.
• رفت البحري قيقة من الحزب دون الرجوع إلى المؤتمر.
• اتّهام اللّجنة التنفيذية الدّيوان السياسي بصنع قنابل الديناميت في شارع قامبيتا و الوشاية به إلى المقيم العام.
• اتّهام اللّجنة التّنفيذيّة بسرقة أموال الحزب.
كانت أقوال الدّيوان السّياسي الّتي نقلها الثعالبي موجزة و غير مفصّلة بعكس أقوال اللّجنة التّنفيذية التّي كانت مطوّلة و مستفيضة. فهل تعمّد الثعالبي ذلك؟!
أقوال أعضاء اللّجنة التّنفيذية:
بعد إنكار أعضاء اللّجنة التّنفيذيّة التّهم السّبعة الموجّهة إليهم من طرف الدّيوان السّياسي
و قد برهنوا على براءتهم بشكل مطوّل و مستفيض و اعتبروها تهما شكليّة: " إذا كان المنشقّون يوجّهون إلينا هذه التّهم الشّكليّة الّتي لا تعلّق لها بالمبادئ الّتي عاهدنا الله عليها جميعا..." و قد اعتبروا بأنّ أعضاء الدّيوان السّياسي قد خرجوا عن مبادئ الحزب و قرار مؤتمر ماي 1933 موجّهين إليهم التّهم التّالية و هي سبعة أيضا:
• تصريح أعضاء الديوان السياسي بأنّ الإستقلال لا يندرج ضمن أهدافهم.
• اعتراف أعضاء الديوان السّياسي بأنّهم يرغبون في بقاء الحماية و يعملون في دائرتها و لا
يريدون الخروج عن نطاقها.
• اعتراف الدّيوان السّياسي بالسّيادة المزدوجة بالرّغم من أنّ معاهدة الحماية نفسها لا تقرّها و لا توافق عليها.
• اعترافهم بالحقوق المكتسبة الّتي يدّعيها الإستعمار.
• إعلانهم أنّهم يتمسّكون بسياسة المشاركة و يطالبون بها.
• القبول بالإندماج في الإمبراطوريّة الفرنسية القائمة على نظام اتّحادي (فكرة الدومنيون التي رفضها الحزب و نادى بها الحزب الإصلاحي).
• عدولهم عن مطالب الحزب التي قرّرها مؤتمر سنة 1933 و تمسّكهم بمطالب إصلاحيّة(هي أقل من مطالب الحزب الإصلاحي حسب زعمهم).
إنّها سبع تهم أيضا، إلاّ أنّ الثعالبي لم ينشر ردّ الدّيوان السّياسي على هذه التّهم، أو ربّما لم يمكّنهم من الردّ. كما نلاحظ انّ جماعة اللّجنة التنفيذية قد اعتمدوا استعمال مصطلحات نابية و غير لائقة في بعض الحالات. و هنا تكمن مسؤوليّة الشّيخ الثعالبي لأنّه كان يقوم بدور الموفّق و المُصالح و المُرمّم للحزب الّذي تهرّأ بسبب هذا الإنشقاق. فالعبارات النابية المستعملة و تهم الخيانة الموجّهة ضدّ أعضاء الدّيوان السّياسي تدلّ على عدم استعداد أعضاء اللجنة التنفيذية للمصالحة و التوافق مع جماعة الديوان السياسي.
و سرعان ما يدلي الثعالبي بحكمه متّفقا مع أعضاء اللّجنة التنفيذيّة و قبل سماع رد الدّيوان السّياسي على التّهم السّبعة و الخطيرة الموجّهة إليهم، حيث يقول:" أبصرت و أنا أقرأ ردّ اللّجنة التنفيذيّة على تلفيقات الدّيوان السّياسي شبح الخطر المخيف يتهدّد قضيّة الأمّة بعد أن انتقلت من محيط النّزاع الشّخصي الّذي يقع عادة بين طلاّب الزّعامات إلى التردّي و الخروج عن المبادئ المثلى" . و قد اعتبر الثعالبي أن الحبيب بورقيبة " يخاتله بالإنقياد الظّاهر". و الحقيقة أنّ الحبيب بورقيبة سياسي، و من طبعه المناورة سواء مع سلط الإستعمار أو حتّى مع رفاقه من الحزبيّين.
كيف كانت مساعي الوفاق بين الشقّين؟
لقد ذكر الثعالبي في بيانه أنّه قد تمّ عقد أربعة جلسات وفاقية بين الفريقين المتنازعين و هي كالتالي:
الجلسة الوفاقيّة الأولى (21 جويلية 1937) :
لقد كانت هذه الجلسة بتاريخ 21 جويلية 1937 بحضور الإمام عبد الحميد ابن باديس رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين و السيّد البشير البكري و الدّكتور أحمد بن ميلاد، و كانت جلسة ودّية و تصالحيّة.
الجلسة الثّانية (3 أوت 1937) :
لقد حضر في هذه الجلسة مندوبون عن اللّجنة التّنفيذية و هم: صالح فرحات، الطيب الجميل، محمد بن ميلاد،علي بوحاجب، الشّاذلي خزندار، محمّد المهيري، المنصف المستيري. و مندوبون عن الدّيوان السّياسي و هم: الطّاهر صفر، سليمان بن سليمان، صالح بن يوسف، الحبيب بورقيبة. و قد أمضى الحاضرون محضر الإجتماع الّذي صاغه صالح بن يوسف و قد تضمّن القرار التّالي:
تأليف لجنة منتخبة من الهيأتين متركّبة من السّادة: الطّاهر صفر، سليمان بن سليمان، و علي بوحاجب و صالح فرحات تحت رئاسة الأستاذ الثعالبي و ذلك لتحقيق وسائل العمل.
لقد تمّ نشر محضر الإتّفاق في الصّحف التّونسية و لكن جريدة "البيتي ماتان"Le petit matin نشرت تصريح للدّيوان السّياسي ينفي فيه مسألة الإتّفاق مع اللّجنة التّنفيذيّة. ثمّ نشر الطّاهر صفر في جريدة العمل ما يفيد ذلك قائلا:" و لذلك إحقاقا للحق و إيضاحا لبرنامجنا نعلن للأمّة التّونسية و لكافة شعبنا أنّ الإجتماع الّذي عقدناه بمنزل الأستاذ الكبير و ما دار أثناءه من المداولات و الشروح، لم نحدث به أيّ حدث في الحزب و لم نغيّر به طريق سلوكه في الحاضر و المستقبل" .
نلاحظ أنّ الديوان السياسي قد عزم على الإنفصال عن اللّجنة التنفيذية و أنّ حضوره للإجتمعات السياسية يدخل ضمن المناورة السّياسية و ربح الوقت. و كما قال الثعالبي:
" فجماعة الدّيوان السياسي يظهرون لنا ميلهم إلى الوفاق على سبيل المصانعة و يتجافونه أمام الرّأي العام".
إنّ الخلاف بين اللّجنة التنفيذيّة و الدّيوان السّياسي ليس خلافا حول طرق العمل فقط، بل هو خلاف و تصادم بين مشروعين مختلفين، مشروع الشّيخ عبد العزيز الثعالبي و مشروع الحبيب بورقيبة الّذي يتقن جيّدا المناورة السّياسيّة.
إنّ الهدف من هذا الإنشقاق - حسب الثعالبي- هو القضاء على المشروع الّذي بناه: " و قصدهم بذلك اكتساب الوقت لإنزال الضّربة القاصمة لظهر المشروع الّذي اضطلعت به أمام الشّعب..." فهذه المقولة تؤكّد أنّ الصّراع هو ليس فقط على الزّعامة، بل هو أيضا خلاف و تباين بين مشروعين و لذلك فإنّ كلّ زعيم سوف يستميت من أجل الدّفاع عن خياراته و توجّهاته، و إن أظهر الثعالبي في بعض الحالات الحياد و لعب دور الموفّق.
لقد شهد صالح بن يوسف هذا الصّراع الزّعامي منذ أطواره الأولى، و قد وقف إلى جانب الحبيب بورقيبة، و قد اتّصل به الثعالبي من أجل توضيح الموقف بعد صدور مقال "لو بتيمتان"Le petit matin. فهل كان صالح بن يوسف موافقا على مناورات الدّيوان السّياسي؟
نقل لنا الثعالبي استغراب صالح بن يوسف من تصريح الديوان السّياسي المنشور في هذه الصّحيفة. إلاّ أنّ صالح بن يوسف لا يستطيع معارضة مواقف الدّيوان السّياسي في هذه الفترة نظرا لحداثة عهده بالنّشاط السياسي ضمن الحزب الحر الدّستوري الجديد.
الجلسة الثّالثة (6 أوت 1937):
لقد كانت مداولات هذه الجّلسة عنيفة حسب تعبير الثعالبي، و قد التأمت بمنزل الشّيخ في حلق الوادي و قد تمّ الإتّفاق على المبادئ التّالية:
طيّ الماضي بحذافيره.
أن يكون عمل الهيأتين جاريا على وتيرة مقرّرات مؤتمر 1933.
توحيد جهود الفريقين و استمرار التّجانس في الفكر و التناسق في العمل فيما يخص سياسة البلاد، و تكوين لجنة عليا تسمّى " لجنة النظر و البحوث السياسية"، و تتركّب من ثمانيّة أعضاء تحت رئاسة الثعالبي ينتخبون من الهيأتين.
اجتناب المساس بتشكيلات الهيأتين للحزب و إجراء الأعمال فيهما طبق قيود المؤتمرات السابقة و التراتيب الخاصّة بكلّ هيئة.
لجنة النّظر و البحوث السّياسيّة تتفاهم في جميع المسائل العليا التي تتعلّق بالحكومة و إيفاد الوفود للمفاهمة فيها.
وقد وقع خلاف حول مسألة إرسال الوفود، حيث قال الطّاهر صفر أنّ مسألة " تقييد إيفاد الوفود بلجنة البحوث و النّظر و البحوث السياسية يعتبر تحديا شخصيا للحبيب بورقيبة" ، ممّا جعل الثعالبي يستنتج في هذا البيان أنّ جماعة الدّيوان السياسي " يبيّتون شرّا للبلاد بوضع اتّفاقيّة جديدة تقوم مقام معاهدة الحماية، يعترفون فيها بالحقوق المكتسبة، و وجود سيادتين في البلاد و تكون لهذه المعاهدة صبغة الرّضا و الإختيار من طرف الأمّة التّونسيّة" . و هذا الإستنتاج الخطير يدلّ أيضا على عدم حياديّة الثعالبي و انسياقه في رمي التّهم لأعضاء الدّيوان السّياسي كما يفعل رفاقه من أعضاء اللّجنة التّنفيذية.
و اقترح سليمان بن سليمان من أجل تفادي مشكلة الوفود دمج الهيأتين في بعضهما بطريقة الإنتخاب العام في مؤتمر للحزب يدعو إليه الحزب. و لكن الثعالبي قد عارض هذه الفكرة بتعلّة أنّ الوقت لم يحن بعد لاندماج الفريقين. و أظنّ بأنّ الثعالبي يدرك جيّدا بأنّ مسألة الإندماج لن تكون في صالح اللّجنة التنفيذية و لذلك فقد رفض هذه المسألة.
لم يتمّ غلق المحضر في هذا الإجتماع و تمّ تأجيله مرّتين إلى يوم 10 أوت 1937 ثمّ إلى يوم 12 أوت لأنّ ممثّلي الدّيوان السّياسي لم يلبّوا الدّعوة. و قد استنتج الثعالبي أنّ سبب التخلّف كان من أجل بث الدّعاية ضدّ اللّجنة التّنفيذية " لاكتساب الوقت لتحريك الأذناب و الدّعوة إلى التّهويش و إفهام السّوقة الّذين لا تعلو أفهامهم إلى إدراك الدّعوة البريئة..."
لقد استعمل الثعالبي أوصافا من قبيل "السّوقة"، "الدّهماء"، "البسطاء"،"الأغرار"...على الشّعب الموالي للدّيوان السّياسي، و هو حسب رأيي نوع من التّعالي على الشّعب الّذي دأبت
عليه نخبة الحزب الحر الدّستوري " القديم" منذ تأسيسه.
و هذا التّعالي أو الفكر النّخبوي هو الّذي حال دون الإتّصال بالطّبقات الشّعبيّة البسيطة و المسحوقة، و ما ميّز جماعة الدّيوان السياسي عن جماعة اللّجنة التّنفيذيّة هو أنّهم يعتبرون أنّ الإتّصال بالقواعد الشّعبيّة هو عنصر قوّة و ضغط على السّلطة الإستعماريّة.
إنّ تغيّب ممثّلي الدّيوان السّياسي عن حضور الإجتماعات المقرّرة جعل الثعالبي يصفهم و أتباعهم و الصّحف الّتي تروّج لأفكارهم بأشنع الأوصاف و أحطّها: " خصوصا و قد ضامّهم كتّاب السّفاهة و النّفاق و صحف الخيالة و التّضليل الّتي لم تنشأ إلاّ لحرب الأمّة، و مدّ سلطان الإستعمار القائم عليها...فجمعوا حولهم لمامة قذرة لفظتها الأمة من قبل و نبذها الشّرف....لكنّهم لا يبالون بالكذب و هم دائبون عليه لا تندى وجوههم و لا يشعرون بحمرة الخجل. و هكذا كانوا يغرقون في الإفتراء و البهتان..." نلاحظ إذن، درجة سخط الثعالبي على أعضاء الدّيوان السّياسي، و لا يمكن أن يصدر هذا الكلام من محايد أو حكمٌ بين الطرفين.
اجتماع لجنة الإتّصال الأخير:
حضر في هذه الجّلسة الأخيرة صالح فرحات، علي بوحاجب، الطيب الجميل، المنصف المستيري، و محمّد المهيري من اللّجنة التّنفيذية و سليمان بن سليمان، الطّاهر صفر و صالح بن يوسف من الدّيوان السياسي. و قدّمت كل هيئة قرار حزبها في الوفاق:
ماهي قرارات اللّجنة التّنفيذية؟
وافقت اللّجنة التّنفيذيّة للحزب على تكوين لجنة النظر و البحوث السّياسيّة المتألّفة من ثمانية أعضاء و ينتخب كل شقّ من الطرفين نصفهم أي أربعة أعضاء. و تكون هذه اللّجنة تحت رئاسة الشّيخ الثعالبي .
مهامّ هذه اللّجنة العليا تتمثّل في:
• النظر في جميع ما يتعلّق بالسّياسة العليا للحزب
• تمثيل الشّعب في علاقته بالحكومة
• إيفاد الوفود و تنظيم المعارضة بالبلاد
سوف تعمل هذه اللّجنة العليا على " تمتين أواصر العلائق و الرّوابط بين الطّرفين، و نبذ أسباب الخلاف و الشّقاق بصورة نهائية، و تقريب ساعة الإتّحاد و الإمتزاج تحت إشراف مؤسّس الحزب الجليل الشّيخ عبد العزيز الثعالبي."
نلاحظ إذن أنّ اللّجنة التنفيذية قد وافقت موافقة كاملة على مبادرة الثعالبي، و كيف لا توافق و زعيمها سوف يكون هو رئيس هذه اللّجنة المتكوّنة من أربعة ممثّلين من كلّ طرف؟! فهل سيقبل الدّيوان السّياسي بهذه المبادرة؟
ما هي قرارات الدّيوان السياسي؟
لقد رفض الدّيوان السّياسي مقترح إنشاء لجنة النظر و البحوث السّياسيّة و قد علّل قراره بأنّ " الإتّحاد المرغوب فيه هو اتّحاد العناصر و الشّعب الدّستوريّة مع بعضها اتّحادا حقيقيا متينا لا اجتماع أشخاص الهيئتين فقط في صعيد واحد" . أي أنّ الدّيوان السياسي يرغب في العودة إلى قواعده لكي تقرّر هذا الأمر و لذلك فقد اقترح:
عرض المسألة على مؤتمر الحزب القادم.
توحيد الهيأتين بواسطة انتخاب عام خلال المؤتمر الّذي سوف تشارك فيه الشّعب المنتمية لهما معا.
لقد تعامل الدّيوان السياسي مع هذه المسألة بذكاء كبير إدراكا منه بأنّ اللّجنة التنفيذية ليس لها من الشُّعب الكافية لكسب هذه المعركة . و بذلك فقد حسم الدّيوان السياسي هذا الأمر و قد باءت مساعي الثعالبي بالفشل. وسيبين الشيخ موقفه الواضح و كلمته الحاسمة بشأن هذا الصّراع.
كيف كان موقف الثعالبي من قرارات اللجنة التنفيذية و الديوان السياسي؟
لقد برّأ الثعالبي عند إبداء ملاحظاته الخاصّة حول القرارين أعضاء اللّجنة التّنفيذية وعبّر عن صدق مقولاتهم و سعيهم للوفاق...أمّا قرارأعضاء الدّيوان السّياسي فهو حسب رأيه ينبذ الوفاق و اتّهمهم بالسعي إلى" تحطيم مشروع الوفاق على صخرة الإستشارة المدخولة، حفظا لمصالهم الذّاتية" ، كما وصفهم " بالمتكالبين على الزّعامة" و إلى غير ذلك من الأوصاف السيّئة. و قد أمهل الثعالبي الدّيوان السياسي شهرا كاملا قبل نشر هذا البيان " لعلّهم يثوبون إلى رشدهم و يبرمون الوفاق..." و قد نشر الثعالبي هذا البيان في الموعد المحدّد بالرّغم من الحملات التّي شنّت ضدّه.
المواجهة بين الزّعيمين
تمثّلت هذه المواجهة عند زيارة الحبيب بورقيبة و رفاقه (الطاهر صفر، البحري قيقة، صالح بن يوسف، سليمان بن سليمان و الصّادق بو صفّارة) بيت الزّعيم عبد العزيز الثعالبي.
و قد اقترح الدّيوان السياسي اقصاء أربعة من أعضاء اللّجنة التّنفيذيّة و هم علي
بوحاجب، محي الدّين القليبي، الشاذلي الخلاّدي، و المنصف المستيري من أجل القبول بتكوين لجنة عليا تكون وسطا بين الهيأتين. و قد سبق للثعالبي - حسب قوله- أن رفض مثل هذا الإقتراح من قبل اللّجنة التنفيذية و المتمثّل في إقصاء أربعة أعضاء من الدّيوان السّياسي و ذلك حفاظا على الوفاق بين الشقّين وقد وقع الإتفاق معهم "على الإتّحاد بين الهيأتين دون إقصاء أي أحد منهما" .
و قد نقل لنا الثعالبي معاني الحوارالتّالي الّذي دار بينه و بين بورقيبة :
- عبد العزيز الثعالبي: " لماذا تريدون هدم ما بنيتموه بأيديكم من قبل؟"
- الحبيب بورقيبة:" كنّا أقلّية و الآن و قد تكاثرنا و بلغ الدّاخلون في حزبنا خمسين ألف نسمة يسعنا أن نستغني عنهم كلّهم فضلا عن البعض منهم."
- عبد العزيز الثعالبي: " و كيف تستطيعون أن تستغنوا عن 200000 نسمة المنضوين تحت لوائهم و ما أنتم إلاّ أقلّية بجانبهم؟"
- الحبيب بورقيبة: "هذا رقم غير صحيح و ليس لهم مائتي رجل و يمكنك أن تقف على ذلك بنفسك يوم تخرج لزيارة البلاد التّونسيّة فتجد النّاس جميعا واقفين تحت ألويتنا."
- عبد العزيز الثعالبي:" أودّ أن أرى ذلك."
نرى الحبيب بورقيبة في هذا الحوار كيف يتحدّى الثعالبي ليتحوّل الصّراع إلى صراع زعامتين، زعامة ناشئة و المتمثّلة في الحبيب بورقيبة و زعامة قديمة متأصّلة في النّضال.
هذا المشهد المثيرهو عبارة عن صراع بين جيلين مختلفين؛ جيل القدماء و جيل المجدّدين. و يتواصل هذا التحدّي بين الزّعيمين ليتّفقا على زيارة العديد من مناطق الإيّالة يوم 4 سبتمبر 1937 حتّى يتبيّنا درجة شعبيّة كل فريق: "حتّى نتبيّن الأقلّية من الأغلبيّة" ، إلا أن الحبيب بورقيبة قد أخلف موعده. و لكن الشيخ الثعالبي قام بحملته و زار عدّة مناطق في ذلك اليوم (حمام سوسة، مساكن، سوسة، كركر، السواسي، ماطر، فيرفيل، طبربة، الجديدة...) . و كانت "عصابة من فلتاء المنستير" حسب تعبير الثعالبي في كلّ جهة قصدوها تعترض طريقهم تهتف ضدّهم و تقذف سيّاراتهم بالحجارة...و قد أشار الثعالبي إلى محاولة اغتياله في ماطر عشيّة 25 سبتمبر 1937 من قبل" جموع مسلّحة سيقت إليها من باجة و بنزرت و سوق الأربعاء و سوق الخميس من المجرمين الذين اصطفتهم عصابة الدّيوان السّياسي..."
لقد تحوّل هذا الصّراع السّياسي بين الزّعيمين في نهاية المطاف إلى صراع زعامي عنيف بعد فشل الحوار، ممّا يؤكّد لنا أنّ هذا الصّراع ليس مجرّد صراع حول طرق عمل بين اللّجنة التنفيذية و الدّيوان السّياسي و لكنّه صراع حول الزّعامة الوطتيّة و الحزبية بين الثعالبي مؤسّس الحزب الحرّ الدّستوري و الحبيبب بورقيبة مؤسّس الحزب الحرّ الدّستوري الجديد.
الحبيب بورقيبة هو "محرّك الجماهير"حسب عبارة قوستاف لوبونGustave Le Bon ، رغم أنّه لم يكن هو رئيس الحزب في ذلك الوقت، و هو ما يدعونا للتساؤل عن سبب غياب محمود الماطري شبه الكلي خلال هذا الصّراع الزّعامي المثير.
ما الذي يمكن أن نستخلصه من هذا البيان؟
لم يقل الثعالبي في خاتمة بيانه القصيرة كلمته الحاسمة بخصوص جماعة الدّيوان السّياسي، و لكن نعتهم بالعصابة. و قد أظهر الثعالبي استسلامه قبل انتهاء هذا الصّراع الزّعامي نظرا لما جدّ من أحداث عنف خلال هذه الفترة القصيرة نسبيّا من الصّراع.
و قد اعتبر الثعالبي أنّ كرامة الأمّة قد مسّت في شخصه بسبب ما لقيه من طرف الدّيوان السّياسي، و ترك لها الحكم على المنشقّين عن حزبه من جماعة الديوان السّياسي الذّين" نكبوها في سياستها و طعنوها في سمعتها و ضحوا بمصلحتها في سبيل شهواتهم الدّنيئة" .
و في الحقيقة أنّ الثعالبي قد قال كلمته الحاسمة في شبّان الديوان السّياسي و ذلك من خلال النّعوت السلبية الّتي أطلقها عليهم منذ الصّفحات الأولى من هذا البيان.
لقد وظّف الثعالبي الخطاب الدّيني في هذا البيان من أجل اقناع قارئه بأنّ جماعة الدّيوان السياسي هم المتسبّبون في الفرقة و الشّقاق " الّذين فرّقوا دينهم و و كانوا شيعا لست منهم في شيء(القرآن)" ، " ليس منّا من دعا إلى عصبيّة(حديث نبوي)". و قد استعمل الثعالبي المعجم الدّيني في بيانه في عدّة مواضع أخرى من أجل إعطاء أحكامه صبغة نهائيّة لا يمكن مناقشتها، و الحال أنّ آراءه هي مجرّد مواقف سياسيّة من الجائز معارضتها أو تفنيدها.
كما أراد الثعالبي أن يظهر في هذا البيان بمظهر رجل الدّين المصلح، النّاصح، المرشد و الدّاعي إلى صراط الله المستقيم و ذلك من أجل إعطاء خطابه السّياسي أكثر قوّة و إقناعا و حسما "حاولنا أن ننصح هؤلاء البغاة، و نستصلحهم ونرشدهم إلى سواء السّبيل كما أمرنا الله بذلك فلجّوا في العتوّ و النّفور و استنكفوا أن يحتكموا إلى كتاب الله و رجّحوا عليه تحكيم الغوغاء و من إليهم من أبناء الشّوارع و معاودي الإجرام..."
نلاحظ أنّ الثعالبي- من خلال هذا الموقف - يرفض تحكيم الشّعب الّذي نعته بالغوغاء و قد أبرز موقفه حتّى من الدّيمقراطيّة باعتبارها عصبيّة " يدعون المسلمين إلى عصبيّة أنكى من العصبيّة الجّاهليّة عصبيّة الفناء في الغير،عصبيّة الدّيمقراطيّة".
إنّ اعتباره الدّيمقراطية عصبية أسوأ من عصبية الجاهليّة، يدلّ أنّ الشيخ عبد العزيز الثعالبي قد تخلّى عن آرائه التحرّرية التي بدأ بها مشواره السياسي و التي عبّر عنها في كتابه "روح التحرر في القرآن".
لقد استعمل الثعالبي في هذا الجزء من البيان كلّ أساليب التّشويه و التّخوين و التّكفير من أجل النيل من الخصم. و هو سلاح خطابي قد اُعتمد في تلك الفترة من أجل النيل من المنافس السّياسي.
لا أظن أن الثعالبي من خلال شيطنة الآخر و الزّج به في مراتب غير لائقة و وضيعة يريد إصلاحا أو وفاقا بين الجانبين. فالمعجم الذي استعمله يدل على أنّه طرف مشارك في الصراع، هدفه الحط من شعبية الحبيب بورقيبة و رفاقه الذين كانوا يهددون زعامته و مكانته الحزبية بصفة جدية.
الحقيقة أنّ الثعالبي يتحمّل مسؤولية فشل مسعاه نحو الإصلاح بين اللجنة التنفيذية و الديوان السياسي، و ذلك نظرا للأسباب التالية:
عدم حياد الثعالبي: فمن خلال بيان الكلمة الحاسمة نلاحظ عدم حياد الشيخ الثعالبي و لم يترك الفرصة لقارئ البيان للحكم على المسألة و ذلك بسبب اطلاقه نعوتا مسيئة لجماعة الديوان السياسي و شيطنتهم من خلال توظيف معجم ديني و تكفيري.
عجز الثعالبي على فهم و استيعاب جماعة الديوان السياسي: بالرّغم من الترحيب
الكبير الذي لقيه الثعالبي من طرف الدستوريون الجدد و عدم حضور الحزب القديم مراسم الإستقبال، فإنّ الثعالبي و بحكم غيابه الطويل عن أرض الوطن لم يستوعب االتطورات التي حصلت في وعي الجماهير بفضل مجهودات أعضاء الديوان السياسي و الأساليب الناجعة و الجديدة التي اعتمدوها في الدعاية. و قد بقي الثعالبي مرتبطا بأساليب اللجنة التنفيذية العقيمة و المتعالية على الشعب. و إنّ أسلوب الشتم و الشيطنة الذي اعتمده في بيانه يدلّ على محدودية قدراته التواصلية بالرّغم من قيمته العلمية و خبرته السياسية المشهود بها.
عدم القبول بمقترح الديوان السياسي: كان بإمكان الثعالبي التأثير على جماعته و القبول بمقترح أعضاء الديوان السياسي بعقد مؤتمر يفصل بين المتنازعين. فلماذا تمّ رفض هذا المقترح؟
إنّ أعضاء اللجنة التنفيذية يدركون تمام الإدراك أن عقد المؤتمر سوف يؤدي إلى فوز الحبيب بورقيبة و رفاقه و سوف يغيّبون تماما عن المشهد السياسي في حالة حدوث هذا المؤتمر، و نظنّهم يدركون جيدا قدرات الحبيب بورقيبة الخارقة في التعبئة الجماهيريّة.
كما أنّ الثعالبي كان يريد الحفاظ على زعامته من خلال سعيه لترؤّس لجنة الثمانية بدون أي تنافس أو صراع اعتقادا منه بأنه لايزال أبا للتّونسيين جميعا، و هو أمر غير ممكن أمام صعود التيار االسياسي الجديد الذي يتزعمه الحبيب بورقيبة.
يعتبر هذا البيان "الكلمة الحاسمة" من الوثائق التّاريخيّة الهامّة الّتي استطعنا من خلالها التعرّف على حقيقة امكانيات كلّ من عبد العزيز الثعالبي و الحبيب بورقيبة في إدارة هذا الصّراع الزّعامي و السّياسي.
لقد حاول عبد العزيز الثعالبي في ظاهر بيانه أن يبين للشعب الجهود التي تكبدها من أجل الوفاق بين اللّجنة التنفيذية و الديوان السياسي، و لكن باطن البيان يخفي صراعا زعاميّا حادّا بينه و بين الحبيب بورقيبة.
كان على الموفّق أن يكون محايدا و لا يبدي ميله لأي طرف من أطراف النّزاع، و لكن الثعالبي لم يستطع أن يقف موقف الحياد و قد أبدى في أكثر من مرّة ميله لرفقائه القدامى في النّضال. كما أنّه سعى إلى شيطنة الديوان السّياسي و تشويههم و تبرئة اللّجنة التنفيذية و تأكيد خلوّهم من الشّوائب و العيوب.
لقد تأكّد لنا من خلال المواجهة الأخيرة مع الحبيب بورقيبة أنّ الثعالبي كان يدافع في آخر المطاف عن زعامته المهدّدة. و لكنّه استسلم في الأخير بعد محاولة اغتياله، قانعا بالهزيمة و لم يواصل التحدّي.
عودة الثعالبي إذن قد حسمت الصّراع بشكل نهائي بين اللّجنة التنفيذية و الدّيوان السّياسي، حيث تمّ الإنفصال بين الفريقين، و قد خرج الحبيب بورقيبة منتصرا بعد هذا الصّراع الزّعامي، الذي لم يكن فيه التزام من قبل الطرفين بقواعد اللّعبة السّياسية الشّريفة من خلال توخّي أساليب عنف لفظيّة أو مادّية.
لقد كان صالح بن يوسف حاضرا في هذا الصّراع و كان طرفا فيه و هو الذّي بدوره سيعيش صراعا مع الحبيب بورقيبة شبيها بهذا الصّراع و لكنّه أكثر إثارة و مأساويّة.
لا أحد ينكر بأنّ الثعالبي كان رجلا سياسيّا متميّزا، لكونه الزّعيم الأوّل للحزب الحر الدّستوري التّونسي. و كان يحظى بشعبيّة كبيرة سواء في بلاده أو في البلاد العربيّة و الإسلاميّة. و إنّ احتفالات و مراسم التّوديع الّتي أقيمت له في مصر قبل العودة إلى أرض الوطن تدلّ على الشّهرة التي اكتسبها هذا الرّجل في الوطن العربي و الإسلامي. رغم كلّ ذلك، فإنّ الثعالبي قد عجز على فرض نفسه بعد عودته من الغربة، نظرا لقدرات الحبيب بورقيبة السياسية الهائلة و تمكّنه من فنّ المناورة و حشد الجماهير المناصرة له. و نظرا أيضا لعدم معرفة الثعالبي بالتحولات السياسية العميقة التي شهدتها البلاد خلال فترة غيابه الطويل.
الحبيب بورقيبة و رفاقه كانوا يختلفون عن حسن القلاتي و الجماعة التي أيّدته، فالفريق الأوّل يتميّز بالتصلّب، أمّا الثّاني، فقد كان عكس ذلك تماما؛ فريق لّيّن تنازل على أهم مطلب شعبي المتمثّل في الدّستور. و هذا التصلّب الذّي وُصف به الديوان السّياسي كان ناتجا عن الظّروف الإقتصاديّة الصّعبة التي مرّ بها الشّعب التونسي في الثّلاثينات أي منذ أزمة 1929 العالميّة.
لقد كان الحزب الحر الدّستوري يعتمد سياسة الحذر و التوقّي و كانت طرق عمله مقتصرة على المقالات الصحفية و الإجتماعات السياسية و إرسال الوفود و العرائض...و ذلك لأنّ القيادة كانت إلى سنة 1933 منبثقة أساسا عن برجوازيّة مدينة تونس و كان يسيطر عليها أنذاك محامون قدماء و فلاّحون كبار و تجّار بالجملة. و بحكم انتمائهم الإجتماعي و الطّبقي كان هؤلاء القادة ينبذون التشدّد و العنف، بينما كان جماعة العمل التّونسي الّذين بلغوا قيادة الدّستور في شهر ماي 1933 من أصيلي داخل البلاد و من البرجوازيّة الصّغيرة . و لذلك فقد غاب الإنسجام بين الفريقين عند انضمام هؤلاء الشّبان إلى اللّجنة التّنفيذية بعد مؤتمر ماي سنة 1933.
و قد أشار المؤرّخ علي المحجوبي أنّ التّعايش في صلب قيادة واحدة بين شخصيات تفصل بينهم السن و المزاج و الأصول الإجتماعية و التصور للمقاومة الوطنيّة لا يمكن أن يستمرّ طويلا و لا بدّ أن ينتهي حتما إلى تصفية إحدى نزعتي اللّجنة التنفيذيّة أو إلى انشقاق الحزب . و لذك فإنّ تشخيص الثعالبي لأسباب الصّراع كان مبسّطا و قد اختزله في " نزوع أفراد إلى التشبث بالشقاق ليتسلّقوا منه إلى كرسي الزعامة و يغتصبوها من الأمّة اغتصابا على حساب المصلحة العامّة"
لقد حصر الثعالبي الخلاف بين الشقين المتنازعين في سبب واحد تمثّل في سعي جماعة الدّيوان السياسي إلى الزّعامة الحزبيّة و يظهر أنّ الثعالبي قد تسرّع في تحديد الأسباب و لم يتعمّق فيها.
إن الصراع الزّعامي بين الشيخ عبد العزيز الثعالبي و حسن القلاتي مثّل فاتحة الصراع الزّعامي الحزبي في مسيرة الحركة الوطنية التونسية. و قد كان هذا الصراع ذا طابع سلمي في العموم لأنّه كان بالأساس خلاف أفكار و توجهات؛ فحسن القلاتي لم يكن مقتنعا بمبادئ و سياسة الحزب الحر الدستوري. و كان حزبه الجديد الذي أنشأه يهدف إلى الإصلاح ضمن منظومة الحماية، و كان رافضا لفكرة الدستور التي هي من ركائز الحزب الحر الدستوري. أمّا الحلقة الثانية من الصراع الزّعامي في ظل الحزب الحر الدستوري القديم فقد تميّزت بالعنف و الشدّة. و قد عكس هذا الصراع الزّعامي الثاني خلافا شديد الوطأة بين جيلين مختلفين من حيث التوجهات و استراتيجيات العمل، رغم أنّهم قد حافظوا على نفس تسمية الحزب و مبادئه العامّة.
إنّ دراسة هذه الحلقة من الصّراع الزّعامي بين الحبيب بورقيبة و الشّيخ الثعالبي و التمعّن فيها ضروري لفهم الصّراع اليوسفي البورقيبي، خاصّة و أنّ صالح بن يوسف كان شاهدا و طرفا في هذا الصّراع.
و إنّ علاقة عبد العزيز الثعالبي مع الحبيب بورقيبة ليست كعلاقته مع صالح بن يوسف - الجربي- و قد أشار الأستاذ محمّد لطفي الشّايبي إلى وجود روابط متينة بين عبد العزيز الثعالبي و أهل جربة " المزابيّة خاصّة" أصيلي وادي مزاب بالجزائر .
و قد حضر صالح بن يوسف جنازة الشّيخ عبد العزيز الثعالبي و قدّم خطابا تأبينيّا معتبرا
فيه أنّ الثعالبي ليس فقط أب الدّستور بل هو الأب الحقيقي للأمّة و للوطنيّة، بينما غاب الحبيب بورقيبة عن هذا الموكب التّاريخي.
صالح بن يوسف لم تكن له علاقة عدائيّة مع الحزب الحرّ الدّستوري القديم، و لذلك فقد نجح في تنظيم مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 الذي جمع الحزبين القديم و الجديد، إضافة إلى التيّارات و الجمعيّات الوطنيّة الأخرى. كما ساند الحزب الحرّ الدّستوري القديم صالح بن يوسف خلال صراعه الزّعامي مع الحبيب بورقيبة.
و إن كلّ متابع لهذا الصراع سيتساءل حتما عن سبب غياب شبه الكلي لرئيس الحزب محمود الماطري رغم أنّ هذا الصراع قد انعرج في آخر المطاف نحو العنف و التهديد بالقتل(أحداث ماطر). وإنّ عدم دخول الماطري بشكل واضح في هذا الصراع يدلّ :
- أوّلا :على ضعف محمود الماطري أمام قوّة نفوذ الحبيب بورقيبة -حتّى و إن لم يكن رئيسا للحزب- فقدرته على الخطابة ومهارته في التأثير على الجماهير و الكاريزما التي يتمتع بها تفوق إمكانيات الماطري ذي الشخصية المسالمة و المعتدلة و التي تنبذ الصّراع.
- ثانيا : الإحترازات التي كان يبديها الماطري منذ نشأة الحزب الحر الدستوري الجديد من مواقف الحبيب بورقيبة. و هو ما سنفصّله في العنصر الموالي الذي يتمحور حول الصراع الزّعامي صلب الحزب الحر الدّستوري الجديد.
2. الصّراع الزّعامي صلب الحزب الحر الدّستوري الجديد
إنّ ظاهرة الصّراع الزّعامي الحزبي هي من الظواهر السياسية التي رافقت جلّ الأحزاب السياسية العربية و حتّى الغربيّة المعاصرة، و هي ظاهرة جديرة بالدّراسة و البحث. و لم يسلم الحزب الحر الدستوري القديم أو الجديد من هذا الصّراع الزّعامي .
لقد أشرنا في مقدّمة هذا الفصل بأنّ الصراعات الزعامية التي شهدها الحزب الحر الدستوري القديم و الجديد هي حلقات مترابطة و إن بدت في ظاهرها منفصلة. فهناك خيط رابط يجمع بين مختلف المنافسات الزعامية التي شهدتها الساحة الحزبية في الفترة الإستعمارية. وإنّ دراسة الصراع الزّعامي اليوسفي البورقيبي لا يمكن أن تكون منفصلة عمّا سبقها من صراعات، خاصّة و أنّ الحبيب بورقيبة كان طرفا محوريا في الصراعات الزعامية الثلاث الأخيرة.
لقد رأينا في العنصر السّابق أنّ الحبيب بورقيبة قد استطاع أن يزيح الشيخ عبد العزيز الثعالبي مؤسّس الحزب الحر الدستوري، الذي كان يعتبر نفسه الزّعيم الأب للتونسيين. و سنتعرّض في هذا العنصر إلى حلقتين من حلقات الصّراع الزّعامي؛ الحلقة الأولى، كانت بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري، أوّل رئيس للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد الذي انبثق عن مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934. و الحلقة الثانية في ظل الحزب الحر الدستوري الجديد و الأخيرة في سلسلة الصراعات الزعامية كانت بين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف.
الفرق بين الحلقتين؛ هو أنّ الحلقة الأولى كانت قصيرة زمنيّا و لم تشهد أي مظهر من مظاهر العنف، أمّا الصراع الزّعامي بين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف فقد كان طويلا من الناحية الزّمنية و عنيفا في مرحلته العلنية. و قد خيّرنا في هذا العنصر الإقتصار على إبراز المؤشّرات و العلامات الدّالة الأولى للصراع الزّعامي اليوسفي البورقيبي، على أن تكون دراسة و تحليل مجمل أطوار هذا الصراع و ملابساته في الفصول اللاحقة من هذا البحث. فماهي أسباب الخلاف بين محمود الماطري و الحبيب بورقيبة؟ و هل يمكن لنا معرفة مؤشرات الصّراع اليوسفي البورقيبي و علاماته الدّالة الأولى التي مهّدت لبروز المعارضة اليوسفية ؟
أ. التنافس بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري
يعدّ محمود الماطري خصما سهلا مقارنة بالثعالبي، و لذلك فإنّ الخلاف بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري لم يصل إلى درجة الصراع العنيف على الزّعامة. و سوف نحاول في هذا العنصر البحث عن أسباب الخلاف بين الزّعيمين الذي انتهى باستقالة محمود الماطري من الديوان السياسي.
في الحقيقة، إنّ الخلاف بين الزّعيمين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري لم يصل إلى درجة الصّراع الحادّ، و ذلك نظرا لطبيعة شخصيّة محمود الماطري المسالمة و"المعتدلة".
لقد كان محمود الماطري طبيبا مرموقا و لم يتخلّ عن عمله بالرّغم من تولّيه مهمّة رئاسة الحزب الحر الدّستوري الجديد منذ انبعاثه إثر مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934 ، بينما تفرّغ الحبيب بورقيبة إلى العمل السّياسي و قد تخلّى بصفة شبه كلّية عن مهنته كمحام. فماهي أسباب الخلاف الحقيقية بين الزّعيمين التي أدّت إلى استقالة الماطري بشكل سهل و سلس؟
1) من هو محمود الماطري؟
ولد محمود الماطري في مدينة تونس العتيقة )نهج عبّا) في 21 ديسمبر 1897. و قد عاش يتيم الأبوين؛ فقد توفّيت أمّه عند ولادته ثمّ لحقها أبوه بعد عشرة أشهر من ذلك التاريخ.
زاول الماطري دراسته الإبتدائية و الثانوية بالمدرسة الصّادقية من سنة 1906 إلى حدود سنة 1916 حيث تحصّل على شهادة ختم الدّروس، ممّا مكّنه من مباشرة التّدريس كمعلّم بالمرسى مدّة سنتين ابتداء من أكتوبر1916 بالتزامن مع إعداد شهادة الباكالوريا حيث تحصّل على جزئها الأول سنة 1918 بتونس، و على جزئها الثاني سنة 1919 من أكاديمية ليون بفرنسا (اختصاص رياضيات). إثر ذلك التحق بمدينة ديجونDijon لإتمام دراسته العليا في الطب ثم بباريس . و قد تحصّل على الإجازة في الفيزياء و الرّياضيّات سنة 1923 ثمّ على شهادة الدّكتوراه في الطب سنة 1926 بدرجة "مشرّف جدّا". ثمّ عاد نهائيّا إلى تونس في مطلع نوفمبر 1926.
أثناء تواجده بفرنسا، انتمى الماطري إلى تنظيمات سياسية مختلفة (رابطة حقوق الإنسان، الحزب الإشتراكي، الحزب الشيوعي، نجم شمال إفريقيا(1926). و قد اكتسب الماطري وعيا سياسيا مبكّرا حيث كتب في صحف فرنسية ذات التوجّه اليساري بداية من سنة 1919 (progrès de la Côte d'Or,Clarté,Rappel socialiste, Vie ouvrière) .
2) ما هي أسباب الخلاف بين الزّعيمين؟
انطلاقا من مذكّرات محمود الماطري "مذكّرات مناضل" التي نشرت سنة 1992
-أي بعد عشرين سنة من وفاته- سوف نحاول استجلاء أسباب الخلاف الّذي جدّ بين الزّعيمين، هذا الخلاف الذي أدى في نهاية المطاف إلى استقالة محمود الماطري من رئاسة الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد.
إنّ نص الإستقالة التي وجهها الماطري إلى الديوان السياسي بتاريخ 13 جانفي سنة 1937 يفيد بأن هذه الإستقالة كانت لأسباب صحية .
في الحقيقة، هناك أسبابا أخرى لاستقالة محمود الماطري تمثّلت خاصّة في خلافه مع الحبيب بورقيبة و من والاه من الشقّ المتشدّد في الدّيوان السّياسي، علما و أنّ الماطري
ليس هو من كتب نصّ الإستقالة و هو يظنّ بأن الحبيب بورقيبة هو الّذي حرّرها .
الرّسالة الأولى لاستقالة الماطري - و التي حرّرها بنفسه - وجّهها إلى رفاقه في الدّيوان السياسي في أواخر سنة 1937، و هي التي كان من الممكن أن" تتسبّب في كارثة" حسب رأي كل من الطّاهر صفر و يوسف الرّويسي. ويمكن أن نستخرج منها سببين رئيسيين للإستقالة:
عدم توافقه مع سياسة الجناح المتصلّب للديوان السّياسي:
لقد انتقد محمود الماطري في نصّ هذه الرّسالة العنف اللّفظي الذي يستعمله بعض أعضاء الدّيوان السّياسي في الإجتماعات العامّة و الكتابات الصّحفيّة الإنفعاليّة. و يرى بأنّها غير ذات جدوى و هي مضرّة بمطالب الحزب. كما دعا الماطري أعضاء الحزب بالرّد بقوّة على حملات المتفوّقين و لكن بدون تزييف الحقائق و الخروج عن المنطق. و قد اعتبر الماطري أنّ المقيم العام الفرنسي أرمان قيون Armand Guillon هو الوحيد الذي ساند القضيّة التونسية فلا يجب إذن اتّهام الحكومة الفرنسية بشدّة.
من الواضح أن الماطري كان رافضا لسياسة التصلّب الّتي كان يعتمدها بورقيبة و رفاقه من أجل حمل فرنسا على الإستجابة لمطالب الحزب.
مقال الحبيب بورقيبة:
لقد أراد الحبيب بورقيبة نشر مقال "عدم إدراك أم استخفاف" في جريدة العمل التّونسي و لكن محمود الماطري لم يكن موافقا على نشر ذلك المقال و طلب بتغيير العنوان و تنقيح المقال و قد أجمعت لجنة التحرير على هذا الطّلب، و لكن رغم ذلك فقد نشر المقال و قد تعلّل الحبيب بورقيبة بأنّ سكرتير التّحرير الهادي نويرة هو الّذي بادر بنشر المقال:
"و قد كان نشر مقالة بورقيبة دون ادخال التنقيحات التي وافقت عليها هيئة التّحرير بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس"
هذا التصرّف المثير الذي أقدم عليه الحبيب بورقيبة جعل الماطري يقرّر بصفة نهائيّة و لا رجعة فيها الإستقالة من عضويّة الدّيوان السّياسي و قد أصبح الوضع لا يطاق بالنّسبة للماطري: " إنّ موقف بورقيبة تجاهي و تجاه هيئة التّحرير لا يطاق"
في الحقيقة، إضافة للأسباب المذكورة في نصّ استقالته الأولى، هناك أسبابا أخرى قد أشار إليها محمود الماطري في مذكّراته سواء عند حديثه عن مؤتمر نهج التريبينال الّذي انعقد في أواخر أكتوبر 1937 أو حتّى قبل انعقاد هذا المؤتمر:
الخلاف خلال المؤتمر:
برز هذا الخلاف في مؤتمر الحزب الّذي انعقد في أواخر أكتوبر سنة 1937 (مؤتمر نهج التريبينال) بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري و قد انتهى هذا المؤتمر كما قال الماطري في "جوّ مكفهر يكاد يكون مأساويّا" . هذا الجوّ المكفهر كان بسبب الخلاف بين الشّق المتصلّب و الشقّ المعتدل في الدّيوان السّياسي.
نقطة الخلاف الّتي أشار إليها الماطري في هذه الشّهادة تتمثّل خاصّة في تصويت المؤتمرين على لائحة المؤتمر أثناء غياب الماطري بسبب المرض. وتتضمّن هذه اللائحة سحب توسّم الخير في الحكومة الفرنسية الّتي كان يمثلها أرمان قيون، الّذي يعتبره الماطري من المساندين للقضيّة التّونسية. و قد أجمع النّواب قبل التصويت أثناء حضور الماطري على حذف هذه النّقطة. كما اعتبر الماطري أنّ تصويت المؤتمر على اللائحة يعتبر خدعة و قد احتجّ على ذلك و لكنّه رغم ذلك قد قبل اللّائحة من أجل تفادي الإنقسام في صفوف الحزب. كما اضطرّ إلى قبول رئاسة الدّيوان السياسي و ذلك أيضا لاجتناب الإنشقاق. و هو ما يؤكد على طبيعة شخصية الماطري المسالمة و الرّصينة.
و قد لاحظ الماطري أنّ الحزب يزداد يوما بعد يوم تصلّبا و ذلك من خلال
الإجتماعات الشعبية الّتي يقوم بها الجناح المتصلّب في الحزب أو من خلال المقالات الصحفية في جريدة العمل التّونسي. و بذلك أصبح قيامه " بدور الحاجز بين الدّيوان و المقيم العام أمرا لا يطاق"
معارضته لإضراب 20 ديسمبر:
لم يكن محمود الماطري موافقا على قرار الإضراب التضامني مع الوطنيّين في المغرب و الجزائر بسبب التعليمات القمعيّة التي توخّتها السلطات الإستعماريّة في هذين البلدين، ممّا أدّى إلى اعتقال العديد من الوطنيين و النّقابيين و " رغم أنّ ردود الفعل الشّعبية كانت ضعيفة بل منعدمة في البلدين المعنيين، رأى بورقيبة و بن يوسف و بن سليمان و نويرة و بوقطفة من الضّروري شنّ إضراب عام تضامني في تونس. و كنت أنا و البحري قيقة ضد هذه المبادرة، لأن شن إضراب عام حسب رأيي في مثل تلك الظروف لا يخدم القضية التونسية و لا القضية المغاربيّة."
لقد عزم محمود الماطري على الإستقالة إثر هذا الإضراب منذ النصف الأوّل من شهر ديسمبر و بالأحرى عند اجتماع المجلس الملّي أيّام 14 و 15 ديسمبر 1937 حين أعلم المجلس بأنّه مصمّم على التخلّي على رئاسة الدّيوان السّياسي و قد قبل التريّث بعد إلحاح الحاضرين .
لم يتمكّن الماطري من فرض إرادته و آرائه على الجناح المتصلّب للحزب. و الأكيد أنّ طبيعة شخصيته المسالمة و انتهاجه لأسلوب "معتدل" و "عقلاني" جعله يستسلم بسرعة و لا يخوض صراعا زعاميا مع الحبيب بورقيبة، سيما و أنّ الثعالبي لم يفلح في مقاومة الصلابة التي تتميّز بها شخصية بورقيبة المناورة.
إنّ الحبيب بورقيبة كان هو "محرّك الجماهير" حسب تعبير قوستاف لوبون Gustave Le Bon في تلك الفترة و هو صاحب الشّخصيّة الكاريزماتية و النّرجسيّة المتمحورة حول ذاتها. و أنّ انتصار الحبيب بورقيبة على الثعالبي و على اللجنة التنفيذية بصفة نهائيّة جعلته يطمح في إزاحة الماطري و هو منافس سهل مقارنة بالثعالبي الذي يتميّز بتاريخ نضالي كبير و إشعاع على المستويين العربي و الإسلامي.
لا يمكننا فهم الصّراعات الزّعامية التي خاضها الحبيب بورقيبة دون الإعتماد على مقاربة ماكس فابر Max weber حول الزّعيم الكاريزماتي - التي تعرّضنا إليها في الفصل الأوّل من هذا الباب - و ما تتميّز به هذه الكاريزما من قدرة على قلب المعادلات السياسية. و الزّعيم من خلال ذلك التصوّر هو الذي يحرّك الجماهير، و هو الذي له القدرة على تغيير وجهة الأحداث و التّاريخ.
كاريزما الحبيب بورقيبة ترفض العقلانية و الواقعية و الإستسلام، و محمود الماطري كان عقلانيا و يتعامل مع الأوضاع و الأحداث بكلّ واقعية و رصانة و كان سريع الإستسلام. و كذلك الشيخ عبد العزيز الثعالبي كان مسالما رغم تعمّده استعمال ألفاظ نابية في " بيان الكلمة الحاسمة ". و قد استسلم بسرعة أمام عناد الحبيب بورقيبة و رفاقه من الديوان السياسي.
جنوح الزّعامة المستبطَن و الذي لا يمكن أن يصرّح به الحبيب بورقيية، يدفعه لتحدّي المنافسين و الخصوم و الإستماتة من أجل بلوغه، و استعمال كلّ الوسائل المشروعة أو غير المشروعة من أجل تحقّقه. إنّه صاحب الشخصية الكاريزماتية التي ترفض الخضوع و المهادنة قبل الوصول إلى تحقيق ذاتها. و إنّ هذا النوع من الزعماء السياسيين يندر وجودهم في التاريخ الإنساني، حتّى أنّ خصمه صالح بن يوسف قد أشاد به في أوج الصراع و المنافسة بينهما حين قال: " الحبيب بورقيبة هو من بين أكبر الشّخصيات الذكية في هذا البلد إن لم نقل في هذا القرن." و هو اعتراف ضمني بالمؤهّل الزعامي الذي يمتلكه الحبيب بورقيبة، من قبل خصم عنيد و "زعيم كبير" كان مصدر تهديد لزعامة " المجاهد الأكبر" الحبيب بورقيبة.
و سوف نتطرّق في العنصر الموالي إلى المؤشّرات الأولى للصّراع و التنافس الزّعامي اليوسفي البورقيبي.
ب. الصراع الزّعامي بين صالح بن يوسف و الحبيب بورقيبة: المؤشّرات الأولى
لقد شهد صالح بن يوسف الحلقة الأولى من الصّراع الزّعامي الحزبي بين الحبيب بورقيبة و عبد العزيز الثعالبي، و قد كان مشاركا و فاعلا في هذا لصّراع الّذي دار بين اللّجنة التنفيذية و الديوان السياسي. ثمّ شهد أيضا الخلاف بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري، و قد كان في صفّ الحبيب بورقيبة الذي خرج منتصرا في كلتا المنافستين. أمّا الحلقة الثالثة فسوف تكون بينه و بين الحبيب بورقيبة و سوف تكون أشدّ وطأة و أكثر حدّة و عنفا.
و قد وصف لويس بيريّي Louis perillier صالح بن يوسف قائلا: " كان صالح بن يوسف رجلا حازما، حادّ الذّكاء، حاذقا بل داهية، يمتلك جدلا شديد التّماسك و يستخدم اللّغة الفرنسيّة بدقّة رجل القانون و يعرف كلّ دقائق لغتنا و يتمتّع ببديهة سريعة سهلة و فوريّة لقد كان مفاوضا خطيرا، و رغم موقفه الوطني العنيد و مزاجه الحادّ، كان يعرف كيف يسيطر على نفسه ليقيم الدّليل على ديبلوماسيته و اعتداله. و لكن طموحه كان كبيرا حتّى أنّني كنت كثيرا ما أشعر أنّه يعتبر الحبيب بورقيبة خصما أكثر ممّا يعتبره قائدا له."
سوف يقع التركيز في هذا العنصر على المؤشّرات و العلامات الأولى للصراع الزّعامي بين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف. و يمكن رصد هذه المؤشرات في الفترة التي تلت إزاحة الماطري عن السّاحة السياسية و الحزبيّة، و هي ثلاث مؤشّرات رئيسيّة:
التنافس حول خلافة محمود الماطري
خلفيات هجرة الحبيب بورقيبة إلى الشّرق
إعادة تنظيم هياكل الحزب و السيطرة عليه من قبل صالح بن يوسف
1) التنافس حول خلافة محمود الماطري
إنّ استقالة محمود الماطري في جانفي 1938، فسحت مجال التنافس بين أعضاء الدّيوان السّياسي على منصب رئيس الحزب. و قد كشف المجلس الملّي المنعقد أيّام 13 و 14 مارس 1938 ثلاثة من بين أعضاء الدّيوان السياسي ممّن قدّموا ترشّحهم من أجل تجاوز الزّعيم الحبيب بورقيبة و نيل شرف رئاسة الحزب و هم :
- صالح بن يوسف
- سليمان بن سليمان
- الطّاهر صفر
إنّ مجرّد ترشّح هؤلاء لتجاوز الزّعيم الحبيب بورقيبة يعتبر مؤشّرا كافيا لوجود تنافس إن لم نقل خلاف بين المترشّحين الثلاثة و الزّعيم الحبيب بورقيبة. كما أنّ هذا الترشّح قد أظهرإلى العلن رغبة صالح بن يوسف في أن يصبح هو الزّعيم الأوّل في الحزب.
لقد كشفت شهادة يوسف الرّويسي الّذي كان حاضرا في ذلك الإجتماع مشهدا مثيرا للصراع الزّعامي داخل الحزب الحر الدّستوري الجديد ، بالرّغم من أنّ المترشحين يدركون جيّدا أنّ المجلس الملّي غير مخوّل حسب التراتيب القانونية للحزب لانتخاب الرّئيس، و أنّ هذا الأمر هو من مشمولات المؤتمر العام للحزب؛ إنّها رغبة جامحة – لم يستطيعوا مقاومتها أو إخفاءها- من أجل نيل الزّعامة .
ما ميّز شهادة يوسف الرّويسي أنّها وصفت المشهد بكلّ دقّة، ممّا يستوجب التوقّف و التحليل العميق لمجريات هذا الصّراع الّذي يكشف و لو جزئيّا عن ملامح شخصيّة هؤلاء الزّعماء و نواياهم و اتّجاهاتهم.
بالنّسبة للزّعيم سليمان بن سليمان، فقد انسحب بمجرّد علمه بترشّح الزّعيم الحبيب بورقيبة و لم يكن يرغب في منافسته أو ربّما كان يعلم بأنّه غير قادر على منافسة الحبيب بورقيبة. و في شهادته قد برّر رفضه الترشّح بسبب وضعه المادّي . و نلاحظ هنا تعارضا بين شهادتي سليمان بن سليمان و يوسف الرويسي الذي يؤكد ترشّح سليمان بن سليمان للمنصب.
كما أنّ هذا الأمر(التنافس على الزعامة) كان غير هام حسب قول سليمان بن سليمان، بالرّغم من أنّ هذا الموضوع قد أربك الزّعيم بورقيبة و أغضب الطاهر صفر الّذي انتخب بالإجماع لرئاسة الحزب.
لقد ذكر يوسف الرويسي في شهادته تفاصيل مثيرة تدلّ على عصبيّة الحبيب بورقيبة و رفضه القبول بزعامة الطاهر صفر قائلا:" ماذا عملنا إذن ،ارتحنا من الماطري تأتوني بهذا..." . ممّا أثار غضب الطّاهر صفر الذي قرّر الأستقالة من الديوان السياسي حسب ما أورده ابنه رشيد صفر في شهادته المنشورة: " وأعلن الطاهر صفر في اجتماع المجلس فورا عن تخليه عن الرئاسة التي كان قد قبلها منذ برهة قصيرة وغادر قاعة الاجتماع وهو يفكر في صيغة تقديم استقالته من الديوان السياسي ليبقى مناضلا قاعديا حرا..."
لقد كان الطاهر صفر من الشّخصيّات المعتدلة و من أنصار سياسة محمود الماطري التي تتميّز باللّين. و إنّ انتخابه لتولّى رئاسة الحزب إنّما يدلّ على تأييد أعضاء المجلس الملّي للسياسة المعتدلة التي كان يعتمدها محمود الماطري. فلماذا لم يقبل الحبيب بورقيبة بنتيجة فوز الطّاهر صفر؟
رغم الصّداقة المتينة لتي تربط الحبيب بورقيبة بالطّاهر صفر، إلاّ أنّ للسياسة أحكام و نواميس، خاصّة إذا ما تعلّق الأمر بالزّعامة ، فالحبيب بورقيبة هو زعيم الجناح المتصلّب و لن يقبل بأيّ شخص معتدل ليمسك بزمام الحزب، حتّى و إن كان هذا الشّخص هو صديقه و رفيق دراسته الطّاهر صفر.و إنّ عبارته التي تلفّظ بها:" ماذا عملنا إذن ،ارتحنا من الماطري تأتوني بهذا..." ، فيها استنقاص و إهانة لرفيق الدّرب الطّاهر صفر، و هي التي أثارت غضبه و تسبّبت في انسحابه من المؤتمر و التّفكير بشكل جدّي في لإستقالة.
أغلب الظنّ، أنّ الحبيب بورقيبة كان يريد الإبقاء على منصب الرّئاسة شاغرا حتّى يهيّئ الظّروف المناسبة ليحلّ محلّ محمود الماطري، و ذلك لما لمسه من تفوّق التياّر المعتدل، بعد فرز الأصوات.
أمّا صالح بن يوسف، فلم يبد أي موقف سوى أنّه قد صمّم على الترشّح لرئاسة الحزب و منافسة الزّعيم الحبيب بورقيبة. فلماذا تمّ اختيار الطاهر صفر لتعويض الماطري؟
إنّ إجماع ممثّلي الشعب و الجامعات الدّستورية حول شخصية الطاهر صفر دليل على ميل الحضور إلى الجناح المعتدل، باعتبار أنّ الطاهر صفر هو الذي أصبح يمثّل هذا الجناح بعد انسحاب الماطري.
رغم هذا الإجماع حول شخصيّة الطاهر صفر، فإنّ الجناح المتصلّب الذي كان يتزعّمه الحبيب بورقيبة كانت له الكلمة الأخيرة و الحاسمة، و ذلك نظرا للكاريزما التي كان يتمتّع بها الحبيب بورقيبة و قوّة شخصيته القادرة على فرض آرائه و تدعيم التوجّه المتصلّب.
و قد تنطبق على شخصيّة الحبيب بورقيبة بعض آراء نظريّة ماكس فيبر Max Weber حول الزّعيم الكاريزماتي الذي لا يعترف بالشرعية المتأتية عبر الإنتخاب، و أنّ له منطقا خاصّا به، يجنح به في بعض الحالات إلى الإستبداد و عدم الرّضوخ لرأي الأغلبية.
لقد بقي الحزب الحرّ الدستوري الجديد بدون رئيس رسمي، فالحبيب بورقيبة هو الرّئيس الفعلي و القادر على التحكم في قواعد اللعبة، و لكن لماذا لم يقدم ترشحه لرئاسة الحزب و الحال أنّه كان و لا شكّ متعطّشا للزّعامة و الرّيادة؟
أغلب الظن أنّ الحبيب بورقيبة كان مدركا بعدم شرعية المجلس الملّي في انتخاب رئيس الحزب و لذلك فإنّه لم يقم بالدعاية لنفسه من أجل نيل هذا المنصب، فهو لا يريد أن يحشر نفسه في منافسة دون التحضير لها و الدّعاية من أجلها. فالمترشحون الثلاثة قد تسرّعوا في هذا الأمر و قد عبّروا عن رغبتهم في الرّئاسة و الرّيادة و كشفو عن رغبة داخليّة في الزّعامة.
لن يقبل الحبيب بورقيبة برئيس لا يتماشى و تطلّعاته و رغباته باعتباره هو المتحكّم الفعلي في الحزب.
الحبيب بورقيبة هو الفاعل الرّئيسي، و هو الزعيم الأوحد و الفعلي في الحزب، و هو الماسك بأوراق اللعبة السياسية حتّى و إن لم يكن هو رئيس الحزب الرّسمي. وإنّ ترشح الأعضاء الثلاثة من الديوان السياسي لم يكن سوى تعبير عن رغبة في الرئاسة و الريادة و سعيا ذاتيّا لتجاوز الحبيب بورقيبة.
ما يهمنا في شهادة يوسف الرويسي هو رغبة صالح بن يوسف في الترشح لرئاسة الحزب من أجل تجاوز الحبيب بورقيبة منذ وقت مبكّر. فهل كان الحبيب بورقيبة سيقبل برئاسة صالح بن يوسف للحزب لو كانت نتيجة التصويت لصالحه؟ إنّه مجرّد سؤال يفرض نفسه على أيّ باحث.
إذن، فالمجلس الملي لسنة 1938 ، قد أظهر تنافسا على الزّعامة، و هو ما يفنّد بعض الآراء التي تقول بأنّه" لم يكن هناك تنافس واضح بين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف و شخصيات أخرى بحكم طبيعة المرحلة(أي الثلاثينات) و هي مرحلة مقاومة تحتاج فيها البلاد إلى أقصى ما يمكن من الطاقات، فآفاق الإستقلال لازالت بعيدة و لا أثر لبريق "كرسي السلطة"
اللائحة التي خرج بها المؤتمركانت تميل إلى التّصعيد و قد طالبت هذه اللّائحة خصوصا بإعداد و تنظيم الجماهير لمقاومة المستعمرو قد شكّلت قرارات المجلس الملّي تمهيدا غير مباشر لأحداث 9 أفريل الخطيرة التي أدّت إلى إبعاد و سجن الزّعماء و حلّ الحزب إضافة لما أحدثته من خسائر بشرية بليغة.
هذه اللائحة تدلّ على سيطرة الجناح المتصلّب في الحزب بزعامة الحبيب بورقيبة بالرّغم من ميل الحاضرين إلى اعتماد سياسة الإعتدال التي ما فتئ محمود الماطري ينادي بها.
2) هجرة الحبيب بورقيبة إلى الشّرق: مؤامرة محبوكة أم ضرورة اقتضتها المرحلة؟
لقد غادر الحبيب بورقيبة أرض الوطن خلسة يوم 26 مارس 1945، و قد قام صالح بن يوسف بتنظيم هذه الهجرة المحفوفة بالمخاطر.
يقول البشير بو علي متسائلا عن أسباب هجرة الحبيب بورقيبة إلى الشّرق " هل كانت مؤامرة حبكها السيد صالح بن يوسف و السيد المنجي سليم لإبعاد السيد الحبيب بورقيبة عن ركح السياسة بتونس؟"
إنّ مجرّد طرح مثل هذا السؤال من قبل البشير بو علي - وهو من بين الناشطين السياسيين في الحزب الحر الدّستوري في تلك الفترة - يدلّ على وجود تنافس بين الزّعيمين ، ويدل أيضا على توطّد العلاقة و تنسيق سياسي بين صالح بن يوسف و المنجي سليم في تلك الفترة.
بعد شرح الأسباب الّتي دفعت الزّعيم بورقيبة للهجرة يجيب البشير بو علي على سؤاله قائلا " يقيني التام أن هذه الهجرة لم تكن مؤامرة بل هي خطة سياسية متفق عليها من الجميع" .
كما لخّص الحبيب بورقيبة في إحدى محاضراته أسباب هجرته إلى الشّرق في الجملة التالية: " و لنرجع الآن إلى الحديث عن خروجي من تونس لبث الدّعاية و لتوسيع نطاق الكفاح ضد الإستعمار الفرنسي..." و لم يذكر الزعيم الحبيب بورقيبة هنا بأنّ هجرته كانت مؤامرة مدبّرة من طرف صالح بن يوسف بل كانت لنشر الدعاية و مواصلة الكفاح ضد المستعمر في الخارج.
و يؤكّد التقريرالأمني الفرنسي أنّ غاية الحبيب بورقيبة من هذه الهجرة كانت من أجل دعم المطالب الوطنية بصفة خاصّة و الشمال إفريقية بصفة عامّة من خلال الجامعة العربية التي كانت في أوجها
و قد أعلن النحّاس باشا في 25 سبتمبر 1944 أنّ :" الوحدة العربيّة لا يمكن أن تتحقّق إذا ما استمرّ ابعاد تونس و المغرب الأقصى. وجب علينا القيام بالمستحيل حتّى يكون هذين البلدين ممثّلين في المؤتمر ( مؤتمر تأسيس الجامعة العربية) .
لقد حاول الحبيب بورقيبة الخروج بطريقة شرعية من خلال توجيه رسالة للمقيم العام عبّر له فيها عن رغبته في آداء فريضة الحج و تحوّله إلى الإسكندرية في طريق العودة لحضور المؤتمر التأسيسي للجامعة العربية و لكن المقيم العام رفض طلبه.
كما يؤكّد الأستاذ محمد لطفي الشايبي أنّه " ليس هناك ما يشير إلى وجود أركان مؤامرة مبيّتة من قبل صالح بن يوسف عملت على تشجيع الزّعيم بورقيبة أو دفعه إلى الهجرة" .
و لم يشر الأستاذ الهادي البكّوش الذي زعم أنّه كان في حراسة الحبيب بورقيبة خلال
زيارته الأخيرة إلى المنستير قبل الهجرة إلى الشرق ، إلى وجود مؤامرة مدبّرة من طرف صالح بن يوسف دفعت الحبيب بورقيبة إلى الهجرة، و أنّ الحبيب بورقيبة لم يُخف استعداده لسفر طويل .
في المقابل، الأستاذ الشّاذلي القليبي كانت له رؤية مخالفة، إذ اعتبر أن الحبيب بورقيبة كان يظنّ في قرارة نفسه بأنّ وراء هذه العمليّة مؤامرة من أجل إبعاده و التخلّص منه و جعله مجرّد ذكرى مجيدة، كما وقع للزعيم الثعالبي مؤسّس الحزب الحر الدستوري الّذي تمّ نفيه خارج البلاد في ظروف غامضة و غاب عن المشهد السياسي التّونسي .
و من المحتمل أن يكون هذا الشّعور الذي لمسه القليبي عند بورقيبة، قد ألمّ به بعد مؤتمر دار سليم، و من خلال إشارات أتباعه من البورقيبيّين في مراسلاتهم أو عند زيارتهم له في القاهرة.
الشّاذلي القليبي لم يكن مؤرّخا و لكنّه كان لصيقا بالزّعيم الحبيب بورقيبة عندما كان مديرا لديوانه و الاحتمال وارد بأنّ الحبيب بورقيبة أوحى له بذلك، فلا يمكن لنا بأي شكل إهمال هذا الرّأي بالرّغم من غياب الأدلّة و القرائن الّتي تدعمه.
ثمّ يضيف الشاذلي القليبي؛ بأنّ الرّجلين لا يمكن لهما التعايش سويّا في قيادة الحزب، فصالح بن يوسف كان ممسكا بالسلطة الحقيقية داخل الحزب و الحبيب بورقيبة كان يظنّ نفسه دائما القائد...
ما يؤكّد عدم الإنسجام بين صالح بن يوسف و الحبيب بورقيبة هو تصريح هذا الأخير في إحدى محاضراته عند حديثه عن مؤتمر دار سليم بأنّ" الجّماعة (بن يوسف و رفاقه) كانت متضايقة من وجودي بتونس فخيّل إليهم أنّهم قد تخلّصوا منّي لمّا أقمت بالقاهرة" فشعور الحبيب بورقيبة بأنّ صالح بن يوسف يريد التخلّص منه هو مؤكّد حسب هذا القول.
ليس هناك أدلّة و قرائن واضحة تشير إلى مؤامرة حبكت من طرف صالح بن يوسف أو المنجي سليم أو غيرهما من أعضاء الديوان السياسي الذين يعارضون الحبيب بورقيبة دون الجهر بذلك. و لكن ما يمكن تأكيده هو أنّ هذه الهجرة كانت فرصة ثمينة لصالح بن يوسف من أجل بسط زعامته الفعلية على الحزب و فرض توجّهاته الرّامية بالخصوص إلى تمتين علاقته بالقصر الملكي و تنظيم قواعد و هياكل الحزب و السعي لكي يكون هو المحاور الأوّل و الجدير لفرنسا.
و قد تحقّقت مكاسب هامّة في فترة غياب الحبيب بورقيبة ومنها خاصّة تكوين المنظّمات الوطنية (الإتحاد العام التونسي للشغل، منظّمة الأعراف، الإتحاد العام للفلاحة). و هاته المنظّمات سوف تساهم مساهمة فعّالة في دعم الحزب الحر الدّستوري الجديد و الوصول بالبلاد إلى الإستقلال التّام.
كما انتظم في فترة غياب بورقيبة مؤتمر ليلة القدر في 23 أوت 1946، الذي جمع مجمل التيارات السياسية التونسية و المنظمات الوطنية التي توافقت على مطلب الإستقلال. و هو تحوّل تاريخي و هام، فقد أصبحت لائحة مؤتمر ليلة القدر المرجع الرّئيسي لكل المطالب الوطنية. و قد صادق عليها المؤتمرون بحضور الكوميسار الفرنسي الّذي أراد إخراجهم بالقوّة.
و قد نقل لنا صلاح الدين التلاتلي الذي حضر المؤتمر مقولة صالح بن يوسف الشهيرة عند دخول القوات الفرنسية من أجل إحباط المؤتمر:" نحن هنا بإرادة الشعب و لن نخرج إلا بقوّة الحراب" .
لقد تحققت في ظل غياب الزّعيم الحبيب بورقيبة الوحدة الوطنيّة الفعليّة و ذلك بفضل ما أثارته القضية المنصفية من وعي وطني في صفوف جميع الشرائح الشعبية و الحساسيات الوطنيّة و المثقفين و بفضل كذلك نشاط مناضلي الحزب الحر الدستوري الجديد بزعامة أمينه العام الرامي إلى تنظيم صفوفه. و إلتفاف المنظمات الوطنية الناشئة حول الحزب. فالتمشّي الذي اعتمده صالح بن يوسف كان يرمي إلى توحيد كل الطاقات الوطنية من أجل تحرير البلاد. كما وطّد صلته بالباي الذي يعتبره رمزا للسيادة الوطنية.
لا يجوز لنا مقارنة هجرة الزّعيم الحبيب بورقيبة بهجرة الزّعيم عبد العزيز الثعالبي و ذلك أوّلا لاختلاف الفترة التاريخية بين الهجرتين و لاختلاف الشخصيتين سواء من ناحية التوجّهات و الإختيارات السياسية أو من ناحية المرجعية الثفافية. و ثانيا، لأنّ السلطات الفرنسية سعت إلى ترحيل الزّعيم عبد العزيز الثعالبي، بينما حال المقيم العام شارل ماست Charles Mast دون هجرة الحبيب بورقيبة بالرّغم من تعلّله بالقيام بمناسك الحج.
إنّ هجرة الزّعيم الحبيب بورقيبة إلى الشرق من أجل التعريف بالقضيّة التونسية و تدويلها سمحت لصالح بن يوسف بالسيطرة الكلّية على جهاز الحزب و فرض توجّهاته الرّامية إلى تمتين علاقة الحزب بالعرش و توحيد الصفوف و القوى الوطنية من أحزاب سياسية و منظمّات وطنية و مثقّفين...و إنّ هذه الهجرة التي أشرف عليها لوجستيا صالح بن يوسف كانت في صالحه، و إن لم يكن هنالك دلائل و قرائن تفيد تورّط الزّعيم صالح بن يوسف في الزّج بالزّعيم الأوّل للحزب في مغامرة خطيرة و مجهولة العواقب.
3) إعادة تنظيم هياكل الحزب: رغبة في الهيمنة أم سعي لبعث الحزب من جديد ؟
كانت هجرة الحبيب بورقيبة إلى الشّرق فرصة ثمينة للأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد صالح بن يوسف من أجل فرض سياسته و تصوّراته الخاصّة لطريقة و أسلوب عمل الحزب. و قد كان مدير الحزب المنجي سليم من المساندين و الدّاعمين لسياسة صالح بن يوسف، التي كانت تهدف بالأساس إلى توحيد القوى السّياسيّة من أجل تحقيق الأهداف الوطنيّة.
و قد سعى صالح بن يوسف لجلب القصر الملكي إلى صفّ الحزب الحرّ الدّستوري الجديد، رغم تواجد الحركة المنصفيّة التي كانت تطالب بعودة المنصف باي إلى سدّة الحكم، و لا تعترف بشرعيّة محمّد الأمين باي.
لقد كان صالح بن يوسف يعتمد في فترة غياب الحبيب بورقيبة على وسائل و طرق ديبلوماسيّة بحتة، تقوم بالأساس على سياسة الحوار مع المقيم العام، و هو نهج يتعارض تماما مع سياسية العمل المباشر التي كان يحبّذها الحبيب بورقيبة.
لقد عمل صالح بن يوسف بعد هجرة الزّعيم الحبيب بورقيبة على إثبات موقعه و تأكيد
صورته وذلك من خلال:
تمتين علاقته الشخصية مع القصر الملكي و خاصّة مع الشّاذلي باي و الإتصال شبه اليومي مع مختلف رموز العائلة الحاكمة.
توجيه التعليمات إلى القواعد الحزبية و الشباب الدّستوري الذي انتظم في الكشافة الإسلامية و الشبيبة الدّستورية و الجمعيات الطلاّبية.
تقديم التوجيهات السياسية للصّحافة الدّستورية، من أجل دعم العمل الوطني.
القيام بالحوارات السياسية مع مختلف الصّحف الأجنبيّة، و ذلك سعيا منه لتحسين صورة الحزب الحرّ الدّستوري الجديد لدى الرّأي العام الخارجي (الفرنسي خاصّة).
التصدّي بكلّ عنف لكلّ حركة سياسيّة ناشئة ومعارضة لنهج الحزب الحر الدّستوري الجديد مثل حركة الإتّحاد و الترقّي بزعامة شمس الدّين العجيمي .
لقد عمل صالح بن يوسف صحبة رفاقه من الدّيوان السياسي على إعادة الحياة للحزب الحر الدّستوري الجديد، بعد العواصف التي مرّت به و التي كادت أن تقتلعه من الجذور (أحداث 9 أفريل 1938، الحرب العالميّة الثّانية، انتصار الحلفاء و ما صاحبه من سياسة التشفّي من الدّستوريين الذين عملوا أو تعاطفوا مع النّازية، إقالة المنصف باي...).
لقد بسط صالح بن يوسف في هذه الفترة نفوذه التّام على الحزب و كان هو الآمر النّاهي في ظلّ غياب المجاهد الأكبر الذي لم يحقّق أيّ نجاح يذكر في سبيل دعم القضيّة التونسيّة في الخارج، حتّى أنّ نسبة كبيرة من القواعد الحزبيّة الشّابة التي انخرطت في الحزب لا تعرف الكثير عن الحبيب بورقيبة معتبرة أنّ صالح بن يوسف هو الشّخصيّة الأولى في الحزب. و قد تأثّروا بتوجّهاته و سياسته، خاصّة بعد مؤتمر ليلة القدر.
و سوف نرى بأنّ مؤتمر دار سليم الذي شهد تفوّقا للتيّار اليوسفي على حساب التيّار
البورقيبي، كان تتويجا للجهود لتي بذلها صالح بن يوسف و رفاقه بعد الحرب العالميّة الثانية.
إنّ إنجازات صالح بن يوسف في هذه الفترة، قد دعّمت زعامته، خاصّة و أنّه قد ساهم في نشأة المنظّمات الوطنيّة الثلاث المساندة للحزب الحر الدّستوري الجديد.
و إنّ تنظيم هياكل الحزب الحر الدّستوري و مضاعفة عدد شعبه و توسّع امتداده الترابي و الشّعبي، من شأنه أن يرشّح صالح بن يوسف ليكون هو الزّعيم لأوّل في تونس،
خاصّة و أنّ الحبيب بورقيبة قد بعد تأثيره المباشر على الشّعب الذي لا يعلم الكثير عن نشاطاته التي يُعلن عنها في الصّحف الدّستوريّة.
يمكن اعتبار أنّ الأعمال التنظيميّة و الإصلاحات الهيكليّة و المبادرات من أجل توحيد القوى الوطنية التي قام بها الزّعيم صالح بن يوسف في هذه الفترة، من المؤشّرات الهامّة للتنافس الزّعامي اليوسفي البورقيبي. و لا أظنّ أنّ صالح بن يوسف سوف يتنازل عن المكانة التي وصل إليها في هذه الفترة بسهولة، يعني أنّه لن يترك بسهولة ثمار جهوده للزّعيم الحبيب بورقيبة، الذي كثرت حوله العديد من الإشاعات التي تمسّ بسمعته و بسمعة الحزب.
خاتمة الملف
إنّ جذور الصّراع الزّعامي اليوسفي البورقيبي تعود إلى السنوات الأولى من نشأة الحزب الحر الدّستوري التّونسي، حيث انطلق الصّراع الأوّل بين الشيخ عبد العزيز الثعالبي مؤسّس الحزب و حسن القلاتي الّذي أراد صحبة رفاقه تجاوز زعيمهم - أثناء تواجده بالسّجن- و ذلك نظرا لاختلاف الآراء و التوجّهات السياسية. و قد تمّ الإنشقاق عن الحزب بتأسيس الحزب الإصلاحي الذي لم يكتسب أي شعبية تذكر نظرا للحملة الصّحفية التي وجّهت ضدّه و نظرا لعدم تبنّيه لأهم مطلب شعبي قد تأسّس لأجله الحزب الحر الدّستوري المتمثّل في الدّستور.
إثر عودة الثعالبي من هجرة تعسّفية دامت 14 سنة بتسهيل من المقيم العام أرمان قيون Armand Guillon، نشب صراع زعاميّ ثان بين عبد العزيز الثعالبي و الحبيب بورقيبة سنة 1937. و قد ذكر الثعالبي في بيانه "الكلمة الحاسمة" أنّه قد عاد من أجل إصلاح ذات البين، بين أعضاء اللجنة التنفيذية و الديوان السياسي.
من خلال تحليلنا لمجمل بيان الثعالبي، لاحظنا عدم حياده و انحيازه للّجنة النفيذية، و ذلك من خلال اعتماد أسلوب الشتم و الحط من شأن أعضاء الدّيوان السياسي و استعمال معجم تكفيري و تخويني للنيل من المنشقّين عن حزبه. و قد كان هذا البيان المنشور وسيلة للدّعاية السياسية لأعضاء حزبه من اللجنة التنفيذية.
كما كشف لنا بيان "الكلمة الحاسمة" أنّ الثعالبي قد عاد في حقيقة الأمر من أجل الدّفاع عن زعامته التي هدّدها الحبيب بورقيبة بشكل جدّي، نظرا لما يتميّز به من قدرة على المناورة السياسية و من كاريزما الزّعيم التي أكسبته شعبية كبيرة عبر اعتماد سياسة التواصل المباشر مع الشّرائح المستضعفة من الشّعب التّونسي.
أمّا في ظل الحزب الحر الدّستوري الجديد، فإنّ الصراع و التنافس الزّعامي قد انطلق أوّلا بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري ، ثمّ ظهرت المؤشّرات الأولى للصراع بين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف. و سوف يتواصل هذا الصراع الأخير إلى حدود 1961، لينتهي باغتيال زعيم المعارضة اليوسفية صالح بن يوسف.
لقد كان محمود الماطري ذا شخصية هادئة و معتدلة و قد استسلم بسرعة لرغبة الحبيب بورقيبة الجامحة في السيطرة على جهاز الحزب و فرض آرائه و تصوّراته و أسلوب نضال يراوح بين التصلّب و الحوار، ممّا جعل الماطري يمضي على استقالة لم يحرّرها بنفسه.
إنّ انتصار الحبيب بورقيبة على الماطري هو انتصار للجناح المتصلّب الذي يتزعّمه الحبيب بورقيبة على الجناح المعتدل الذي يمثله محمود الماطري.
هذا الجناح المتصلّب في الحزب الحر الدستوري الجديد، هو الذي فرض لائحة تتميّز بالتشدّد، انبثقت عن المجلس الملّي للجزب المنعقد في مارس 1938، ممّا أدّى إلى أحداث 9 أفريل الدامية و ما رافقها من تنكيل بالشعب و بالزّعماء.
خلال هذا المجلس الملّي - و اعتمادا على شهادة يوسف الرويسي- لاحظنا ميل أعضاء هذا المجلس إلى سياسة الإعتدال من خلال انتخاب الطاهرصفر لخلافة محمود الماطري. و لكن الحبيب بورقيبة عبّر عن رفضه لهذه النتيجة و فرض رأيه الشّخصي على الجميع.
إنّ وجود صالح بن يوسف من بين المترشحين لخلافة الماطري و رئاسة الحزب يعد من المؤشرات و الدّلائل الأولى على رغبة هذا الأخير في منافسة الحبيب بورقيبة على الزّعامة.
أمّا هجرة الحبيب بورقيبة إلى الشرق، و بالرّغم من غياب دلائل ملموسة على وجود أركان مؤامرة دفعته إلى القيام بهذه المغامرة، فهي تعد حسب رأينا مؤشرا ثانيا على التنافس و الخلاف بين الزّعيمين.
لقد تمكّن صالح بن يوسف - بفضل خلو الساحة- من فرض سياسته و استراتيجيته،.كما فرض سيطرته على جهاز الحزب.
و قد أصبح صالح بن يوسف في فترة غياب الحبيب بورقيبة هو الزّعيم السياسي الأوّل و الفعلي في تونس. و لذلك فإنّه لم يشجّع الزّعيم الحبيب بورقيبة على العودة إلى أرض الوطن سنة 1949 ،لأنّه يدرك جيّدا بأنّ الحبيب بورقيبة له القدرة على قلب موازين القوى و تعبئة الجماهير لصفّه بحكم الكاريزما المؤثّرة التي يتميّز بها عن غيره من زعماء الحزب و القادرة على تحريك الجماهير.
أبرز المصادر و المراجع:
المراجع العربية:
بو علي، البشير. ذكريات مناضل وطني. شركة فنون الرسم والنشر والصحافة.
بوقرة، عبد الجليل. بورقيبة بلسان بورقيبة (محاضرات بورقيبة بمعهد الصحافة عن تاريخ الحركة الوطنية). الطبعة الأولى، دار آفاق-برسبكتيف للنشر، تونس، 2015.
التيمومي، الهادي. كيف صار التونسيون تونسيين. الطبعة الثالثة، دار محمد علي الحامي، تونس، مارس 2018.
التونسي، محمد الكامل. "الزعامة الحقة ومظاهرها". جريدة الإرادة، عدد:265، 14 يناير 1938.
جمعة، محمد لطفي. "جهود الأستاذ الثعالبي في وطنه". مجلة الرابطة العربية، عدد 69، سبتمبر 1937.
الخرفي، صالح. عبد العزيز الثعالبي: من آثاره وأخباره في المشرق والمغرب.
الدقي، نور الدين. "الآباء المؤسسون للحركة الوطنية: حركة الشباب التونسي". الفكر الجديد، العدد الرابع، أكتوبر 2015.
ديب، ماريوس كامل. السياسة الحزبية في مصر: الوفد وخصومه 1919-1939. دار البيادر للنشر والتوزيع، القاهرة، 1987.
الزمرلي، الصادق. أعلام تونسيون. تقديم وتعريب: حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986.
صفر، رشيد. ذكريات وعبر مع الحبيب بورقيبة من الأب إلى الابن الانجازات التي ميزت تونس وفرص الاصلاح المهدورة (مسودة الجزء الأول من مذكرات رشيد صفر المتعلقة بمسار والده الزعيم الوطني التونسي الطاهرصفر). http://www.slideshare.net/RachidSfar/123-2016-64441320.
الشايبي، محمد لطفي. الحركة الوطنية التونسية والمسألة العمالية-النقابية، الجزء الأول 1894-1925. طبعة ثانية مزيدة ومنقحة، مركز النشر الجامعي، 2015.
الشايبي، محمد لطفي. الحركة الوطنية التونسية والمسألة العمالية النقابية: معا لافتكاك الاستقلال (1944-1956). تونس، 2015.
الطويلي، أحمد. الزعيم عبد العزيز الثعالبي: مسيرة نضاله الفكري والسياسي. المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 2012.
العريبي، علي. الحاضرة. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1995.
علية الصغير، عميرة. "الغرب في فكر عبد العزيز الثعالبي". مجلة روافد، العدد الخامس (1999-2000).
القصّاب، أحمد. تاريخ تونس المعاصر (1881-1956). تعريب: حمادي الساحلي، الطبعة الأولى، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1986.
ماكرون، دافيد. علم اجتماع القومية. ترجمة: سامي خشبة، الطبعة الأولى، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2007.
المحجوبي، علي. جذور الحركة الوطنية التونسية: 1904-1934. المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، 1999.
المرزوقي، محمد. صراع مع الحماية. دار الكتب الشرقية، تونس، 1973.
الماطري، محمود. مذكرات مناضل. تعريب: حمادي الساحلي، دار الشروق، 2005.
النجار، حسن. حركة "الاتحاد والترقي" ورئيسها شمس الدين العجيمي (1949). بحث لنيل شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2014.
الهندي، هاني. الحركة القومية العربية في القرن العشرين (دراسة سياسية). الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2015.
الأرشيف الوطني التونسي. سلسلة: الحركة الوطنية، الصندوق: 55، الملف: 3، الوثيقة: 78.
جريدة الصواب. عدد 397، 3 أغسطس 1923.
جريدة الإرادة. عدد 250، 3 أكتوبر 1937.
كتابات ومذكرات المناضل يوسف الرويسي السياسية. مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، زغوان، 1995.
مجلة الرابطة العربية. عدد 57، يونيو 1937.
مجلة وثائق. العدد 19، 1993.
المراجع الأجنبية:
Baccouche, Hedi. En toute franchise. SUD EDITION, Mars 2018.
Ben Milad, Ahmed and Ben Idris, Mohamed Massoud. El Cheikh Abdelaziz Thaalbi et le mouvement national 1892-1946. Beit Al Hikma, Carthage, 1992.
Ben Slimen, Slimen. Souvenirs politiques. Cérès Productions.
Bessis, Juliette. Maghreb. La traversée du siècle. Paris, le Harmattan, 1997.
Bessis, Sophie and Belhassen, Souhayr. Bourguiba. édition Elyzad, 2012.
Congrès de l’Afrique du nord (compte rendu des travaux). publié par Depincé, M.CH, tome II (questions indigènes).
El Mechat, Samia. Tunisie: Les chemins de l'indépendance (1945-1956). Paris, le Harmattan, 1992.
Julien, Charles-André. "Colons français et jeunes-tunisiens (1882-1912)". Revue française d'histoire d'outre-mer, tome 54, n°194-197, Année 1967.
Klibi, Chedli. Habib Bourguiba (radioscopie d'un règne). Réflexions Déméter, 2012.
Kraiem, Mustapha. "Le Neo-Destour: Cadres militants et implantation pendant les années trente, les mouvements politiques et sociaux dans la Tunisie des années 1930". Actes du 3e séminaire sur l’histoire du mouvement national (17, 18 et 19 Mai 1955, Sidi-Bou-Said, Tunisie, M.E.E.R.S/C.N.U.D.S.T).
Sammut, Carmel. L’impérialisme capitaliste français et le nationalisme tunisien (1881-1914). Publisud, 1983.
Tlatli, Salah Eddine. Écrits pour l’indépendance (1946-1956). les éditions de la Méditerranée.
Universalis.fr. "Nationalisme: Difficultés d'approche et essai de définition". https://www.universalis.fr/encyclopedie/nationalisme/1-difficultes-d-approche-et-essai-de-definition/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق