الزّعامة التي نقصدها في هذا الملف، لها أبعاد و معاني تتجاوز مجرّد الرّغبة في القيادة و الهوس بالسلطة و النفوذ و السعي من أجل الحصول على الحكم ، باعتبار أنّ الزّعامة هي ظاهرة إنسانية معقدة و تتميّز باللٌبس و الغموض.
و سنتبيّن جيّدا مدى تعقّد هذه الظّاهرة الإنسانية و التاريخية عند التعرض للمفاهيم المتباينة و المتضادة للزعامة، التي أفرزتها نظريات الزعامة في القرن العشرين. و لا شكّ أنّ هذه النظريّات سوف تساعدنا على كشف أبعاد و زوايا نظر جديدة و مختلفة للصراع الزّعامي اليوسفي البورقيبي و لما سبقه من صراعات زعامية حزبية.
لقد كثر استعمال مفردة الزّعامة في الأدبيات و المؤلفات السياسية و الاجتماعية و النفسية و التاريخية...إلاّ أنّ الباحثين لم يتوصّلوا إلى حدّ الآن إلى حصر مفهومها و تحديد كنهها و معناها الدقيق، ولم ينجحوا في الوصول إلى تعريف موحد و نهائي للزعامة، فإننا ندرك معنى الزّعامة حدسيا و نستعمل هذه المفردة في سياقات و مجالات متعدّدة و لكننا نعجز على تحديد مفهوم علمي و موضوعي لها.
كذلك الشّأن بالنسبة للزعيم السياسي، الذي لا يقتصر دوره - كما هو شائع -على القيادة فقط ، و إنّما له أدوار و أبعاد أخرى تتجاوز مجرد الممارسة العادية للحكم و المسك بزمام السلطة، فليس كلّ قائد سياسي بزعيم . فما هي الزّعامة ؟ و من هو الزّعيم السياسي؟
I. ما هي الزّعامة؟
ليس من السّهل إيجاد مفهوم دقيق وثابت للزّعامة بالرّغم من الإستعمالات المكثّفة لهذه المفردة في أدبيّاتنا السياسية و مؤلّفاتنا التاريخية. فصعوبة تحديد المفهوم تكمن في كون الزّعامة ظاهرة تاريخية وإنسانية معقدة و متطوّرة، وهي تتأثر- كسائرالظواهر الإنسانية- بالسياقات التاريخية والحضارية وبالنّظم السياسية للمجتمعات و بالمخيال الجمعي.
سوف نحاول هنا تحديد معنى الزّعامة تحديدا لغويّا و معجميا وذلك بالعودة إلى أهم المعاجم العربية والغربية، ثمّ سنتطرّق في عنصر آخر إلى ما توصّلت إليه بعض النظريّات الاجتماعية و النفسية المعاصرة من تعاريف متنوّعة للزّعامة.
1. المفهوم المعجمي للزّعامة
سوف نعتمد في هذا العنصر على أبرز المعاجم العربية وبعض المعاجم الغربية من أجل شرح مفردة الزّعامة، ثمّ المقارنة بين مختلف شروح و معاني هذه المفردة.
أ. في المعاجم العربيّة
الزّعامة لغويّا؛ هي مصدر من فعل زعُم يزعُم زعامةً. وتتّفق مجمل المعاجم الأصليّة للّغة العربيّة على مفهوم الزّعامة المتمثّل في الرّئاسة والسّيادة والقيادة مع وجود بعض الفروقات البسيطة النّاتجة عن اختلاف التصورات وعن تطوّر المفهوم عبر الزّمن.
من الضّروري الإنطلاق في هذه الشروح بمعجم "العين"، لكونه أوّل معجم عربي، ألّفه عالم اللغة الخليل ابن أحمد الفراهيدي (718- 786م)، و الذي يفيد بأنّ " فعل زعُم يزعُم زعامةً؛ أي صار لهم زعيما سيّدا. وزعيم القوم:سيّدهم و رأسهم الّذي يتكلّم عنهم" .
الزّعامة بالنسبة للخليل بن أحمد الفراهيدي، تعني السيادة و الرئاسة التي تجعل من زعيم
القوم أو القبيلة يلعب دور المتكلّم و المعبّر عن رغبات أفراد المجموعة التي يترأسها، أو بعبارة أخرى هو النّائب عن المجموعة.
أمّا بالنّسبة لابن منظور ( 1232- 1311م)، صاحب معجم لسان العرب، فزعيم القوم هو " رئيسهم و سيّدهم و قيل:رئيسهم المتكلّم عنهم و مدرههم و الجمع زعماء. و الزّعامة الرّيادة و الرّياسة" .
نلاحظ أنّ شرح ابن منظور لم يختلف كثيرا عن الشّرح السّابق، إلاّ أنّ ابن منظور أضاف مسألة الشرف (مدرههم) كشرط أساسي للوصول إلى الزّعامة.
وقد أضاف الفيروز آبادي (1145- 1205م ) معنى الشّرف للزّعامة في القاموس المحيط ، فهي بالنّسبة إليه" الشّرف و الرّئاسة" .
انطلاقا من هذه الشّروح الواردة في أهمّ المعاجم الأصليّة للّغة العربية نلاحظ وجود انسجام و عدم تعارض في تفسير معنى الزّعيم أو الزعامة بشكل عام، مع وجود بعض الإختلافات الطّفيفة التي لا تغيّر في المعنى الإجمالي للكلمة. و قد أجمعت هذه القواميس على أنّ الزّعامة تفيد الرّئاسة و القيادة و السّيادة، و الزّعيم هو شريف القوم و قائدهم و المتكلّم عنهم.
كما أنّ التّفسير المعجمي المعاصر لكلمة الزّعامة لم يشذّ عن هذه المعانى. فمثلا في المعجم الوسيط الصّادر عن مجمع اللّغة العربيّة نجد أنّ كلمة الزّعامة المشتقّة من فعل زعُم تعني السّيادة و الرئاسة ، و هذا الشّرح يتطابق مع شروح المعاجم الأصليّة، و لم تشهد هذه المفردة أي تطور على المستوى المعجمي بالرّغم من تغير العصر و التحولات التي شهدتها الأنظمة السياسية و البنى الثّقافيّة و الإجتماعيّة العربيّة.
إذن الزّعامة بالنسبة للمعاجم العربية هي السيادة و الرئاسة و القيادة و الرّيادة...و زعيم القوم هو سيّدهم و المتكلّم عنهم و هو الأعظم شرفا. فماهو مفهوم الزّعامة في المعاجم الغربية؟
ب. في المعاجم الغربيّة
الترجمة الفرنسيّة أو الانجليزية لكلمة "زعامة" هي "ليدرشيب"((leadership، و هي مفردة أنجليزية المنشأ و الأصل .
والزّعامة تعني في قاموس "لو قران لاروس أنسيكلوبيديك"Le Grand) Larousse Encyclopédique) القيادة والهيمنةhégémonie) ) و الزعيم هو الشخص الّذي يترأس حزبا سياسيا أو ذلك الّذي يكون الأوّل في منافسة ما. و الزّعيم هو أيضا القائد و المتكلّم باسم حزب سياسي . فمعنى الزّعامة بالنسبة لهذا القاموس يحمل بالأساس مدلولا سياسيا و حزبيا معاصرا، فقائد و رئيس الحزب يُعد زعيما بالنسبة لهذا الشرح المعجمي.
أمّا بالنسبة لقاموس" لو روبر" (Le Robert)؛ الزّعامة هي عبارة عن وظيفة أو تموقع للزّعيم . و قد استقينا من هذا القاموس مثالا مأخوذا من مقال لمجلّة "فرانس أوبسرفاتور" (France observateur) و هو كالتّالي:" إنّ نجاح السيّد منداس فرانس(Mendès France) يمثّل تحدّ للزّعامة الأمريكيّة" . و الزّعامة وفق هذا المثال تفيد معنى الرّيادة و القيادة للعالم من طرف دولة ما، فالزّعامة في هذا السّياق لا تقتصر على الأفراد بل يمكن استعمالها للدّلالة على ريادة و هيمنة و تفوّق دولة ما على بقيّة الدّول، أو مؤسّسة أو شركة عن مثيلاتها.
الزّعيم في معجم "هاشات"( Dictionnaire Hachette) هو الشّخص الموجّه لآراء المجموعة الّتي ينتمي إليها ؛ أي أنّ الزّعيم له تأثير معنوي على أتباعه.
كما أن الزّعامة إضافة إلى كونها صفة الزّعيم، فهي أيضا تشكّل سلطة الزّعيم، فقد ربط المعجم المعاصر للغة الفرنسية Dictionnaire actuel de la langue) française ) اعتبر أنّ الزّعامة تمثّل وظيفة الزّعيم و السلطة التي تمنح له من خلالها .
لم تخرج المعاجم الأنجليزيّة عن المعاني المشار إليها في المعاجم الفرنسيّة، فمعجم "أكسفورد"(oxford) يفيد بأنّ الزّعامة هي عمليّة قيادة فريق من النّاس أو منظّمة، أو القدرة على فعل ذلك . إلاّ أنّ ما يميّز كلمة زعيم أو "ليدر" leader)) في المعاجم الأنجليزيّة هو أنّها لم تقتصر على المجال السياسي فقط، بل شملت هذه الكلمة سياقات و مجالات متنوّعة تتجلّى و تبرز فيها القيادة (المجالات الموسيقية أو الرّياضيّة...).
يتّضح لنا من خلال هذه الشّروح المعجميّة المتنوّعة سواء العربيّة أو الغربيّة، أنّ الزّعامة هي السيادة و السّلطة و القيادة و الهيمنة...و الزّعيم هو سيّد القوم و قائدهم و المتكلّم عنهم و المؤثّر فيهم من خلال سلطته المعنويّة أو الكاريزماتيّة. إلاّ أن المعاجم الغربيّة كانت أدقّ من المعاجم العربية و أكثر مواكبة للمفاهيم السياسية المتداولة في عصرنا الرّاهن و ذلك من خلال إشارتها إلى الزّعامة الحزبيّة في الأنظمة الدّيمقراطية المعاصرة. ممّا يتحتّم علينا مراجعة هذا المفهوم في المعاجم العربيّة المعاصرة الّتي بقيت لصيقة بالمعاجم الأصليّة للّغة العربيّة و لم تواكب التغيرات السياسية و الإجتماعية التي شهدتها المجتمعات العربية المعاصرة.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ المعاجم الغربيّة لم تتطرّق إلى المفهوم العلمي للزّعامة، لأنّ هذا العلم "علم الزّعامة" لا يزال في طور النّشأة و التكوّن. فما هي مفاهيم النظريات الحديثة للزّعامة؟
2. مفاهيم النظريّات الحديثة للزّعامة
لا يمكن أن نجد في الشروح المعجميّة - سواء أكانت عربية أو غربية - مفهوما علميا و دقيقا للزّعامة، فالمعاجم بصفة عامّة لا تتجاوز الشّرح اللّغوي و الإصطلاحي للمفردة، و لا بد لنا إذن من الإستعانة بأهم نظريّات الزّعامة و ذلك من أجل الوصول إلى تصور شامل ينسجم و يتماشى مع التمثّلات المعاصرة للزّعامة.
كما لا يمكننا في هذا العنصر عرض كل المفاهيم التي أنتجتها تظريّات الزّعامة نظرا لكثرتها و تنوعها، ﻓ "عدد تعاريف الزّعامة مماثل لعدد نظريات الزّعامة و أنّ عدد نظريات الزّعامة مماثل لعدد العلماء العاملين في هذا المجال" . و سوف نكتفي في هذا العنصر ببسط أهم التعاريف التي صيغت من قبل أبرز منظّري الزّعامة منذ أوائل القرن العشرين.
أ. تعاريف متعدّدة و متنوّعة للزّعامة
كلّ منا يدرك حدسيا ماذا تعني الزّعامة و لكّن من الصّعوبة بمكان إيجاد تعريف علمي و دقيق لها،ﻓ" غالباً ما يكون من السهل التعرف على الزّعامة في نطاق الممارسة ولكن من الصعب تعريفها بدقة " ، لأنّ الزّعامة هي ظاهرة انسانيّة و تاريخية معقّدة، و التصوّرات حولها تتغيّر بتغيّر مكان و زمان حدوثها. و هي ظاهرة كغيرها من الظواهر الإنسانية تتأثر بالخصائص و المقوّمات الحضارية و التّاريخية لكل مجتمع و تصوّراته و مخياله .
و إلى حدّ الآن لم يتوصّل الباحثون و المختصّون في "علم الزّعامة " إلى تعريف موحّد و متّفق عليه لهذا المفهوم، و" نظرا للطبيعة المعقدة للزعامة، فلا نجد تعريفا محددا ومقبولا على نطاق واسع، وربما لن يعثر عليه أبدا" . و لذلك فقد تعددت مفاهيم و تعاريف الزّعامة نظرا لتعدد و تنوّع نظريات الزّعامة و للطبيعة المعقّدة لهذه الظّاهرة.
لقد تطوّر مفهوم الزّعامة عبر التاريخ باعتبار أنّ الزّعامة هي "ظاهرة عالميّة" و قديمة قدم التّاريخ الإنساني و قد اعتبر برنارد باسBernard M. Bass أنّ " دراسة الصّراعات الزّعامية كان منذ عصر نشأة الحضارة التي شكّلت زعماءها أكثر من كونها قد تشكّلت بهم وأنّ كتابة التاريخ هي عبارة عن دراسة لأعمال الزّعماء و بحث عن أسباب الأعمال التي قاموا بها" .
و رغم قدم ظاهرة الزّعامة فإنّ الدّراسة العلمية و المنهجية لها لم تنطلق إلا في السنوات الأولى من ثلاثينات القرن العشرين حيث تمّ إيجاد أكثر من 200 تعريف للزّعامة (بين 1900 و 1991) .و الأكيد أنّ هذه التعاريف قد تضاعفت منذ 1991 إلى حدّ الآن، بحكم تراكم و تطور البحوث في هذا الشأن.
لا يمكننا في هذا البحث التعمق في تحليل نظريات الزّعامة التي تتميّز- كما أشرنا- بالكثرة و التنوّع و سوف أقتصر على انتقاء بعض المفاهيم و التعاريف الحديثة و المعاصرة للزّعامة وفق محاور و زوايا نظر لا تخرج عن إطار موضوع الأطروحة.
1) الزّعامة كقدرة على التأثير و التّغيير
لقد عرّف برنارد باس Bernard M. Bass الزّعامة بكونها " تفاعل بين عضوين أو أكثر من المجموعة...و الزّعماء هم وكلاء التّغيير، هم الأشخاص الذين تؤثر أعمالهم على الآخرين أكثر من كون أعمال الآخرين تؤثر عليهم. و الزّعامة تتحقق عندما يغيّر عضو من المجموعة دافع ومهارات الآخرين في المجموعة. وينبغي أن يكون واضحا أنه مع هذا التعريف الواسع، أيّ عضو من المجموعة يمكن أن يحمل قدرا من الزّعامة، وبعض الأعضاء قد يختلفون في مدى أهمّية ما يفعلونه" .
الزّعامة وفق هذا المنظور هي عملية تفاعل بين الزّعيم و الأتباع. و دور الزّعيم يتمثّل في تغيير سلوكات و دوافع الأتباع، فكل فرد في المجموعة يمكن أن يحمل قدرا من الزعامة إذا كانت له القدرة على التأثير في الآخرين و تغيير دوافعهم و مهاراتهم؛ و بذلك فإننا نجد ضمن الحزب السياسي الواحد عدة زعماء يملكون القدرة على التأثي و تغيير تصوّرات و سلوكات الأتباع أو المنخرطين، إلا أن درجة التأثير تختلف من زعيم إلى آخر.
لقد بيّن هيمفيل (Himphel) وباس (Bass) أنّ" الجهد الفردي من أجل تغيير سلوك الآخرين هو محاولة من أجل تحقيق الزّعامة. و عندما يتغيّر أعضاء المجموعة، فخلق التغيير هذا في الآخرين يعدّ تحقيقا لزعامة ناجحة.." فتحقق الزّعامة مرتبط بقدرة الزّعيم على إحداث التغيير في الأتباع، و التغيير المقصود هنا هو تغيير تصورات و توجهات و سلوكات أفراد المجموعة من أجل تحقيق أهداف محددة ﻔ" الزّعامة تشكل الأتباع، تخلق تصوّرات للأهداف التي يمكن أن تتحقّق، وتوضّح للأتباع طرق تحقيق هذه الأهداف."
يرى بعض المنظرين أنّ هذا التأثير يحدث في اتجاه واحد أي من الزّعيم نحو الأتباع، ﻔ" منظرو الشخصية يضعون الزّعامة في اتجاه واحد من حيث التأثير، فالزعماء يمتلكون خصائص تميّزهم عن الأتباع، و إنّ ذلك يعدّ عدم اعتراف بتأثير الأتباع على القادة" . في المقابل، يرى البعض الآخر أن الزّعامة هي تأثير متبادل و تفاعل ديناميكي بين الزّعيم و أتباعه؛ فقد عرّف " كيلرمان" و "وابستر" Kellerman and Webster الزّعامة باعتبارها "إجراء عملي ديناميكي حيث تقع عمليّة التفاعل المتبادل بين الزّعيم أو الزّعماء و الأتباع من أجل إحداث التغيير" .
و يرى بيرنز Burns أن الزّعامة " تمارس على البشر عندما يكون لدى الأشخاص
الدّوافع و الأهداف و ُيغيّرون- من خلال التنافس أو الصراع مع الآخرين- الموارد المؤسساتية و السياسية و النفسية و موارد أخرى من أجل إثارة وإشراك وتلبية دوافع الأتباع." . كما عرّفها في موضع آخر قائلا: " الزعامة هي عملية متبادلة للتعبئة من قبل أشخاص لهم بعض الدوافع والقيم، ومختلف الموارد الاقتصادية والسياسية وغيرها، في سياق التنافس والصراع، من أجل تحقيق الأهداف بشكل مستقل أوبشكل متبادل بين قادة وأتباع .
لقد أشار بيرنزBurns في هذا التعريف إلى معطى هام من أجل تحقق الزّعامة
و هو التنافس و الصراع في سبيل إحداث التغيير في الأتباع و الوصول إلى أهداف محدّدة تلبي دوافعهم و طموحاتهم، فالزعامة من هذا المنظور لا يمكن أن تغيّر إلا في سياق الصراع و التنافس بين أفراد متميّزين في المجموعة.
و قد يخرج هذا التنافس و الصّراع عن الغاية المنشودة و يصبح صراعا من أجل فرض الزّعامة و بسط النّفوذ دون مراعاة لرغبات و تطلّعات الأتباع و يصل في بعض الحالات إلى درجة شديدة من العنف. و هو ما لمسناه خلال أطوار الصّراعات الزّعامية التي خاضها الحبيب بورقيبة سواء مع عبد العزيز الثعالبي أو مع صالح بن يوسف . و قد وصل الصّراع اليوسفي البورقيبي إلى مرحلة متقدمة من العنف بين كلا الطرفين.
2) الزّعامة من منظور علم النفس
الزّعامة من منظور علم النفس" لا تقتصر على إجبار الناس على فعل الأشياء، بل تتمثل خاصّة في جعل هؤلاء الناس يرغبون في فعل تلك الأشياء، فهي تعمل إذن على تجسيد المعتقدات و الرّغبات و الأولويات. فالزّعامة تسعى إلى التأثير و ليس مجرّد ضمان الإمتثال .
ذلك ما يجب أن تكون عليه الزّعامة، نظريّا، أمّا على المستوى الممارسة العمليّة فإنّ" البعد السيكولوجي لهذه الظاهرة معقد ومتشابك، حيث يندمج بها الفردي والجماعي والأسطوري والتاريخي، المقدس بالمدنس، لهذا يحتاج (البعد السيكولوجي للزعامة) إلى تأطير من خلال دراسات يتلاقح فيها السياسي بالاجتماعي، والنفسي بالتاريخي، والكشف عن النواة المحورية التي تمحورت حولها تصورات أي جماعة بشرية."
الزّعامة إذن، هي ظاهرة معقّدة و متعددة الأبعاد، و ليس من اليسير تحديد مفهومها أومعرفة أسباب حدوثها و تشكلها.
3) الزّعامة من وجهة نظر الزّعيم الحبيب بورقيبة
لم يكن الزّعيم الحبيب بورقيبة من منظّري الزّعامة، و لكنّه كان من بين الممارسين لها.
و قد ساق لنا تعريفا للزّعامة مستوحى من تجربته الخاصّة، و قد أردنا أن نورده ضمن تعاريف الزّعامة لما يتميّز به هذا التعريف من دقّة و شمول.
في 20 مارس 1953 كتب الزّعيم الحبيب بورقيبة و هو في المنفى بجزيرة جالطة رسالة إلى المناضل عزوز الرّباعي تحدّث فيها عن الزّعامة و خصال الزّعيم قائلا: " الزّعامة رسالة عظيمة شاقّة لا تستقيم إلاّ لمن يقدّر كل مسؤوليّاته حقّ قدرها. فالزّعيم مسؤول أوّلا على نجاح أمّته كيف ما كانت الصّعاب، مسؤول لكي يوفّر للأمّة كلّ أسباب النّجاح من أدبية و مادية و ديبلوماسية و أن يكون بشخصه و بمواهبه عند الشّدائد قدوة حسنة و عامل ثبات و عنصر حيويّة و استماتة و صمود..."
هذا التعريف هو وليد الخبرة و الممارسة السياسيّة والميدانيّة، و لذلك فهو أقرب إلى الواقعيّة و هو من إفرازات التجربة السياسية الذاتية للزّعيم الحبيب بورقيبة.
الزّعامة بالنّسبة للحبيب بورقيبة، هي رسالة عظيمة و شاقّة، فالزّعيم بهذا المعنى هو رسول مطالب بتبليغ هذه الرّسالة و تحقيقها على أرض الواقع و لذلك فهي شاقّة، و هي رسالة عظيمة لما تحمله من أهداف سامية و مضامين راقية.
و يجب أن تتوفر في الزّعيم سمات و خصال تميّزه عن بقيّة الناس، و يمكننا أن نستخرج من هذا التعريف ستّة سمات أو خصال ذكرها أو ألمح إليها الزّعيم الحبيب بورقيبة و هي: المسؤولية، الكاريزما، الموهبة، القدوة، الثبات، الحيويّة.
و الزّعيم – بفضل ما يتميّز به من مواهب و خصال و سمات- مسؤول لكي يوفر لشعبه كل أسباب و ظروف النجاح من أدبية و مادية و ديبلوماسية، و ذلك هو مضمون "الرّسالة الزّعامية" أو أهداف و غايات الزّعامة.
نلاحظ أن الحبيب بورقيبة لم يشر في تعريفه إلى سلطة و نفوذ الزّعيم باعتبار أن السلطة ليس غاية في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة من أجل تحقيق رسالة الزّعيم. كما أنّ نفوذ الزّعيم في تلك المرحلة التاريخية التي تمرّ بها البلاد(مقاومة المستعمر)يتجسّد و يتحقق من خلال قدراته الشخصية على التأثير و الكاريزما التي يتمتّع بها و التي بإمكانها أن تمنحه ولاء الجماهير و تكسبه طاعتهم. ذلك ما لمسناه عند معظم زعماء الحركة الوطنية، الذين يتميّزون بالقدرة على الخطابة و التأثير و توجيه الجماهير وفقا لأهداف و برامج و استراتيجيات محددة. هذه القدرات الشخصية و الحيوية التي تميّز بها الزّعماء هي التي مكنت الحزب الحر الدستوري الجديد من التفوّق على الحزب القديم و إبعاده عن الساحة السياسية الفاعلة، و ذلك بحكم اتصالهم المباشر بالجماهير و قدرتهم على التأثير فيها و استيعابها و توجيهها.
نلاحظ أنّ مفهوم الزّعامة نسبي و مرتبط بالسياق التاريخي و الثقافي و الحضاري لكلّ مجتمع، فلو جمعنا مفاهيم الزّعامة التي عبّر عنها القادة و الزعماء التاريخيين لتحصلنا على تصور جديد و مغاير لما كتبه المنظرون حولها.
و لابدّ أن نضع المفهوم الذي صاغه الحبيب بورقيبة حول الزّعامة في سياقه التاريخي باعتبار أنّ الحبيب بورقيبة هو زعيم سياسي فذ و لم يقتصر في تعريفه على المفهوم العام للزّعامة بل تعرّض أيضا إلى مفهوم الزّعامة السياسية و خصائص و مميّزات الزّعيم السياسي و هو ما سوف نفصله في العنصر الخاص بالزّعامة السياسية.
كما لا نريد أن نقيّم في هذا العنصر آداء الحبيب بورقيبة الزّعامي، لأنّ الممارسة الواقعيّة للزّعامة تختلف اختلافا كبيرا عمّا يقوله الزّعماء في رسائلهم و تصريحاتهم و خطبهم.
4) الزّعامة الديمقراطية و الزّعامة الإستبداديّة
الزّعامة في المجتمعات الديمقراطية تختلف عنها في المجتمعات الإستبدادية، كما أن
خصال و سمات الزّعيم الديمقراطي تختلف كلّيا عن سمات الزعيم المستبد، و ما يجمع بينهما هو القدرة على التأثير في الأتباع و على تغيير الوقائع و توجيه التاريخ.
- الزّعامة الإستبدادية
في سنة 1927 و خلال مؤتمر الزّعامة، تم تعريف الزعامة بأنها " قدرة الّزعيم على التأثيرعلى المجموعة التي يقودها وحملها على الطّاعة والاحترام والولاء والتعاون" .
هذا التعريف يركّز على الجانب السلطوي للزّعامة، حيث يفرض الزّعيم على أتباعه الطاعة و الإحترام و الولاء و التعاون بحكم الشرعية التي تمنحها له الزعامة من أجل قيادة المجموعة و التحكم في مواردها.
أغلب المنظّرين السياسيين (من ماكيافلي إلى ماركس) كانوا ينظرون إلى السلطة على أنّها أساس الزّعامة السياسية، " السّلطة باعتبارها شكل من أشكال العلاقة التأثيرية. ويمكن ملاحظة اتجاهات بعض الزّعماء لتحويل فرصة الزّعامة إلى علاقة سلطويّة ممتدّة و مرتبطة بعواقب غير مرغوب فيها للأشخاص و المجتمعات، ممّا دفع العديد من المنظرين لرفض فكرة الزّعامة الاستبدادية " .
الزّعيم المستبدّ يمكن أن يصل إلى السلطة بوسائل و طرق ديمقراطية، ثمّ يستغلّ هذه السلطة الممنوحة إليه عن طريق الإنتخاب من أجل فرض آرائه و توجّهاته على النّاس، و أبرز مثال على ذلك أدولف هتلر الذي وصل إلى السّلطة عن طريق الإنتخاب ثمّ تحوّل بعد ذلك إلى زعيم مستبد.
إنّ للزّعامة الإستبداديّة العديد من الآثار المدمّرة لنفسيّة الأتباع، و قد عبّر عنها عالم النفس العربي "علي زعبور" بأسلوب متميّز عندما قال: " البطل يأخذني مني، يأخذ من إنسانيتي، يسرق من إنسانيتي التي أودها كاملة. وجوده ينقص وجودي، حضوره فعلا وتذكرا أو تخيلا أو تصورا يلبس حضوري، يعدم يلغي، وأنا أود أن أكون، أن اخلق، أن أعطي... وأنا لا أود أن يضاهيني وان يأمرني وينهيني ويقيد إرادتي ويمنع إرادتي مني ويمنع حريتي، ويأخذ مني المرتبة الأولى في الوجود والمعرفة...البطل سجن لي و دعوة للإستسلام أمامه...إنّه لا ينفّك يذكّرني دائما بوجوده العظيم و تميّزه و جذبه لي باتّجاهه رافضا منّي نقده، و داعيا إياي للتمسك به و بما يقوله من قيم و نظر... البطل أناني ومعقود على عوامل ذاتية. هو في السّقف و هو المحرّك، لا العوامل الموضوعيّة و لا الجماعة. وهو سيد التاريخ والمجتمع الحاضر وهو المستقبل... البطل يمنع الديمقراطية، يلغي الحوار يرفض النقاش، لا يؤمن بالحرية للفرد، هو عدو المساواة، يكره أن يساويه أحد...إنّ البطل يمنع التغيّر وهو يحتال عليك بك، تخلقه فيصبح ماردا يرفض العودة إلى الرحم أو القمقم. و يرفض أن تثور على واقعك عليه، فيسلّي و يخدّر، و يمتصّ النّقمة، و يسرّب التوتّر، و ينوّم، و يعد، و يرغّب، و يؤمّل، و يهدّد... نستسلم للبطل عندما يبلغ الشعور بالضعف والكسل والعجز درجة حادة... فعند الانقهار والانغلاق، عند الحاجة أو تهديد الشعور بالأمن والحياة تعطي الذات كل ما يطلب منها من تصورات وتخريفات يمكن أن تلقى على البطل."
يمكن للزّعيم إذن أن يستغل السلطة التي بين يديه، فيتحول بذلك إلى "مارد" و يحد من حرية الأتباع. و هذا النوع من الزّعامة لا يعد زعامة حقيقية، و لذلك فإن العديد من منظري الزّعامة لا يعترفون بهذه الزّعامة المستبدة التي تخرج عن المسار الصحيح و الإجابي للسّلطة الزّعاميّة.
كما لخّص لنا الأستاذ قيس ياسين في مقاله حول سيكولوجيّة الزّعامة، الإستراتيجية التي يعتمدها الزّعيم المستبد من أجل بسط نفوذه و هيمنته على الأتباع قائلا:
" فأولا: تمر الزعامة بدور النمو والاحتضان، وتحصيل ما يمنحها التأكيد الكامل والمطلق من شرائح متنفذة في المجتمع، وبعدها، تمر بمرحلة تالية، هي الانفصال عن تلك الشرائح ذات النفوذ التي أعطتها الشرعية، وغذتها بأسباب القوة والشرعية، وامتلاك القاعدة الجماهيرية والشعبية. وتبدأ لاحقا بإطلاق الأوهام والتهويمات حتى تصير واقعا محسوما ملموسا ومؤطرا، وفكرا مؤدلجا لا يدحض، وعقيدة منغلقة ومكتفية بذاتها، عندها ينقلب الزعيم على صانعيه ويصفي حساباته معهم جميعا، كي لا تشوب شرعيته أي شائبة من قريب أو بعيد."
إذن، فالزّعامة الإستبدادية لها آثار سلبية على الفرد و المجتمع، و رغم ذلك فإنّ الزّعماء الإستبداديين لهم القدرة على تغيير الوقائع و توجيه أحداث التّاريخ و الأمثلة على ذلك عديدة( زعماء الفاشية و النازية، ستالين...).
و الزّعيم المستبدّ يتميّز عادة بنرجسية عالية، تجعله ينفي الآخر و يسلب منه حقوقه الأساسية. و هذه الزّعامة الإستبدادية تتناقض تماما مع الزّعامة الديمقراطية.
الزّعامة الإستبداديّة، هي انعكاس و تجسيم لظاهرة شخصنة السّلطة، هذه الظّاهرة التي ميّزت القرن العشرين (الأنظمة الشّيوعيّة، الفاشيّة، النّازية...). و قد شملت أيضا دول العالم الثّالث بعد تصفية الإستعمار(بين 1955 و 1965) . و هذه الشّخصنة من شأنها أن تعود بالسّلطة إلى المستوى البدائي، و قد تساءل "جون لاكوتير" Jean Lacoutureحول هذه المسألة قائلا:
" الوسائل المستخدمة لضمان تحديد هوية المجموعة وتماسكها و تطورها من خلال شخصيّة، هي في نفس الوقت رمز ومحور ، أفلا يكون ذلك مخاطرة بالغاية؟ البطل، محفز الطاقات، عامل التطوير، رمز الهوية الجماعية، ألن يكون هدفا في حدّ ذاته و موضوع عبادة و أداة عودة إلى المقدّس؟ هو الذي يقدّم نفسه كعامل تحديث، أليس من المرجح أن يكون أداة عودة إلى البدائية؟"
الزعامة الإستبدادية لا يمكن أن تكون زعامة إيجابيّة، لأن لها آثار مدمرة على الأوطان و الجماعات، و هي قامعة لحرية الأفراد، و لا يمكن إلا أن تكون حاجزا منيعا أمام تطور المجتمعات، و لذلك فإن العديد من منظري الزعامة لا يعدها زعامة حقيقية، حتى و إن كان الزعيم يمتلك مواهب خطابية من أجل الإقناع و كاريزما قادرة على جلب المناصرين و الأتباع.
كما أن الزعامة الإستبدادية قادرة على تحويل وجهة التاريخ ، بحكم النفوذ المطلق
الذي يتميز به الزعيم الإستبدادي، فزعيم النازية أدولف هتلر الذي كان يتميز بكاريزما هائلة و قدرة فائقة على الخطابة ، كان له دور كبير في اندلاع الحرب العالمية الثانية التي لا أحد يشك في أنّها غيّرت وجهة التّاريخ و في الآثار المدمرة التي خلّفتها على الإنسانية جمعاء.
- الزّعامة الديمقراطية
الزّعامة الديمقراطية هي نقيض الزعامة الإستبدادية، و هي تسعى لضمان حرّية الأفراد و تهدف إلى تحقيق رغباتهم و طموحاتهم، وتحفز الأتباع من أجل تحقيق الأهداف و الغايات المرسومة و المرغوب فيها، و هذه الزّعامة تجسّد فعلا إرادة الأتباع، " متأثرا بحاجات اللأتباع فإنّ الزّعيم يعمل على تركيز طاقاتهم في اتجاه محدّد.فالزّعيم الأوحد يجسّد إرادة المجموعة. و الزّعامة هي من نتاج الاحتياجات القائمة و هي العلاقة الرّابطة بين الزّعيم و الأتباع."
و لقد عرّف الرئيس الأمركي "دوايت إيزنهاور" Dwight Eisenhower الزعامة بكونها القدرة على" حمل النّاس على العمل سويّا ليس فقط لأنّك تقول لهم بفعل ذلك الأمر و فرض أوامرك ولكن لأنّهم يريدون القيام بذلك العمل بشكل تلقائي ...أنت لا تقود عن طريق ضرب الناس على رأسهم، فهذا اعتداء و ليس قيادة." ، فالزّعامة بهذا المعنى تعكس إرادة الأفراد و هي وسيلة لتحقيق ما يرغبون فيه.
ويرى العديد من الباحثين في هذا المجال بأنّ الزعامة هي "إقناع ناجح بدون إكراه" . فالزّعامة من هذا المنطلق هي عملية تفاعل إجابي بين الزّعيم و الأتباع. و هي تجسيد لرؤية تنموية بعيدة المدى. و قد عبّر أوهنو و شيمامورا Ohno & Shimamura عن ذلك قائلين:" الزّعامة الجيّدة تتضمّن رؤية تنمويّة طويلة الأمد وامتلاك إرادة سياسية قوية لتحقيق تلك الرؤية."
و يرى فيادلر(Fiedler) أنّ الدور الأساسي للزّعيم يتمثّل في توجيه الجماعة الّتي يقودها من خلال قوله: " السلوك القيادي يعني الأعمال الّتي يقوم بها الزّعيم في سياق توجيه وتنسيق نشاط أعضاء جماعته" . فالزّعيم "الديمقراطي"هو موجّه للجماعة التي يقودها، و لا يمكن له أن يفرض رأيه أو خياراته عليهم. و الزّعيم بحكم المركز أو الدّور الذي يحتله يقوم بتنسيق أدوار المجموعة وفقا لأهداف و غايات محددة تنسجم و رغبات و طموحات الأتباع . وإنّ " مفهوم الدّور للزّعامة تأكّده نتائج البحوث...فالزّعامة باعتبارها دورا متباينا مطلوبة من أجل دمج مختلف أدوار المجموعة و من أجل الحفاظ على وحدة العمل في جهد المجموعة بهدف تحقيق أهدافها."
من خلال التعاريف المقدّمة - ولو بشكل موجز و مبسّط- ، نلاحظ الفرق بين الزّعامة الإستبدادية و الزّعامة الديمقراطية، فالأولى تتمحور حول رغبات الزّعيم و أهدافه و رؤاه و تصوّراته الذاتية و ميولاته الشخصية، التي يمكن أن تتلاقى و تتماهى مع المجموعة التي يقودها بالضّغط و القوّة و الغصب لا بالإقناع ، و قد وجد هذا النوع من الزّعامة الإستبدادية منذ بداية التاريخ و لا يزال موجودا في زمننا الرّاهن. و لنا في ذلك أمثلة كثيرة من الزّعماء الإستبداديين سواء في المجتمعات الغربية أو العربية و هذا النوع من الزّعامة له انعكاسات سلبية على الأوطان و على نفسية الأتباع.
أمّا الزعامة في النظم الديمقراطية، فهي تهدف إلى تحقيق إرادة المواطنين و طموحاتهم انطلاقا من شخصية الزّعيم الفذّة و المتميّزة و الموهوبة. و هذا النوع الأخير من الزّعامة نجده - عادة - في النظم الديمقراطية الحقيقية التي توظّف الزّعامة من أجل تحقيق رؤية تنموية طويلة المدى على أرض الواقع، و هذه الزّعامة الديمقراطية تتفق مع منظور علم النفس للزّعامة.
لا يمكن أن ننكر أهمّية المجهودات الفكرية للعلماء و المنظرين من أجل بلورة نظريّات و مفاهيم حول الزّعامة منذ بدايات القرن الماضي، و المجهودات لازالت متواصلة في هذا المضمار. إلاّ أنّ علماء الزّعامة توافقوا على شيء و هو أنهم لا يستطيعون الوصول إلى مفهوم موحّد للزعامة... خلاصة القول يتمثل في أنّ الزعامة مفهوم معقد و ليس من السهل الوصول إلى تعريف موحّد له.
II. ما هي الزّعامة السياسية؟
لقد سبق أن عرضنا مفهوم الزّعامة انطلاقا من المعاجم العربيّة و الغربية، كما طرحنا المفهوم العام للزّعامة بالرّجوع إلى العلوم المهتمّة بهذا الشّأن و استأناسا بآراء بعض الزّعماء المرموقين (الحبيب بورقيبة، ازنهاور). و قد بسطنا تعاريف متنوّعة للزّعامة دون العثور على مفهوم عام و شامل و متوافق عليه للزّعامة.
تعرّف الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية الزّعامة السياسية بأنّها:" وصف لشخصية فذّة في مجال الحكم و العلاقات الدولية و السياسية، يتّصف بها شخص أو أكثر يقودون آخرين من الأتباع..."
و سوف ننطلق في هذا العنصر بمقطع من نص كتبه محمد الكامل التونسي تحدث فيه عن الزّعامة السياسية و هو عبارة عن مقدّمة للحديث عن مناقب و فضائل و مميزات الزّعيم السياسيي الشيخ عبد العزيز الثعالبي، و قد نشر في جريدة الإرادة سنة 1938، يقول فيه: " و بعد الإستقراء و التتبع و جدنا أن الزعامة تتوقف على شخص يخلق الله فيه بعض المؤهلات كالاخلاص و قوة الإرادة و الثبات و التفاني في سبيل الصالح العام. و بعد توفر هذه الصفات يمكنه أن يكون زعيما، إذا وجد شعبا يقدر قيمة الرجال العاملين، و يميز بين الخبيث و الطيب، و بعبارة أوضح إمّا أن يقتل الشعب فيه هذه المؤهلات أو يرعاها بتأييده و يسقيها بتعضيده فتزداد و تنمو في صاحبها حتى يصبح عظيما من العظماء فيخلد لنفسه و لأمته تاريخا ماجدا و سيادة قوية عزيزة الجانب. أمامنا زعيم ألمانيا الذي لم يكن شيئا مذكورا منذ أمد قريب، فلما تبين فيه الإخلاص و التفاني في خدمة أمته أطبق الشعب على حبه و رفعه فوق الرؤوس و أفرط في تعظيمه. حتى لو كان خائنا لأجبرته هذه المظاهر من الشعب على أن يكون أعظم الناس إخلاصا لبلاده و قومه. و ما يقال في هتلر يقال في موسيليني و مصطفى كمال و سعد زغلول و من شابههم من زعماء الأمم الشرقية و الغربية..."
لقد كتب هذا المقال في فترة تاريخية محددة و في سياق معيّن يتمثل في المحنة التي لقيها الثعالبي إثر نشوب صراع زعامي بينه و بين الحبيب بورقيبة. و يعتبر كاتب المقال - و هو من مناصري الثعالبي-أنّ الزّعامة السياسية هي منحة من الله و موهبة إلاهية أي لا يمكن اكتسابها أو تحصيلها ، حيث تتجمع في الزّعيم بعض المؤهلات و السمات كالإخلاص و قوة الإرادة و الثبات...و بقاءها و نموها مرهون بيد الشعب الذي يقدّر قيمتها و دورها. فهل الزّعامة السياسية هي منحة إلاهية كما أشار إلى ذلك محمد الكامل التونسي؟
أظنّ أن المسألة أعقد من ذلك؛ فنحن نتّفق مع الكاتب عند الإشارة بأنّ الزّعامة السّياسيّة هي موهبة، و لكن - في اعتقادنا - أنّ الوضع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي المتأزم للمجتمع هو الذي يساهم بقسط كبير في إفراز و تشكل الزّعامة السياسية و ظهور هذه الموهبة أو "المنحة الإلاهية". و " إنّ ظهور زعيم يمكن أن يكون عنصرا حاسما في سلسلة العمليات التي تمتد من تشكيل السلطة إلى الاعتراف بالشرعية." يعني أن الظروف الموضوعية أو " سلسلة العمليّات" هي التي تساهم بقدر وفير في بروز الزعيم و تشكل الظاهرة الزّعامية.
لقد اهتم باحث الإجتماع التونسي المولدي الأحمر بهذه المسألة في سياق بحثه الإجتماعي و التاريخي عن التشكل الزّعامي في المجتمعات المغاربية المعاصرة، حيث درس كيفيّة تشكّل و تطوّر الظّاهرة الزّعاميّة في المجتمع اللّيبي بصفة خاصّة .
و قد درس الأستاذ المولدي الظاهرة الزّعاميّة من منظور سوسيولوجي. و الظّاهرة السّياسيّة بالنّسبة إليه لا يمكن أن تنتج إلا عن طريق البناء الزّعامي و بروز الزّعيم الّذي يمكن أن يقود أتباعه و يؤثّر فيهم من أجل النفوذ و السيطرة.
كما أكّد الأستاذ المولدي الأحمر أنّ " الظاهرة السياسية هي قبل كل شيء بناء زعامي. و نعني بالبناء الزعامي للظاهرة السياسية أن تشكل المجموعات، التي هي عماد النشاط السياسي، يجري غالبا وفق مبادئ تقوم على بروز الزعيم الذي يعمل بدوره على تمتين علاقة زعامية بمجموع الأتباع و الأحلاف و الزبائن و المغلوبين التي يقودها" .
و يرى الأستاذ المولدي الأحمر أن في المثال اللّيبي - و ينسحب هذا بتفاوت على الحالة المغاربية - قد تنافست تاريخيّا ثلاثة أصناف من الزّعامات على بناء الظاهرة:
في الريف الزعامة البدوية المحاربة و الزعامة الدينية الطرقية. و في المدينة الزعامة العسكرية البيروقراطية.
و لم يشر الأستاذ المولدي هنا إلى الزّعامة الحزبيّة و الوطنيّة التي تواجدت في المدينة و قد أفرزها الوعي السياسي للطبقة البرجوازية والمثقفة .
و نجد صدى هذا الوعي بقيمة الزّعامة الحزبيّة في مقال بجريدة "إفريقيا الفتاة" بعنوان " الزعيم و الحركة الوطنية"، حيث يؤكّد كاتبه على أهمّية الزّعيم الحزبي و إلى حاجة الأمّة إلى هذا الزّعيم القادر على توحيدها: " و أما الزعيم فهو إكسير الحركة و قطب رٓحاها تٓنْبعث بانْبعاثه، و تمْشي خلْفه أينما مٓشى و يسْتقيم سيْرها كلّما كان معها فإذا ما غاب عنها طوْعا أو باستئثار الحوادث الهوجاء اشتدّت حيْرتها حتى يعود إليها. فكما أن الأمة تتمثّل في حزبها فإن الحزْب يتمثّل في زعيمه" .
يؤكّد الكاتب في هذا المقطع على الدّور المحوري الذي يضطلع به الزّعيم في بناء و تشكّل الظاهرة الحزبية التي هي أساس نشأة الحركة الوطنية المعادية للإستعمار؛ فانبعاث الحركة الوطنية كان نتيجة لوجود الفاعل السياسي المتميز و صاحب المؤهل الكاريزماتي، الذي يفرض على أفراد الأمّة اتّباعه و تنفيذ أوامره," أمّا الزعيم فهو بيننا يواصل الكفاح نأتمر بأمره و نسير على أثره وهو رئيس الحزب اليوم الحكيم الحبيب ثامر" .
الزعامة الحزبيّة بالنسبة للحالة التّونسية هي التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي و ذلك منذ نشأة الحزب الحر الدّستوري التونسي سنة 1920، مع وجود تنافس و صراع بين الزّعماء في مختلف مراحل تطوّر الحركة الوطنية التونسية. و لذلك فإنّ كاتب هذا المقال قد أشار في أوّل الأمر إلى رئيس الحزب الحر الدّستوري التونسي الحبيب ثامر و لم يغفل في آخر المقال بالتنويه بأهمية القيمة الرمزية للحبيب بورقيبة: " على أنا إذا طلبنا رجوع المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة و ألححنا في الطلب فما ذلك ألا لكونه رمز الحركة الوطنية الحي و الرجل الذي اختبر القضية التونسية و عالج معضلاتها و الشعب لا يرضى أن يقرر مصيره و لا أن يقف موقفه الحاسم في هذه الظروف الدقيقة دون أن يكون زعيمه مشرفا عليه"، فنحن هنا إزاء زعيمين كبيرين يتصفان بقوّة التأثير و الكاريزما.
إذن فإنّ الزّعامة الحزبية كانت هي المحرّك الأساسي لتطوّر الأحداث السياسية في تونس خلال الفترة الإستعماريّة و حتّى بعد الإستقلال و هي صنف رابع يمكن أن نضيفه إلى الأصناف الثلاثة من الزّعامات الّتي أشار إليها الأستاذ المولدي الأحمر.
نعود الآن مرّة أخرى إلى تعريف الزّعيم الحبيب بورقيبة للزّعامة في رسالته للمناضل عزّوز الرباعي سنة 1953. فبعد أن عرّف الزّعامة بشكل عام، نجده يحدد مفهوما للزّعامة السياسية عند قوله:" الزّعامة السياسية ليست فقط إخلاصا للوطن و حب الخير له و انكبابا على تحليل أدوائه و إسداء النصائح لرجاله بل هي مع هذا و قبل كل شيء قوّة جأش و سلامة و إقدام على الموت و صمود أمام الهزائم و الأرزاء و احتقار كل ما عدى ذلك من مصالح عائليّة أو شخصية حفظا لكرامة الوطن و تمهيدا لنصره المحتوم فيما بعد."
لقد أبرز لنا الحبيب بورقيبة في هذا التعريف سمات الزّعيم السياسي التي يجب أن يتّصف بها زمن الشّدائد مثل قوّة الجّأش و الشجاعة و عدم الإهتمام بالمصالح الشخصيّة...و هذا التّعريف مهم لأنّه قد عكس لنا معاناة الزعيم الحبيب بورقيبة أثناء تواجده في المنفى بجزيرة جالطة.
ينصّ بيلي Peele أنّه ينبغي التفكير في الزّعامة السياسية من حيث ستّة أبعاد و هي:
- صفة الزّعيم: و هي السّمات التي تميّز الزّعيم عن غيره.
- الأتباع: و هم الأفراد الخاضعين لإرادة الزّعيم و لسلطته الكاريزماتية.
- السّياق المجتمعي و التّنظيمي: الزّعامة تنشأ ضمن سياق تاريخي و حضاري و تتكيف مع الواقع السّياسي للمجتمع.
- المشاكل التّي تواجه الزّعيم: كلّ زعيم يتعرّض لعراقيل و صعوبات و يواجه منافسين له على الزّعامة.
- الخطط المستخدمة من طرف الزّعيم لكسب التّأييد: و هي الخطط الإستراتيجية المعتمدة من طرف الزّعيم من أجل كسب الأنصار و التغلب على منافسيه.
- آثار الزّعامة: الزّعامة السّياسية الحقيقية هي التي تترك أثرا على تصوّرات و سلوكات الأتباع و تساهم في تغيير الوقائع و الأحداث و تكون عاملا موجّها لمسار التّاريخ.
بالإضافة إلى الزّعامة السّياسيّة يمكن أن نجد أنواعا عدّة من الزّعامات، مثل الزّعامة الدّينيّة، النّقابيّة...إلاّ أنّ الزّعامة السّياسيّة تبقى من أرقى الزّعامات لأنّها مغيّرة للتّاريخ. و قد ترتبط الزّعامة السّياسيّة بالزّعامة الدّينيّة فيكون تأثيرها على النّاس و الأحداث أقوى و أشدّ.
III . من هو الزّعيم السياسي؟
إن الزّعيم السياسي هو فاعل متميز، و هو مصدر رئيسي من مصادر تشكّل الظاهرة السياسية و الحزبية، إن لم يكن هو محورها. و لكي يكون الزّعيم متميّزا فلابد أن تكون له مواصفات خاصّة به و أهمّها القدرة على التّأثير في الأتباع من خلال المؤهل الكاريزماتي و مختلف المواهب و المهارات السياسية و القيادية التي يمتلكها . و الزّعيم ليس مجرّد قائد، إذ أنّ " تحليل الزّعامة كوظيفة للقيادة هو تعريف غير كافٍ ... لا يمكن للزّعيم أن يكون فقط الشخص الذي يتخذ القرارات ، الشخص الذي يتولى القيادة ، الشخص الذي يختصّ بممارسة السلطة. إنه أكثر بكثير من ذلك، فهو الشخص الذي تتجسّد فيه المجموعة، و من خلاله تتعرف المجموعة على نفسها ، و هو الذي يكون وسيطا لظاهرة السّلطة الغامضة." و الزّعيم حسب تعبير "جاك بارك" Jacques Berque " هو الذي يلخص في شخصه الواقع الأكثر توسّطا، ولكنه الأعمق، ويعبّر عنه في تصرفاته . الواقع الاجتماعي الذي يحيط به داخل حدود بلده".
من أجل التعرّف أكثر على الزّعيم السّياسي، خيرنا الرّجوع أوّلا؛إلى المقاربة النظرية لقوستاف لوبون Gustave Le Bon ، التي تتمحور حول الزّعيم السّياسي بوصفه محرّكا للجماهير، و ثانيا؛ إلى النموذج النّظري لماكس فيبر حول الزّعامة السّياسية الكاريزماتية، و أخيرا؛ نحن في حاجة إلى رصد تجلّيات الزّعيم السّياسي في المخيال العربي و الإسلامي.
هذه المقاربات النّظرية للزّعيم و الزّعامة السّياسية من شأنها أن تمنحنا فهما أعمقا لمجمل التقلّبات السياسية التي شهدتها الحركة الوطنيّة التونسية التي تميّزت في مجمل أطوارها و ملابسات أحداثها بصراع خفي أو مكشوف بين زعامات كاريزماتية، و ذلك منذ نشأة الحزب الحر الدستوري التونسي إلى لحظة اغتيال الزّعيم صالح بن يوسف في 12 أوت 1961. فمن هو الزّعيم السياسي؟ و ماهي مواصفاته؟ و كيف هي تجلّياته في المخيال العربي و الإسلامي؟
1. الزّعيم السياسي : محرّك الجماهير (نظريّة قوستاف لو بون Gustave Le Bon)
إنّ كتاب "سيكولوجية الجماهير" الذي سنعتمده كمرجع أساسي في التعريف بالزّعيم السياسي حسب تصوّر قوستاف لوبون Gustave Le Bon ، يعدّ من أشهر كتبه على لإطلاق و هو الذي بوأه مكانة رفيعة في عالم الفكر و المعرفة و على هذا الكتاب اعتمد معظم الباحثين في دراستهم لظاهرة الجماهير . فما هي المحاور العامّة لنظرية "لوبون " حول الزعيم السياسي؟
- ضرورة وجود الزّعيم
إنّ وجود الزّعيم أو القائد بالنسبة لقوستاف لوبون ضروري سواء بالنسبة للإنسان
أو الحيوان، ﻓ " ما إن يتجمّع عدد من الكائنات الحيّة، سواء أكان الأمر يتعلّق بقطيع من الحيوانات أو بجمهور من البشر، حتّى يضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سلطة زعيم ما، أي محرّك للجماهير أو قائد."
إنّ وجود القائد هو أمر غريزي أو فطري بالنسبة للإنسان، و القائد هو بمثابة الرّاعي و الجماهير هي القطيع: " و الجمهور عبارة عن قطيع لا يستطيع الإستغناء عن سيّد." و بذلك فهو يفرض عليهم إرادته " التي تتحلّق حولها الآراء و تنصهر فيها."
نلاحظ أنّ تصوّر قوستاف لوبون للزّعيم السياسي لا يخرج عن إطار الزّعامة الإستبداديّة التي أشرنا إليها سابقا في هذا البحث، و الزّعيم بالنّسبة إليه هو الذي يفرض إرادته على الجماهير بأي شكل من الأشكال، فالزّعيم هو الرّاعي و الجماهير هي بمثابة القطيع المطيع و المنقاد لأوامره.
- الزّعيم السياسي هو صاحب فكرة و لكنّه ليس برجل فكر
يرى قوستاف لوبون أنّ الزّعيم السياسي هو صاحب فكرة يسعى لتحقيقها و الدفاع عنها بكل استماتة ؛" و القائد كان في الغالب في البداية شخصا مقودا منبهرا بالفكرة التي أصبح فيما بعد رسولها و مبشّرا بها. فقد غزته و هيمنت عليه إلى حدّ اختفاء كلّ شيء آخر ما عداها، و كل رأي معاكس لها يبدو له خطأ و خزعبلات..." ، إلاّ أنّ هذا الزّعيم السياسي ليس برجل فكر: " إنّ القادة ليسو في الغالب رجال فكر،و لا يمكنهم أن يكونوا ، و إنّما رجال ممارسة و انخراط. و هم قليلو الفطنة و غير بعيدي النّظر."
الزّعماء و رجال السياسة بالنسبة لقوستاف لوبون ليسوا بأصحاب فكر و ذلك لانخراطهم في عالم الممارسة السياسية. و لكن يمكن أن تكون توجّهاتهم و رؤاهم السياسية استشرافية و تتّصف ببعد النظر و ذلك خلافا لما ذهب إليه "لوبون"؛ إذ العديد من الزّعماء كان لهم تأثير على المدى البعيد بفضل خياراتهم الشخصية و إنجازاتهم و الأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها.
الواضح أنّ قوستاف لوبون كان يقصد من خلال مقاربته فئة خاصّة من الزّعماء
السّياسيين غير العاديين، و سنتبيّن ذلك من خلال عرض مواصفات الزّعيم السياسي حسب لوبون.
- مواصفات الزّعيم السياسي:
مواصفات الزّعيم السياسي التي بسطها قوستاف لوبون -رغم غرابتها- فقد أثبت التاريخ في بعض الحالات صحّتها، فبالإضافة إلى أنّ الزّعيم السياسي ليس رجل فكر، فهو يتميّز بالعصاب و بالإهتياج و هو من بين أنصاف المعتوهين الذين يقفون على حافّة الجنون:" و نحن نعثر عليهم عادة في صفوف المصابين بالعصاب، و في صفوف المهتاجين و أنصاف المعتوهين الذين يقفون على حافّة الجنون." كما أنّ "الإحتقار الذي يلقونه من الآخرين أو الإضطهاد لا يفعلان إلا أن يزيدا من إثارتهم و تهييجهم أكثر فأكثر. فهم مستعدّون للتضحية بمصالحهم الشخصية و بعائلاتهم و بكل شيء إذا لزم الأمر. و حتى غريزة حبّ البقاء تمّحي لديهم إلى درجة أنّ المكافأة التي يرجونها غالبا هي الإستشهاد". و هم يتميّزون " بقوّة تحريضية كبيرة" بفعل إيمانهم الكبير بالفكرة، و " الكثرة تصغي دائما للإنسان المزوّد بإرادة قويّة" .
ألا تنطبق هذه المواصفات على بعض الزّعماء الذين أثّروا بشكل كبير في التاريخ الإنساني مثل إسكندر المقدوني وهتلر و موسوليني و غيرهم ...؟ من المؤكّد أنّ قوستاف لوبون في دراسته حول الزّعيم السياسي يقصد زعيما سياسيا مخصوصا، يقلّ وجوده في التّاريخ الإنساني، و الذي له القدرة على تغيير وجهة التّاريخ بكيفية مؤثّرة و عميقة من خلال استعمال نفوذه.
- نفوذ الزّعيم
إنّ نفوذ الزّعيم السياسي بالنسبة لقوستاف لوبون هو نفوذ عابر و غير دائم، و" الشعوب لم ينقصها أبدا قادة في التاريخ. و لكنهم لا يمتلكون جميعا تلك القناعات القوية التي تصنع الرسل. فهؤلاء القادة هم غالبا عبارة عن خطباء ماهرين لا يفكرون إلا بمصالحهم الشخصية. و هم يحاولون إقناع الجماهير عن طريق دغدغة الغرائز الوضيعة. و بالتالي فإنّ النفوذ الذي يمارسونه على النّاس يظلّ دائما مؤقّتا و عابرا." فسلطة الزّعيم هي مؤقّة و غير دائمة و لكنّها في نفس الوقت هي سلطة استبدادية:" إنّ سلطة القادة استبدادية جدّا، و لا تتمكّن من فرض نفسها إلا بواسطة هذه الإستبداديّة." و هذا يعني أنّ الزّعيم قد يفقد زعامته إذا ما فقدت هذه الزّعامة طابعها الإستبدادي.
- دور الزّعيم
إنّ الدّور الأساسي للزّعيم السياسي حسب قوستاف لوبون يتمثّل في " بثّ الإيمان سواء أكان هذا الإيمان دينيا أم سياسيا أم اجتماعيّا، إنّهم يخلقون الإيمان بعمل ما، أو بشخص ما، أو بفكرة ما. و من بين كلّ القوى التي تمتلكها البشريّة نجد أنّ الإيمان كان إحدى أهمّها و أقواها." و يشير هنا إلى أهمّية الجانب الإيديولوجي و العقائدي الذي يسعى الزّعيم إلى ترسيخه و بثّه في صدور الأتباع و ذلك من أجل بسط نفوذه و سلطته و تخدير الجماهير.
- أصناف الزّعماء السياسيين
لقد قام قوستاف لوبون بتقسيم الزّعماء السياسيين أو كما يصفهم بمحرّكي الجماهير إلى قسمين:
القسم الأوّل:" رجال نشطون ذوو إرادة قويّة و لكن آنية و مؤقّتة."و هم القادة السياسيين العاديّين.
القسم الثاني: زعماء" يمتلكون إرادة قويّة و دائمة في آن معا." و هم بالخصوص الأنبياء الذين تتجمع لديهم الزّعامة السياسية و الزّعامة الدينية التي لا تزول بموتهم.
- وسائل العمل التي يستخدمها الزّعماء السّياسيين
يلتجئ الزّعيم السياسي حسب لوبون إلى ثلاثة وسائل من أجل فرض سلطته على الأتباع و تتمثّل في أسلوب التأكيد و أسلوب التكرار و أسلوب العدوى. ﻓ" عندما نريد أن ندخل الأفكار و العقائد ببطء إلى روح الجماهير(كأن ندخل النظريات الإجتماعيّة الحديثة مثلا) فإننا نجد أنّ أساليب القادة تختلف. فهم يلجؤون بشكل أساسي إلى الأساليب الثلاثة التالية: أسلوب التّأكيد، و أسلوب التكرار، و أسلوب العدوى. لا ريب في أنّ تأثيرها بطيء و لكنّه دائم." و المقصود بأسلوب العدوى هو التأثير الذي يحدث من خلال تيّار الرّأي العام. و ذلك ما يمكن ملاحظته في الحملات الدعائية في جلّ المنافسات و الصراعات الزعامية، إذ نرى الزعماء يؤكدون و يكررون أفكارهم و يحاولون نشرها عبر مختلف وسائل الإعلام، و قد لمسنا هذا الأمر خلال مرحلة الصراع العلني بين الزعيمين صالح بن يوسف و الحبيب بورقيبة. كما لاحظنا خلال هذه المرحلة أنّ الزّعيمين يتعمّدان تكرار نفس الفكرة في خطب و تصريحات عديدة.
- هيبة الزّعيم:
يقول قوستاف لوبون بخصوص هيبة الزّعيم:" و كلّ ما هيمن في العالم، من أفكار أو بشر، فرض نفسه أساسا عن طريق القوّة التي تعبّر عنها كلمة هيبة. و نحن نعرف جميعا معنى هذه الكلمة، و لكنّهم يطبّقونها بأشكال مختلفة جدّا. و بالتّالي فليس من السّهل تحديدها بدقّة. و الهيبة يمكنها أن تشتمل على بعض العواطف كالإعجاب و الخوف. و هما يشكّلان أحيانا أساسها و قاعدتها. و لكن يمكنها أن توجد بدونهما. و الدّليل على ذلك أنّ بعض الأشخاص الموتى كالإسكندر المقدوني و القيصر و محمد و بوذا لا يزالون يحظون حتّى الآن بهيبة كبيرة على الرّغم من أنّنا لم نعد نخشاهم."
كما يضيف قوستاف لوبون في هذا الشأن قائلا:" إنّ قادة البشر الكبار من أمثال بوذا و المسيح و محمد و جان دارك و نابليون يمتلكون هذا النّوع من الهيبة الشّخصية في أعلى درجاتها. و عن طريقها بالذّات استطاعوا أن يفرضوا أنفسهم."
إنّ الكثير من الآراء التي بسطها قوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيّة الجماهير"،قد أثبت التّاريخ صحّتها. و قد نختلف معه في الكثير من أفكاره، و قد نعجب بها في بعض الحالات. و لكن ما يميّز قوستاف لو بون هو أنّه قدّم نظريّة متكاملة في علم نفس الجماهير. و الملفت أيضا، أن هذا العالم الرّائد في علم النّفس الإجتماعي قد اهتمّ بصفة مبكّرة و قبل نشأة ما يسمى بعلم الزّعامة بالزّعيم السياسي و درسه دراسة علميّة و نفسيّة.
إنّ الأفكار التي قدّمها قوستاف لو بون حول الزّعيم السياسي " لا تنطبق إلاّ على القادة الكبار، و هؤلاء نادرون جدّا إلى حدّ أنّه يمكن تعدادهم على مدار التّاريخ." و قد اشتغل عليهم ماكس فيبر الذي قدّم لنا مقاربة نظريّة حول الزّعيم الكاريزماتي.علما و أنّ قوستاف لوبون قد عبّر عن كاريزما الزّعيم السياسي و ذلك قبل أن يبلورها ماكس فيبر في إطار نظريّ عند حديثه عن شخصيّة نابليون بونابارت و ذلك عندما وصفه بأنّ له " قدرة الزّعيم الجبّارة للجاذبية الشخصيّة" .
2. الزّعيم السياسي : شخصية كاريزماتية (نظريّة ماكس فيبر MAX WEBER)
لقد لعبت كاريزما الزّعيم دورا أساسيا و حاسما في الصّراع الزّعامي الذي جدّ بين الزّعماء الوطنيّين و الحزبيّين في الحركة الوطنيّة التّونسية منذ نشأة الحزب الحر الدّستوري التّونسي، و خاصّة خلال الصراع السّياسي الذي دار بين الزعيمين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف. و قد وضع ماكس فيبر نموذجا نظريا حول الزعامة الكاريزماتية، هذه المقاربة النّظريّة من شأنها أن تعيننا على فهم هذا الصّراع الزّعامي بشكل أعمق و من زاوية مختلفة. فماهي الكاريزما؟ و ما هي أهمّ الأسس النظريّة الّتي صاغها ماكس فيبر حول الزّعامة الكاريزماتية في كتابه "الإقتصاد و المجتمع"؟
الكاريزما حسب معجم المصطلحات السياسية هي:" الصفة المنسوبة إلى أشخاص أو مؤسسات أو مناصب بسبب صلتهم المفترضة بالقوى الحيوية المؤثرة والمحددة للنظام. وقد استخدم المصطلح في فجرالمسيحية للإشارة أساسا إلى قدرات الروح القدس. و يعتبر ماكس فيبرأول من أعطى المصطلح صبغة سياسية عندما استخدمه للإشارة إلى القدرة التي يتمتع بها شخص معين للتأثير في الآخرين إلى الحد الذي يجعله في مركز قوة بالنسبة لهم وبحيث يمنحه الواقعون تحت تأثيره حقوقا تسلطية عليهم كنتيجة لقدرته التأثيرية هذه."
فأصل المصطلح حسب هذا المعجم هو ديني و مسيحي، و قد استعمله ماكس فيبر للدلالة على القوة التأثيرية للزعيم السياسي التي تجعل الأتباع يخضعون له عن طواعية. و هذا التأثير هو نفسي بالأساس و هو شبيه بتأثير الأنبياء على المؤمنين. و قد أشرنا سابقا إلى أنّ قوستاف لوبون Gustave Le Bon قد ألمح إلى كاريزما الزّعيم السّياسي من خلال الإشارة إلى " قدرة الزّعيم الجبّارة للجاذبية الشخصيّة" . و سوف نجتهد من أجل إبراز أهم أفكار ماكس فابر حول الكاريزما و الزعيم الكاريزماتي.
- الكاريزما موهبة
الكاريزما بالنّسبة لماكس فيبر هي موهبة و ليست في متناول أيّ كان، أي أنّها ليست بحرفة أو مهنة بمقابل أجر و لا يمكن تعلّمها أو التمرّس عليها، فأصحاب الكاريزما كانوا
" حاملي مواهب جسمية و عقلية خاصة خارقة للعادة (بمعنى أنها ليست في متناول أي شخص
كان)
الكاريزما بالنسبة لماكس فيبر ظاهرة غير عاديّة و أصحابها أشخاص متميّزون و هم شبيهون بالأنبياء بحكم الأعمال الخارقة للعادة التي يقومون بها. و الزّعامة أو السيادة الكاريزماتية هي " وليدة أوضاع خارجية غير عادية - سواء كانت هذه بالأخص سياسية أم اقتصادية أم نفسانية دينية-أم كليهما معا-فهي تصدرعن انفعال عاطفي خارق للعادة لدى مجموعة من الناس و عن تحمسهم للبطولة مهما كان مضمونه" .
يمكن القول أنّ الأوضاع الخارجية التي أفرزت زعماء يتصفون بالكاريزما بالنسبة للفترة المدروسة في هذه الأطروحة هي الإستعمار الفرنسي الذي بسط سيطرته على مقدرات الشعب التونسي ممّا ولد لدى الشعب الحاجة لزعيم منقذ، موهوب و صاحب كاريزما. و هو ما يفسّر تعدد الزّعماء ضمن الحزب الحر الدستوري القديم و الجديد أو حتّى ضمن المنظّمات الوطنيّة. فالوضع الإستعماري المهين هو الذي أنتج زعماء يتميّزون بالموهبة السياسية و الكاريزما، بالرّغم من تفاوت درجات الكاريزما و القدرة على التّأثير بين مختلف الزّعماء.
في الحقيقة، الحزب الحر الدستوري الجديد هو الذي أنتج معظم هؤلاء الزعماء بحكم اعتماد سياسة التواصل المباشر مع الجماهير من أجل التأثير عليهم و تغيير تصوّراتهم و سلوكاتهم. و قد كان لكل من الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف قدرات فائقة على الخطابة و التأثير في الجماهير، و كانا صاحبي كاريزما غير عادية.
- الإعتراف بالمؤهّل الكاريزماتي
إنّ صاحب الكاريزما في حاجة إلى الإعتراف و يسعى لاغتنام الفرصة المناسبة من أجل تنفيذ مشروعه من خلال المطالبة بالولاء الطاعة له. فالإعتراف بالمؤهّل الكاريزماتي هو شرط نجاح الزّعيم الكاريزماتي، و هذا الإعتراف لا يكون صادرا عن الإنتخاب أو بفضل" الموقع المحتل داخل العشيرة أو الجماعات المحلية و لا يخضع لأي قاعدة مهما كان نوعها" بل من خلال الإختبار و الممارسة العمليّة و من خلال القوّة التأثيرية التي يتميّز بها هذا القائد. و قد يسقط مشروع الزّعيم إن لم يتمّ الإعتراف بهذا المؤهّل الكاريزماتي. و في حالة الإعتراف به يصبح هو السيد الآمر و النّاهي طالما عرف كيف يحافظ على هذا الإعتراف.
و"حامل الكاريزما يغتنم الفرصة التي يراها مناسبة له و يطالب بالطاعة و الولاء بحكم رسالته. و لن يصل إلى مرماه إلا بقدر ما يكون النجاح حليفه، فإن لم يعترف أولئك الذين يشعر أنه مبعوث إليهم برسالته، يسقط إذن مطلبه. أما إذا اعترفوا به فإنه يصير سيدهم طالما عرف هو كيف يحافظ على اعترافهم به من خلال "الإختبار". فلا يستنبط إذن حقه "من إرادتهم على مثال الإنتخاب و إنما بالعكس:إذ الإعتراف بالمؤهل الكاريزماتي هو واجب كل الذين تشملهم رسالته" .
و يستنتج ماكس فيبر Max Weberقائلا:" فاكتساب المكانة الكاريزماتية يحدث إذن بغض النظر عن الموقع المحتل داخل العشيرة أو الجماعات المنزلية و لا يخضع لأي قاعدة مهما كان نوعها" .
الزّعيم الكاريزماتي يكتسب شرعيّة من خلال هذه الكاريزما دون سواها، فهل يمكن القول أن عبد العزيز الثعالبي و صالح بن يوسف قد فشلا في فك الإعتراف بالمؤهل الكاريزماتي و عجزا أمام قدرات الحبيب بورقيبة التأثيرية؟ أم أنّ هناك أسبابا موضوعيّة أخرى قد أدّت إلى تفوّق الزّعيم الحبيب بورقيبة عليهما ؟ ذلك ما سنراه خلال تعرّضنا إلى مختلف الصّراعات الزّعامية التي خاضها الحبيب بورقيبة مع الثعالبي و بن يوسف.
- الكاريزما الخالصة
الكاريزما الخالصة حسب ماكس فيبر" لا تعرف مشروعية أخرى سوى التي تصدر عن قوته الذاتية و التي تخضع دوما من جديد للتجربة. فالبطل الكاريزماتي لا يستنبط نفوذه من تراتيب و أنظمة سياسية كما هو جار في إدارة مختصة، و لا من عادة تقليدية أو من قسم إقطاعي بالولاء كما كان لدى سلطة الأعيان، بل يمتلكه و يحافظ عليه عن طريق مقارعة قواه في خضم الحياة".
الكاريزما الخالصة تنبع إذن من ذات الزّعيم و شخصيته المؤثرة و الفريدة و لا يمكن أن تفرزها نتائج انتخابات أو ما شابه، و يفرضها الزّعيم "عن طريق مقارعة قواه في خضم الحياة"؛أي من خلال التنافس والصراع الزّعامي.
- السلطة الكاريزماتيّة
السلطة الكاريزماتيّة التي هي نقيض السيادة أو السلطة البيروقراطيّة لا تعرف " أي قوانين
مجردة و لا تراتيب و لا استنتاج قانوني صوري. فحقها الموضوعي يتمثل في الفيض المحسوس للتجربة الشخصية المثلى الوارد من البركة السماوية و القوة الإلاهية، و يعني رفض التقيد بالنظام الطبيعي الخارجي لصالح التعالي الوحيد لعقيدة الأنبياء و الأبطال. و لذلك فهي تتصرف بصفة ثورية قالبة جميع القيم و محطمة النواميس التقليدية و العقلانية" . فالعقلنة والنظام العقلاني " يحركان من الخارج في حين أن الكاريزما تحرك على عكس ذلك من الداخل، في صورة ما إذا قامت بتفعيل تأثيراتها الخاصة و أن تظهر قوتها الثورية من ميتانويا métanoïa الأخلاق المركزية لدى المحكومين" .
و الكاريزما تقوم "على الإيمان بالوحي و بالأبطال و على القناعة العاطفية بأهمية و قيمة الظاهرة سواء كانت هذه دينية، أخلاقية، فنية،علمية،سياسية...و هذا الإيمان يحرك الناس من الداخل و يسعى إلى تشكيل الأشياء و الأنظمة طبقا لرغباته الثورية".
السلطة الكاريزماتية إذن، تحرّك الأتباع و المحكومين من الدّاخل و لذلك هي سلطة قوّية و محرّكة للتّاريخ بشكل ثوري و عميق. و قد اعتبرها ماكس فيبرMax Weber" القوة المبدعة أساسا و الثورية للتاريخ" . لأنّها قوّة أو سلطة تتمحور حول القدرات الشخصيّة للزّعيم و موهبته الخاصّة في استجلاب الأتباع و التّأثير عليهم.
الزعيم الكاريزماتي إذن، يفرض نفسه من خلال احتلال قلوب ووجدان الجماهير لأنه يعبر بالأساس عن تطلعاتهم و رغباتهم. و هو يعتمد على قوّة الإقناع و الجذب و "تخدير" الجماهير بما أوتي من قدرة فائقة على الخطابة.
و كل من يطّلع على خطب الحبيب بورقيبة أو صالح بن يوسف الدّعائية يلمس سعيهم إلى احتلال قلوب الجماهير من خلال توظيف قدراتهم الباهرة و المتميّزة على الخطابة و التأثير.
- مشروعيّة الكاريزما
الكاريزما بالنّسبة لماكس فيبر لا تخضع للقوانين الإقتصادية أو المؤسّساتية كما لا تخضع للنواميس الإجتماعيّة التقليدية و لذلك فهي ظاهرة استثنائيّة في التاريخ الإنساني و لا تعرف مشروعيّة سوى التي تصدر عن قوّة الزّعيم الذاتية و تجربته الخاصّة،" الكاريزما هي مبدئيا قوة خارجة عن المعتاد و هي لذلك حتما قوة خارجة عن الإقتصاد" .
ما يمكن استخلاصه من هذا العرض المبسّط و الموجز لنظرية ماكس فيبر حول الزعامة الكاريزماتية، أنّ هذا النّوع من الزّعامة يمثّل ظاهرة فرديّة و نفسيّة. كما أنّ الكاريزما هي موهبة يختصّ بها أشخاص متميّزون لهم القدرة على التأثير في الوقائع و الأشخاص أي أنّهم قادرون على تغيير التاريخ من خلال التعويل على إيمان الأتباع بقدراتهم و مواهبهم و قوّتهم.
كما أنّ الزّعامة الكاريزماتية هي ظاهرة استثنائية في التاريخ الإنساني و تنشأ بفعل أزمة ما؛ اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو نفسية أو دينية...و القائد الكاريزماتي لا يتقيّد بأيّة نواميس أو قوانين مهما كان مصدرها، فالكاريزما الخالصة حسب ماكس فيبر لا تعترف إلا بمنطقها الخاص، و لا تستمدّ مشروعيتها من المؤسّسات القائمة (الدينية أو السياسية...).فاعتراف الأتباع بالزّعيم و إيمانهم به هو الذي يضمن له النفوذ المطلق و الحماية و الإستمرارية.
إنّ أبحاث ماكس فيبر حول كاريزما الزّعيم، كانت منطلقا أساسيّا لدراسة ظاهرة الزّعامة دراسة علميّة و موضوعيّة. كما أن هذه المقاربة النظرية تمكننا من فهم شخصية الزّعيم و الوسائل و الإستراتيجيات التي يستعملها من أجل بسط نفوذه و إرادته على الجماهير و الأتباع.
الزّعيم السياسي له تجلّيات و حضور في مخيال و تصورات و تمثلات الجماهير و سوف نتطرق في العنصر الموالي إلى الزّعيم السياسي و حضوره في المخيال العربي و الإسلامي.
3. الزّعيم السياسي في المخيال العربي الإسلامي
قال كانط:" إنّ القائد في ميدان السياسة مثله مثل الفنان في ميدان علم الجمال، يستطيع قيادة و تسيير الناس بواسطة صور يتقن عرضها مكان الواقع..." .
لقد أدرك الفيلسوف الألماني كانط منذ وقت مبكّر الدّور الّذي يلعبه المخيال في قيادة الشّعوب و ذلك من خلال توظيف الزّعيم أو القائد للمخيال الجمعي من أجل التأثير و التّعبئة الشعبية.
و المخيال (l'imaginaire) هو مفهوم يندرج ضمن علم الأنثروبولوجيا، تمّ ابتكاره من طرف عالم التحليل النفسي الفرنسي جاك لاكان ((Jacques Lacan في منتصف القرن الماضي و قد اتّخذ هذا المفهوم أبعادا متنوّعة و قد تمّ توظيفه في شتّى مجالات العلوم الإنسانية و الإجتماعيّة، فما هو المفهوم الأنتروبولوجي لمصطلح المخيال؟
الأنتروبولوجيا الفرنسيّة تعرّف المخيال الجماعي على أنّه مجموعة من التمثّلات (représentations) الأسطوريّة للمجتمع. كما يعتبر محمد أركون أنّ المخيال " هو عبارة عن بنية أنتروبولوجية موجودة لدى كل الأشخاص و في كل المجتمعات مهما اختلفت أشكاله و أنواعه بحسب التاريخية و المشروطية الزمكانية.
و قد فصّل الباحث الأنثروبولوجي مالك شبل في كتابه "المخيال العربي الإسلامي" المخيال إلى خمسة أبعاد أو عناصر و هي:
- المخيال الإجتماعي و السياسي
- المخيال الدّيني
- مخيال العلم و الخلق
- المخيال الجمالي( الفني)
- مخيال الجنس
و " كلمة متخيَّل تدلّ على شيء متشكل تاريخيا في الذاكرة الجماعية أو في الذهن، و هو قابل للإستثارة و التحريك كلما دعت الحاجة إلى ذلك" . و هو ما سوف نلاحظه عند تحليل خطب الزعيمين صالح بن يوسف و الحبيب بورقيبة خلال مرحلة الصراع العلني و الحملات التّعبويّة، حيث يقوم الزّعيمان باستثارة و تحريك ما وقر في الذاكرة الجماعية من صور و مرجعيّات بهدف التأثير و استجلاب الأنصار.
و يلعب المخيال دورا أساسيا في المجتمعات العربية، إذ أن صورة الزّعيم لأسطوري و المثالي لا تكاد تفارق مخيّلة الإنسان العربي. و يقول جون لاكوتيرJean Lacouture في هذا الصدد : " إنها مسألة تجسيد أسطوري هنا ، وهي عملية ملائمة بشكل خاص للمجتمعات العربية ، حيث يلعب الخيال والغموض والعطش للرّموز دوراً رئيسياً" .
و قد قال الباحث عبد المجيد الشّرفي: "على قدر تصوّر المواطن لمكانة الزّعيم يكون استعداده لقبول التعسّف منه أو رفضه و إقدامه على المشاركة في الحياة السياسية أو الإنزواء عنها. و بعبارة أخرى فهو بحسب تلك المنزلة في متخيّله، يتحمّل مسؤوليته المدنيّة الكاملة أو يكون الضحيّة الرّاضية بكلّ ما يسلّط عليها من جور يراه من طبيعة الأشياء." .
و يلعب المخيال دورا أساسيا و ضروريّا لفهم حضارتنا فهما علميا و موضوعيّا،" هذا الدّورالّذي تعامى عنه المؤرّخون الّذين اتّخذوا دائما موقفا إلى جانب العقل الكتابي، و احتقروا المخيال و لم يهتمّوا به إلاّ نادرا"
كما أنّ الزّعيم السّياسي في المخيال العربي و الإسلامي يمثّل صورة و سلطة الأب، و يقول الأستاذ محمد الجويلي في هذا المضمار:" تبحث الجّماعة العربيّة بحثا طفوليّا دؤوبا على الزّعيم الأب، ممّا يبعث على الإعتقاد بأنّنا لم نتخطّ بعد طفولتنا السياسية، طفولة امتدت حوالي الأربعة عشر قرنا. مازالت صورة الزّعيم الأب تستهوينا لأنّ ماضينا يسيطر بكلّ ثقله على حاضرنا و يحرّكه." و يضيف الأستاذ محمّد الجويلي بأنّ " مقولة الزّعيم الفرد بدت و كأنّها تستبدّ بالوعي السياسي الإسلامي لتسمه بعد ذلك طوال تاريخه" .
و قد بدأت الزّعامة السّياسيّة بالتشكل منذ أحداث السّقيفة، التي شهدت صراعا على خلافة الرّسول. هاته الخلافة التي عرّفها القلشقندي بأنّها "الزّعامة العظمى" حين
قال: " أطلقت في العرف العام (أي الخلافة) على الزّعامة العظمى و هي الولاية العامّة على كافّة الأمّة، و القيام بأمورها، و النّهوض بأعبائها."
و الصورة المثالية للخلفاء الراشدين لازالت تخيّم بظلالها على المخيال الشعبي العربي و الإسلامي بالرّغم من الصّراع العنيف و الدّامي الذي شهدته هذه المرحلة من التّاريخ الإسلامي.
من المؤكّد أنّ مواصفات و سمات الزّعيم السياسي لها وجود صوري و رمزي في المخيّلة الجماعية، و يعمل الزّعماء السياسيين خلال خطبهم الدعائة و التأثيرية على استثمار تلك الصور المتوارثة و المستبطنة في اللاوعي الجمعي، و التي تضع الزّعيم السياسي في منزلة المقدّس(الخليفة،أمير المؤمنين...).
خاتمة الملف
إنّ الإطلاع على نظريات الزّعامة و فهمها، يفتح آفاقا جديدة للمؤرّخ الذي يدرس هذه الظاهرة، و قد تعرّضنا في هذا الملف إلى البعض منها و لم نتاولها كلها نظرا لكثرتها و تنوّعها. و رغم هذه الكثرة و التنوّع لنظريّات الزّعامة، فإنّ الباحثين لم يتوصّلوا إلى مفهوم علمي و موضوعي للزّعامة، و ذلك نظرا للطبيعة المعقدة لهذه الظّاهرة، و نظرا كذلك لارتباطها بالسّياق التّاريخي و الحضاري الذي نشأت فيه، و للدور الذي يلعبه المخيال الجمعي في رسم صورة نمطية للزعيم تختلف من مجتمع إلى آخر.
كما أكّدت هذه النظريّات على وجود نوعين متضادّين من الزّعامة؛ فالزّعامة الإستبداديّة هي التي تتمحور حول شخصيّة الزّعيم، الذي يسعى إلى بسط نفوذه و فرض تصوراته و رُآه بكلّ الوسائل و الطّرق المشروعة و الغير مشروعة. و هذا النّوع من الزّعامة يحدّ من حرّية الأتباع، و له آثار سلبية على الفرد و المجتمع. أمّا الزّعامة الدّيمقراطية، فهي التي تسعى إلى الرّقي بالمواطنين، و تساعدهم على بلوغ أهدافهم، و هي التي تحمل في ثناياها رؤية تنمويّة شاملة و بعيدة المدى.
لقدعرضنا في هذا الملف مقاربتين نظريتين للزّعيم السياسي، و قد بسطنا بشكل مختصر نظريتي قوستاف لو بون Gustave Le Bon و ماكس فيبر Max. كما تعرضنا في آخر الملف إلى منزلة الزعيم في المخيال العربي و الإسلامي، و كيف أنّ هذا المخيال يلعب دورا هاما و غير مباشر في بروز الزعيم القادر على توظيف المخيال الشعبي و استثمار التصورات الموروثة، من أجل كسب الأتباع و بسط نفوذه و زعامته عليهم.
لم يكن تحليلنا للزعامة و الزعيم السياسي في هذا الملف الأول تحليل مختص في علم الإجتماع أو علم النّفس، و لكننا حاولنا التعرف على أبرز مفاهيم الزعامة و الزعيم السياسي التي توصلت إليها النظريات الإجتماعية و النفسية الحديثة، التي من شأنها أن تيسر لنا فكّ اشكالية البحث الأساسية و تفتح لنا زوايا نظر جديدة للموضوع.
أهم المراجع و المصادر
أولًا: المصادر والمراجع العربية
الكتب:
آبادي، الفيروز. القاموس المحيط. الطبعة الثامنة، مؤسسة الرسالة، 2005.
الأحمر، المولدي. الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراه (78)، أكتوبر 2009.
أركون، محمد. الفكر الإسلامي قراءة علمية. ترجمة: هاشم صالح، الطبعة الثانية، مركز الإنماء القومي/المركز الثقافي العربي، 1998.
الجويلى، محمد. الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي بين المقدس والمدنس. المؤسسة الوطنية للبحث العلمي، دار سراس للنشر، 1992.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. دار الكتب العلمية، لبنان.
القاموس السياسي ومصطلحات المؤتمرات الدولية. الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 2004.
القلشقندي، أحمد بن عبد الله. مآثر الإنافة في معالم الخلافة. ج1، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، الطبعة الأولى، عالم الكتب، بيروت، 1964.
لوبون، قوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة: هاشم صالح، الطبعة الأولى، دار الساقي، 1991.
مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. مكتبة الشروق الدولية، 2004.
ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين. لسان العرب. دار المعارف، مصر، 1981.
وباستيد، روجيه. السوسيولوجيا والتحليل النفسي. ترجمة: رجيه البعيني، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1988.
ويبر، ماكس. الاقتصاد والمجتمع: الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المخلفات (السيادة: المجلد الرابع). ترجمة: محمد التركي، مراجعة: فضل الله العميري، المنظمة العربية للترجمة، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية (لبنان)، مكتبة الفكر الجديد، 2015.
زعبور، علي. قطاع البطولة والنرجسية في الذات العربية. الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت، 1982.
الدوريات والمقالات:
أركون، محمد. "المنهجية المعاصرة والفكر الإسلامي". الفكر العربي المعاصر، عدد 32، أكتوبر 1982، ترجمة: هاشم صالح.
التونسي، محمد الكامل. "جريدة الإرادة"، العدد 26514، يناير 1938.
ياسين، قيس. "مقاربة أولية في سيكولوجية الزعامة". النبأ (شهرية ثقافية عامة)، العدد 80، يناير 2008.
المصادر الإلكترونية:
معجم المعاني.
https://www.almaany.com عبد الفتاح عبد الكافي، إسماعيل. الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية (عربي-إنجليزي).
www.kotobarabia.com برنارد باس. أستاذ فخري في كلية الإدارة في جامعة بينغهامتون ومدير مركز دراسات القيادة.
https://www.indiebound.org/book/9780743215527?aff=simonsayscom
ثانيًا: المصادر والمراجع الأجنبية
Books:
.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق