قراءة تحليلية في خطاب الحبيب بورقيبة حول دواعي تشييد قصر قرطاج

   


رابط التسجيل الصوتي لخطاب الحبيب بورقيبة (بالدارجة التونسية)


https://youtu.be/dVPSseIvKYI?si=s068xh4fD-BzcTN7


ترجمة الخطاب إلى العربية الفصحى:  "لكن هذا غير صحيح، أنا لم أشترِ طيلة حياتي قصوراً ولا فعلت شيئاً لنفسي. يوم ألتحق بالمولى سبحانه وتعالى، سيجدونني فقيراً، بل أفقر مما كنت عليه حين انخرطت في الحركة الوطنية. والله ما عدت أملك شبراً واحداً، حتى في "المنستير" لم يعد لي ملك. كل ما كسبته وهبته؛ لقد بذلت دمي ولحمي وعقلي وفكري، فما قيمة "هنشر" (ضيعة) أو أرض أو زيتونة أو دار؟ هل لا زلت أعيرها أهمية؟ الدار التي اكتتب فيها الشعب حين كنت في فرنسا ليقدموها لي، أهديتها.. جعلتها مكاناً لتعليم وتدريس البنات. زيتوني بعته، وداري بعتها، لكنني أردت لرئيس الدولة —سواء كنت أنا اليوم أو غيري غداً— أن يكون في محل لائق، يليق بمكانة تونس ويرفع من سمعتها وكرامتها. ومن سوء الحظ، فإن "البايات" والملوك السابقين لم يتركوا لنا قصوراً تبيض الوجه، لم يتركوا لنا قصوراً مثل "قصر الصيف" في الجزائر، أو قصور المغرب، أو "قصر القبة"، أو "قصر الزبداني"، ولا حتى قصور الإيطاليين التي شيدوها في طرابلس، أو قصور المشايخ في اليمن. نحن لا نملك شيئاً.. حين يزورني رئيس دولة، أشعر بالخجل؛ حتى أنني أصبحت أتجنب دعوة رؤساء الدول. فمثلاً، إذا استضافني ملك السويد، كيف يمكنني رد الدعوة وأين سأستقبله؟ هل أضعه في "نهج غرة جوان" في فيلا كانت مخصصة لكاتب عام؟ لقد أردنا تهيئة شيء محترم، وفي الوقت نفسه يكون ملكاً لقرطاج. هذا القصر في قرطاج، الذي كان مقراً للكاتب العام الفرنسي، أردنا أن نضفي عليه لمسة تونسية، لنشجع من خلاله الصناعات التقليدية؛ فاستخدمنا "حجر دار شعبان"، وفن "التخريب" (نقش الخشب)، ونقش الحديد، والدهان وغير ذلك. وكنت سعيداً لأظهر للناس إبداع تونس، وما تنتجه اليد التونسية والفن التونسي؛ كنوع من التشجيع وفي الوقت ذاته اعتزازاً وفخراً بهذه البلاد التي كانت آيلة للضياع والاضمحلال والفرنسة والمحو، لنحييها ونمنحها شخصية وهوية. هذا ما فعلناه، وهو عمل لم ينتهِ بعد ولم يكتمل، وإلى يومنا هذا لا نملك قصراً جمهورياً بالمعنى الكامل للكلمة، قصر أستطيع النوم فيه والاستقبال والعمل في آن واحد. لهذا أضطر كل صباح —كأي موظف لديّ— أن أستقل السيارة إلى المكتب هنا.. المكتب الذي كان يشغله الكاتب العام والوزير الأكبر قبله، لأستقبل الوزراء ونتشاور في شؤون الدولة. أذهب وأعود يومياً، وهذا لا يليق بهيبة رئيس الدولة، ولا بدواعٍ أمنية.. فأمن الرئيس يتطلب حراسة مشددة لأنه صار يتنقل في أوقات محددة ومعلومة. الإنسان العاقل لا يتأثر بهذا الكلام، ولكن حين يُصبّ هذا القول في عقول البسطاء من العمال، ويقال لهم: "انظروا إلى بورقيبة وقصره"، ثم يأتون ويرون.. والبعض منهم، هؤلاء "الأوغاد"، استدعيناهم في احتفالات غرة جوان ليروا ثمرة مجهود الدولة في حفظ كرامتها، متمثلة في مسكن رئيس الدولة الذي يجب أن يناسب تونس الفتية والجديدة. استدعيناهم وأكرمناهم، فكانوا ينظرون بحقد وكراهية، وخرجوا يبثون السموم لينفروا الناس ويحقروا الدولة ويثيروا الأحقاد والغيرة والحسد، بدلاً من الاحترام والإكبار وعرفان الجميل. هذا ما فعله الشيوعيون، ومن سوء الحظ أن غير الشيوعيين من التونسيين الذين يدّعون الوطنية ساروا في هذا الطريق.. أرادوا أن يظهروا بمظهر المعارضين للحكومة ولو بشيء بسيط، فتبنوا خطاباً فيه تحقير واتهام للدولة بالتبذير على حساب الشعب الفقير. لكنهم لم يروا عشرات الآلاف من المساكن الشعبية التي بنيناها، ولا السدود، ولا المدارس، ولا الأراضي التي استصلحناها، ولا المستوصفات والمستشفيات. حتى البارح في "سليانة" أخبروني أن جميع الأطفال في سن الدراسة هم الآن في مدارسهم يتلقون تعليمهم، وعددهم 1800 طفل."

التحليل:

يمثّل خطاب الحبيب بورقيبة المتعلّق ببناء القصور الرئاسية، وبصفة خاصة قصر قرطاج، وثيقة سياسية وتاريخية بالغة الأهمية لفهم منطق بناء الدولة الوطنية التونسية في مرحلة ما بعد الاستقلال. فهذا الخطاب لا يمكن اختزاله في كونه دفاعاً ظرفياً عن مشروع معماري أثار الجدل، بل هو نصّ تأسيسي يعكس فلسفة متكاملة للسلطة، ويكشف تصوّراً عميقاً لمعنى الدولة، والرمز، والهيبة، والشرعية، في سياق وطني ودولي شديد التعقيد.

يأتي هذا الخطاب في قلب ستينيات القرن العشرين، وهي فترة شهدت توتّراً سياسياً واجتماعياً حاداً. فقد كانت الجمهورية التونسية الفتية تسعى إلى تثبيت أركانها بعد إلغاء الملكية الحسينية سنة 1957، وفي الوقت ذاته تواجه معارضة متعدّدة المشارب، من بقايا اليوسفيين إلى التيارات اليسارية والشيوعية التي تصاعد نفوذها مع تجربة التعاضد الاقتصادي. في هذا السياق، تحوّل قصر قرطاج من مجرّد فضاء معماري إلى رمز سياسي مركزي، وأصبح موضوعاً لصراع رمزي حول طبيعة الدولة وأولوياتها.

يفتتح بورقيبة خطابه بنفي قاطع لأي ثراء شخصي، مؤكداً أنه لم يشترِ قصوراً ولم يعمل يوماً لمصلحته الخاصة، وأنه سيغادر الدنيا فقيراً كما دخل معترك النضال الوطني، بل أفقر. هذا الإصرار على إبراز الزهد الشخصي لا يمكن فهمه فقط باعتباره تعبيراً أخلاقياً أو محاولة للدفاع عن السيرة الذاتية، بل هو في جوهره تأسيس لشرعية سياسية تقوم على الفصل الصارم بين الشخص والمؤسسة. فبورقيبة يسعى إلى ترسيخ فكرة مفادها أن ما يُنفق على القصر لا يعود عليه كفرد، بل على الدولة باعتبارها كياناً معنوياً دائماً يتجاوز الأشخاص وتعاقبهم على الحكم.

في هذا الإطار، تتضح إحدى الركائز الأساسية للفكر البورقيبي، وهي التمييز بين زهد الحاكم وفخامة الحكم. فالحاكم، في تصوّره، يمكن أن يكون متقشفاً في حياته الخاصة، لكنه ملزم في موقعه الرسمي بأن يجسّد هيبة الدولة وكرامتها. ومن هنا يكتسب القصر الرئاسي بعداً رمزياً بالغ الأهمية، إذ يصبح واجهة تمثّل تونس في الداخل والخارج، وتعكس مكانتها بين الأمم. هذا التصوّر يندرج ضمن رؤية حديثة للدولة، ترى أن الرموز المادية ليست ترفاً، بل أدوات أساسية في بناء الشرعية وترسيخ السيادة.

وتزداد دلالة هذا التصوّر عمقاً إذا ما وضعنا موقع قصر قرطاج في سياقه التاريخي. فالمكان الذي شُيّد فيه القصر كان في عهد الحماية الفرنسية مقرّ إقامة الكاتب العام للحكومة التونسية، أي أعلى سلطة استعمارية فعلية تشرف على الباي وتتحكّم في مفاصل الدولة. إن تحويل هذا الفضاء بالذات إلى مقر لرئاسة الجمهورية يمثّل فعلاً سيادياً بامتياز، يقوم على إحلال رمز وطني محلّ رمز استعماري. فالقصر هنا ليس مجرد بناء جديد، بل هو إعادة كتابة لمعنى المكان، وانتزاع رمزي للسيادة من يد المستعمر.

ويحرص بورقيبة في خطابه على التأكيد أن القصر لم يُبنَ كنسخة مستوردة من نماذج غربية، بل كفضاء يعكس الشخصية التونسية ويبرز إبداع اليد المحلية. لذلك يلحّ على ذكر تفاصيل معمارية بعينها، مثل حجر دار شعبان، ونقش الخشب، والحديد المطروق، واللمسات الزخرفية التقليدية. هذا الإصرار لا يخلو من دلالة سياسية وثقافية، إذ يعكس وعياً عميقاً بسيميولوجيا العمارة ودورها في تشكيل الهوية. فالعمارة، في هذا السياق، تتحوّل إلى أداة مقاومة ثقافية في مواجهة خطر الفرنسة وطمس الخصوصية الوطنية، وتصبح وسيلة لإعادة الاعتبار للتراث ضمن مشروع حداثي تونسي خاص.

ولا يكتفي بورقيبة بالبعد الرمزي والجمالي، بل ينتقل إلى تبرير بناء القصر من زاوية عملية تتعلّق بالبروتوكول والأمن. فهو يرى أن الدولة المستقلة لا يمكن أن تستقبل رؤساء الدول والملوك في فضاءات لا تليق بمكانتها، ويقارن تونس بدول الجوار التي تمتلك قصوراً رئاسية أو ملكية تليق بهيبة الحكم. هذه المقارنة الإقليمية والدولية تهدف إلى ترسيخ فكرة الندية، ورفض وضع تونس في موقع الدولة القاصرة أو الهامشية على الساحة الدولية.

أما من الناحية الأمنية، فيطرح بورقيبة مسألة تنقّل رئيس الدولة اليومي بين مقر السكن والعمل، مع ما يرافق ذلك من مخاطر ناجمة عن انتظام المواعيد وتوقّع المسارات. في هذا السياق، يصبح القصر الجمهوري المتكامل، الذي يجمع بين السكن والعمل والاستقبال، ضرورة أمنية لا غنى عنها، خاصة في ظل محاولات الانقلاب والمؤامرات التي عرفتها البلاد في تلك الفترة. بهذا المعنى، لا يُقدَّم القصر كرمز فحسب، بل كأداة لضمان استقرار الدولة وحماية رأسها.

غير أن الخطاب يبلغ ذروته حين ينتقل بورقيبة إلى الرد على خصومه، وخاصة التيارات اليسارية والشيوعية، التي اتهمت الدولة بالتبذير والعيش في البذخ على حساب الشعب الفقير. هنا يعتمد استراتيجية خطابية تقوم على الموازنة بين الرمزي والاجتماعي، إذ يضع كلفة القصر في مقابل ما حققته الدولة من إنجازات ملموسة: عشرات الآلاف من المساكن الشعبية، والسدود، والمدارس، والمستشفيات، واستصلاح الأراضي. ويستحضر مثال سليانة ليؤكد أن التنمية لم تقتصر على العاصمة، وأن تعميم التعليم بلغ حتى المناطق الداخلية.

في هذا السياق، يتّضح أن القصر لم يكن في نظر بورقيبة نقيضاً للعدالة الاجتماعية، بل مكمّلاً لها ضمن رؤية شاملة لبناء الدولة. فهو يرفض الخطاب الشعبوي الذي يختزل السياسة في ثنائية القصر والفقر، ويؤكد أن الدولة القوية تحتاج في آن واحد إلى رموز سيادية راسخة وإلى سياسات اجتماعية واسعة. هذا الطرح يعكس فهماً للدولة بوصفها مشروعاً متكاملاً، لا يمكن تجزئته إلى عناصر معزولة.

أما على المستوى الأسلوبي، فيتميّز الخطاب البورقيبي بمزج لافت بين اللغة الفصحى والدارجة التونسية، وبين النبرة العقلانية والحدة الهجومية. هذا الأسلوب، الذي قد يبدو متناقضاً في الظاهر، يندرج في إطار خطابة بيداغوجية تهدف إلى مخاطبة شرائح مختلفة من المجتمع، وفي الوقت ذاته إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن الخصوم عبر تصويرهم كناشرين للأحقاد والسموم. فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة تعبير، بل أداة سياسية تُستخدم لتشكيل الوعي وتوجيهه.

إن بناء قصر قرطاج، كما يتجلّى في هذا الخطاب، لم يكن مجرد مشروع معماري، بل كان جزءاً من معركة رمزية خاضها بورقيبة لتثبيت أركان الدولة الوطنية في مواجهة خصومه، سواء من اليوسفيين الذين شككوا في خياراته الهوياتية، أو من اليساريين الذين طعنوا في أولوياته الاجتماعية. لقد أراد للقصر أن يكون بيان سيادة، وعلامة على القطيعة مع الاستعمار، ودليلاً على قدرة الدولة التونسية على إنتاج حداثتها الخاصة.

وفي الخلاصة، يكشف خطاب بورقيبة حول قصر قرطاج عن تصور عميق للدولة باعتبارها كياناً رمزياً بقدر ما هي جهاز إداري. فالعمارة، في هذا التصور، ليست حجراً ودهاناً، بل لغة سياسية تعبّر عن السيادة والهوية والكرامة. ورغم ما يمكن أن يُوجَّه إلى هذا الخيار من نقد تاريخي وسياسي، فإن الخطاب يظل شاهداً مركزياً على مرحلة تأسيسية في تاريخ تونس المعاصر، حيث تداخلت العمارة بالسياسة، والزهد الشخصي بعظمة الدولة، في مسار واحد عنوانه بناء الأمة وصناعة الدولة الوطنية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الطاهر لسود بين صمت الوثائق وحدس التاريخ:

حروب الزعامة الخفية: كيف شكّلت الصراعات الزعامية تاريخ تونس غير المعلن؟

"إذا لم تكن تونس موجودة، لكان علينا اختراعها"!!