عبث الذاكرة
عواصف خفية لا تهدأ، ترمي بك وسط أمواج الماضي، تغرقك دون أن تقتلك، تعود بك إلى قاع الزمن السحيق. تودّ لو أن هذه العواصف ترمي بك إلى الشاطئ حيث الهدوء والسكينة، لكنها لا تسمع نداءك واستصراخك. الذكريات مبعثرة ومشوشة، تزورك دون موعد، وتدخل بيتك دون استئذان. تعود إلى الواقع وتنسى، لكنها تعود لتظهر في الأحلام، تعبث بصورك الفائتة وتشكلها كما تشاء هي، لا كما تشاء أنت. ليس للإنسان سلطة على الذاكرة، فهي أشبه بذات مستقلة تسكن داخله، كجني عنيد، أو كابوس، أو ناقوس خطر. تثيرك أحيانًا وتفتنك، لكنها غالبًا ما تزعجك وتؤرقك. تأتيك في المنام على هيئة أحلام وكوابيس، أما في اليقظة، فهي أمينة لكنها تختار ما تسترجعه من ملفات الزمان والمكان. تُستثار بكلمة، أو أغنية، أو حدث مشابه. النسيان عدوها، لكن كيف نستدعي النسيان؟ يتمنى الإنسان العودة إلى لحظات الماضي الجميلة، لكن الذاكرة لا تسعفه دائمًا. أما الماضي الحزين، فهي تختاره وتستحضره في غفلة منا، دون إرادة أو وعي. هل يمكننا أن ننسى إذا أردنا النسيان؟ أم أن النسيان داء لا يصيب إلا المرضى والشيوخ؟ لا، النسيان ليس حلًا. علينا أن نواجه الذاكرة ونكون أقوياء أما...