عواصف خفية لا تهدأ، ترمي بك وسط أمواج الماضي، تغرقك دون أن تقتلك، تعود بك إلى قاع الزمن السحيق. تودّ لو أن هذه العواصف ترمي بك إلى الشاطئ حيث الهدوء والسكينة، لكنها لا تسمع نداءك واستصراخك.
الذكريات مبعثرة ومشوشة، تزورك دون موعد، وتدخل بيتك دون استئذان. تعود إلى الواقع وتنسى، لكنها تعود لتظهر في الأحلام، تعبث بصورك الفائتة وتشكلها كما تشاء هي، لا كما تشاء أنت.
ليس للإنسان سلطة على الذاكرة، فهي أشبه بذات مستقلة تسكن داخله، كجني عنيد، أو كابوس، أو ناقوس خطر. تثيرك أحيانًا وتفتنك، لكنها غالبًا ما تزعجك وتؤرقك. تأتيك في المنام على هيئة أحلام وكوابيس، أما في اليقظة، فهي أمينة لكنها تختار ما تسترجعه من ملفات الزمان والمكان. تُستثار بكلمة، أو أغنية، أو حدث مشابه.
النسيان عدوها، لكن كيف نستدعي النسيان؟ يتمنى الإنسان العودة إلى لحظات الماضي الجميلة، لكن الذاكرة لا تسعفه دائمًا. أما الماضي الحزين، فهي تختاره وتستحضره في غفلة منا، دون إرادة أو وعي.
هل يمكننا أن ننسى إذا أردنا النسيان؟ أم أن النسيان داء لا يصيب إلا المرضى والشيوخ؟ لا، النسيان ليس حلًا. علينا أن نواجه الذاكرة ونكون أقوياء أمام الماضي الذي نعتقد أنه قد مضى ولن يعود. الحقيقة أن كل شيء مخزّن، والذاكرة سر عظيم، تملك القدرة على التمويه وتزييف الواقع إما بالتشويه أو التجميل، ولا يحدث ذلك إلا في المنام، حين نظن أن الروح تذهب إلى عالم العجائب. لكن الحقيقة أن الذاكرة هي التي تعبث وتلهو، وتستجيب أحيانًا لرغباتنا وحالاتنا النفسية المتقلبة.
ينصحك البعض بالنسيان، لكنه خطأ، فالنسيان ليس بأيدينا. علينا أن نواجه صور الماضي التي لا تعود إلا من خلال تلك الصور الذهنية. لكن هل يمكننا حذف هذه الصور كما نفعل في هاتفنا الجوال؟ أمر مستحيل، ولا أظن أن العلم سيصل يومًا إلى مستوى يمكّنه من محو هذه الصور الذهنية من ذاكرتنا.
أتساءل أحيانًا: هل كل صور الماضي مستقرة في ذاكرتنا؟ وهل لذاكرتنا طاقة استيعاب كما هو الحال في الحاسوب؟ أم أن الذاكرة تختار أحداثًا معينة وتخزنها؟ ما هي المقاييس التي تعتمدها ذاكرتنا في اختيار ما تخزنه؟ وهل يمكن للعلم استخراج كل صور الذاكرة، لينقلها الإنسان إلى جهاز؟ في هذه الحالة، ستُكشَف الأسرار وتُحَل الجرائم، وستصبح تكنولوجيا الذاكرة أداة للمحققين. لكن ماذا لو تمكّن الآخرون من الوصول إلى صور ذاكرتك ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي؟
وماذا لو استطاع العلم يومًا محو صور الذاكرة واستبدالها بصور شخص آخر؟ حينها، ستتغير هويتك حتمًا. لا شك أن ذلك سيؤدي إلى اضطراب بين الواقع والصورة المخزنة في عقلك، وستشعر أنك لست أنت... وقد يُفقدك ذلك عقلك.
لا أعتقد أن العلم سيجرؤ يومًا على كشف خبايا الذاكرة، فالإنسان بطبعه عدو الحقيقة، ولا يرغب في ظهورها. نحن نعيش في عالم مزيف. ولو تجرأ شخص ما على كشف ماضيه أو جزء منه، لاعتُبر من المجانين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق