بعد الإمضاء على الإتفاقيات، انقسمت الحركة الوطنية التونسية إلى تيارين متناحرين، أحدهما بقيادة الحبيب بورقيبة والآخر بقيادة صالح بن يوسف. لم يقتصر الخلاف على الرؤى السياسية، بل تطور إلى صراع وجودي عنيف. يهدف هذا المقال إلى استقصاء الأهداف الحقيقية وراء تسلح المعارضة اليوسفية. فهل كان هذا التحول النوعي في طبيعة الصراع مدفوعاً بالدفاع عن النفس في وجه القمع، أم أنه كان خياراً استراتيجياً يهدف إلى القضاء على الخصم البورقيبي الذي كان يرفض الحوار السّياسي السّلمي؟
1) خطاب بورقيبة ومواجهة توقعات الحرب
لقد كان الحبيب بورقيبة يتوقّع حرباً مع اليوسفيين، وذلك بعد تكوين هيكل جيش التحرير التّونسي. وما زيارته للجنوب التونسي المساند في أغلبيته للتيّار اليوسفي، إلاّ سعياً منه للتحذير من الحرب وجلب أكثر ما يمكن من الأنصار من أجل المواجهة المنتظرة. وقد وصف القائد محمّد بن النيفر المهذبي هذه الزّيارة في مقاله الذي نشره في جريدة البلاغ الجديد قائلاً: "الحبيب بورقيبة الذي ذهب إلى الجنوب فأراد الضّرب على الوتر الحسّاس وحاول أن يلعب بالألفاظ". والمقصود بالوتر الحسّاس هنا هو التخويف من الحرب والفتنة وتخوين المعارضين اليوسفيين. أمّا اللّعب بالألفاظ، فهي إشارة إلى ما يتميّز به الحبيب بورقيبة من قدرات خطابية باهرة، وذلك من صفات الزّعيم الكاريزماتي.
لقد حذّر الحبيب بورقيبة خلال زيارته لقفصة الجماهير الحاضرة من الحرب قائلاً: "يجب على هذه الأمّة أن تقدّر قيمة الحرب وأهوالها وما فيها من زهق أرواح ونهب أموال وتخريب منازل...". وقد علّق القائد محمد بن النيفر المهذبي على ذلك قائلاً: "ولكن لو تفطّن هذا الزعيم المتحيز ودرس بينه وبين نفسه أقواله التي يقولها عن غير روية وأمعن فيها النظر ملياً لعضّ على إصبع الندم عندما يجد أرواح الشهداء الأوفياء ودمائهم التي ذهبت هدراً ضحيّة هذه الإتفاقيات التي يتعصب لها السيد الحبيب بورقيبة، والتي أصبح تعصّبه لها خطراً يهدّد هذه الأمة بفتنة عمادها جماعته الخونة". يمكن أن نفهم من كلام القائد محمّد بن النيفر، أنّ الحبيب بورقيبة وجماعته الذين يصفهم بالخونة، هم المتسبّبون في هذه "الفتنة" أو الحرب المنتظرة، وذلك بسبب "تعصّب" الحبيب بورقيبة للإتّفاقيات. ومفردة "تعصّب" التي وُصف بها الحبيب بورقيبة تحيل إلى معاني التشدّد والتمسّك بالرّأي المؤدّي لا محالة إلى نفي الآراء المخالفة وإلى الإقصاء.
يضيف القائد محمّد بن النيفر في نفس المقال واصفاً خطاب الحبيب بورقيبة في قفصة قائلاً: "إنّي لا أدري هل هذا جنون أم غدر أم خيانة لأنّنا بالأمس كنّا نحارب العدو المستعمر، أمّا اليوم فقد أصبح زعماؤنا هم الذين يحاربوننا". ونلاحظ هنا حيرة واضحة عبّر عنها محمّد بن النّيفر المهذبي، ومصدرها هو هذا الانقسام الذي أوصل الدّستوريين إلى محاربة بعضهم بعضاً، بعد أن كانوا يقاومون عدوّاً واحداً، ممّا جعل هذا القائد يشكّ في قدرات الحبيب بورقيبة العقلية متّهماً إيّاه بالجنون، وشاكّاً في إخلاصه الوطني فوصفه بالغدر والخيانة. وهي في الحقيقة اتّهامات قد تبادلها البورقيبيون واليوسفيون على السّواء خلال مرحلة الصّراع العلني. كما يمكن أن نفهم أيضاً من كلام محمّد بن النيفر الأخير أنّ اليوسفيين قد أُجبروا على هذه الحرب، وأنّ البورقيبيين هم الذين يحاربونهم. فهل أُجبر اليوسفيون على الحرب أم أنّ ذلك يندرج ضمن الخيارات الإستراتيجية لصالح بن يوسف من أجل إلحاق الهزيمة بالخصم البورقيبي؟
2) فشل المساعي السياسية والقمع المتصاعد
لقد سعى صالح بن يوسف إلى نسف الخيارات البورقيبية، وذلك اعتماداً في مرحلة أولى على وسائل سياسية بحتة. وقد أشرنا إلى أنّ صالح بن يوسف كانت له النيّة في حضور مؤتمر 15 نوفمبر 1955، وقد عبّر عن ذلك في تصريحه لجريدة لابراس. إلاّ أنّ الحبيب بورقيبة كان حاسماً في هذه المسألة، وقد قام في خطوة أولى بفصل الزّعيم صالح بن يوسف من الحزب وتجريده من مهام الأمانة العامّة. إضافة إلى التّضييقات التي فرضها على صالح بن يوسف من أجل منعه من التعبير بكلّ حرّية عن آرائه، وذلك من خلال محاولة إفساد التجمّعات الشّعبية التي يقيمها صالح بن يوسف لنشر دعايته. ثمّ عمل الحبيب بورقيبة على إقصاء اليوسفيين من مؤتمر الحزب، وذلك من خلال تعمّد اختيار الأعضاء المشاركين في المؤتمر دون اللّجوء إلى مبدأ الإنتخاب وفقاً لما يقتضيه قانون الحزب.
كما أنّ صالح بن يوسف قد مُنع من عقد مؤتمر في 18 جانفي 1956. وقد سُئل صالح بن يوسف عن المبرّرات القانونية لرفض عقد المؤتمر فأجاب: "لقد قيل لي هذا المؤتمر أي هذا مؤتمر حزب عُقِدَ بعد مؤتمره، وأنّ التصريح بعقد المؤتمر المطلوب لا يمكن حسب رأي السيد وزير الداخلية. أمّا الأعذار التي اختلقوها فهي أعذار واهية، فهم يريدون تغطية الدّوافع الحقيقية التي تتمثّل في خوفهم على سيطرة الحزب بشكل يجعل المدافعين عن الوضع الحالي مجرّدين من كلّ تأييد شعبي وخاصّة ونحن اليوم نتمتّع بثقة 747 شعبة موجّهة في جميع أنحاء المملكة". بيّن لنا صالح بن يوسف في هذا التصريح السّبب الحقيقي لمنعه من عقد المؤتمر، والمتمثّل أساساً في خوف الديوان السّياسي من سيطرة المعارضة اليوسفية على الحزب، ممّا قد يجرّد البورقيبيين من كلّ سند شعبي. وقد ذكر صالح بن يوسف أنّه توجد 747 شعبة دستورية، وهو رقم كبير إن صحّت المعلومة المقدّمة.
لقد سأل مراسل جريدة البلاغ الجديد صالح بن يوسف عن دواعي التعجيل في اتّخاذ عقد المؤتمر فأجاب: "إنّ الحالة السياسية الرّاهنة هي التي دعت الأمانة العامة للحزب الحر الدستوري التونسي كي تعجّل بعقد مؤتمر الحزب الذي وعدت به يوم 30 أكتوبر 1955، وهو يوم افتتاح نادي الأمانة العامّة للحزب، وذلك لأنّ كافة الدستوريين والشّعب والجامعات الدستورية أصبحت رغبتهم متأكّدة لتقرير الموقف النهائي تجاه الحالة السياسية الرّاهنة... خصوصاً والبلاد قد غمرتها موجة من القلاقل والاضطرابات وعمّ فيها الإرهاب والعنف والتّقتيل وخنق الحرّيات ومضايقة الدّستوريين، كلّ هذا حدا بكافة الدّستوريين إلى وجوب تحديد مواقفهم تجاه هذا الجوّ الخانق الذي لا تبرّره الأعذار". لقد ألمحت جريدة البلاغ أنّ "جواب الحكومة الحالية عن الإعلام الذي اتّصلت به والقاضي بعزم الأمانة العامّة للحزب الحر الدستوري التونسي بعقد مؤتمرها القومي جواباً تشمّ منه رائحة الحرب. والحرب هي التي من شأنها أن تحسم الأمور بشكل نهائي وصارم بعد فشل الحلول السياسية.
لقد أصدر صالح بن يوسف بياناً على خلفيّة منعه من عقد المؤتمر. وقد انتقد صالح بن يوسف في بيانه السّياسة المتّبعة من طرف الحكومة قائلاً: "لم نكن ننتظر من الحكومة غير الموقف، حيث أنه يعبر عن سياستها سياسة التعسف والإبادة التي لم تسلك غيرها إزاء الشعب التونسي منذ أسابيع". وقد كان صالح بن يوسف يتوقّع بأنّ حكومة بن عمّار الخاضعة لإرادة الزّعيم الحبيب بورقيبة سوف لن تسمح له بعقد المؤتمر. وقد اتّهم صالح بن يوسف في بيانه الحكومة ليس بالتعسّف فقط بل أيضاً بالإبادة، وهو مصطلح خطير في القانون الدّولي يُفقد كلّ حكومة تقوم بإبادة شعبها شرعيّة وجودها. فهل قامت حكومة بن عمّار فعلاً بإبادة اليوسفيين أم أنّ هذا الوصف مبالغ فيه؟ لقد كشف صالح بن يوسف بعض الممارسات التعسّفية للحكومة "الممتثلة امتثالاً سافراً لأوامر نوّاب الديوان السياسي المنحل"، فهي تملأ السجون بالدستوريين وتفرّق بالحديد والنار اجتماعات اليوسفيين. كما أنّ "أتباع الديوان السياسي المنحل تهدم وتحرق نوادي الشعب والجامعات الدستورية" دون أن تحرّك السلط المحلّية ساكناً.
3) التحول إلى السلاح: بين الضرورة والاستراتيجية
إنّ هذه الممارسات العنيفة التي اعتمدتها حكومة الطاهر بن عمّار الخاضعة لتوجيهات الحبيب بورقيبة والديوان السياسي، من شأنها أن تدفع اليوسفيين لردّ الفعل والدّفاع عن أنفسهم. لذلك يمكن القول أنّ خيار الحرب الذي اتّخذه صالح بن يوسف كان ضرورة، ولا أظنّ أنّه كان مخطّطاً له من قبل، باعتبار أنّ هذا الزّعيم كان يحبّذ الحلول السلمية على خيار الحرب والمواجهة. وقد رأينا أنّ صالح بن يوسف كان يرفض المواجهة المباشرة مع سلطات الحماية في فترة غياب الحبيب بورقيبة. وقد اعتمد في السّابق استراتيجية ترتكز على الحوار مع المقيم العام "جون مونص"، رافضاً كلّ ما من شأنه أن يثير الاضطراب على سياسته المقرّرة. وقد نجح في مؤتمر دار سليم في اعتماد هذه السياسة السلمية أو "الحرب الباردة" كما أشار إليها المنجي سليم، الذي تولّى وزارة الدّاخلية ولعب دوراً في قمع اليوسفيين ومنعهم من عقد مؤتمرهم.
في آخر هذا البيان حمّل صالح بن يوسف الحبيب بورقيبة المسؤوليّة، نظراً لأنّ الحكومة تأتمر بأوامره، ومتّهماً إيّاه بالقتل وسفك الدماء، وذلك من أجل القضاء على الحركة اليوسفية، وواصفاً إيّاه بالدكتاتورية والفاشية. وقد دعا صالح بن يوسف في بيانه بشكل ضمني وغير مباشر الشعب إلى القضاء على هذه الدكتاتورية والفاشية.
يمكن الاستنتاج من خلال هذا البيان أنّ تسلّح المعارضة اليوسفية كان ضرورة من أجل الدفاع عن النفس وتحرير اليوسفيين الذين اعتقلوا بسبب التعبير عن آرائهم. كما أنّ تسلّحها كان أيضاً من أجل القضاء على الخصم البورقيبي الذي اتّصف بالقمع ورضي باتفاقيات تحول -حسب صالح بن يوسف- دون الوصول إلى الاستقلال والسيادة الكاملة.
إنّ صالح بن يوسف كان مستعدّاً لخيار التسلّح من خلال مفاهماته مع النّظام المصري منذ بداية المفاوضات. وقد عبّر له جمال عبد النّاصر عن "التزام مصر بمدّ يد المساعدة في كلّ آن". ويبدو أنّ خيار المقاومة المسلّحة للإتّفاقيّات كان وارداً قبل عودة صالح بن يوسف إلى أرض الوطن في 13 سبتمبر 1955، وذلك في صورة فشل المساعي السّياسيّة.
4) الأهداف النهائية للمقاومة المسلحة
بعد يأس صالح بن يوسف من أي حل سياسي ممكن واشتداد الضّغوط عليه، اضطرّ إلى مغادرة البلاد خلسة في أواخر جانفي 1956 في اتّجاه ليبيا، ومنها سوف تنطلق المقاومة المسلّحة للنّظام البورقيبي. وفي مراسلة له إلى قيادته بالدّاخل بتاريخ 17 سبتمبر 1956، أعلن صالح بن يوسف أنّ الثّورة التي يقودها هي "من أجل الاستقلال وجلاء الجيوش الفرنسيّة وفصل البلاد التّونسيّة عن حضيرة فرنسا وتحطيم النّظام البورقيبي القائم لأنّه نظام ثبت عداوته للدّين والوطن والشّعب". ممّا يعني أنّ هذه الثّورة سوف تستمرّ حتّى في حالة حصول البلاد التّونسية على استقلالها، وطالما أنّ النّظام البورقيبي لا يزال قائماً.
خاتمة
يمكن الاستنتاج أن الصراع بين صالح بن يوسف والحبيب بورقيبة كان في جوهره صراعاً على السلطة، لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر حول الاتفاقيات. فبينما كان القمع البورقيبي يمثل السبب المباشر الذي دفع اليوسفيين إلى خيار التسلح، إلا أن هذا الخيار لم يكن وليد اللحظة. لقد كان جزءاً من استراتيجية أوسع ومُعدَّة مسبقاً، حيث كان صالح بن يوسف يملك وعوداً بالدعم من النظام المصري في حال فشلت المساعي السياسية. وقد أكدت مراسلته إلى قيادته في الداخل أن الهدف النهائي من الثورة لم يكن فقط تحقيق الاستقلال الكامل، بل كان أيضاً "تحطيم النظام البورقيبي القائم"، مما يشير بوضوح إلى أن المقاومة المسلحة كانت وسيلة لإسقاط الخصم والوصول إلى السلطة. وهكذا، فإن تسلح المعارضة اليوسفية لم يكن فقط عملاً دفاعياً، بل كان تتويجاً لصراع وجودي لم يتم حسمه إلا عبر القوة، مما أثبت أن دوافع الحركة كانت مزيجاً معقداً من الدفاع عن الذات والسعي لتحقيق أهداف استراتيجية.
الملاحظات
محمد بن النيفر المهذبي: هو أحد قادة المقاومة التونسية وأحد المنخرطين في حركة جيش التحرير التونسي.
الأستاذ عميرة عليّة الصغيّر: في كتابه "اليوسفيّون و تحرّر المغرب العربي"، قدم أدلة حول تسلّح المعارضة اليوسفية قبل عودة صالح بن يوسف.
كتابة الدولة للشؤون الخارجية: قامت بوضع "كتاب أبيض في الخلاف بين الجمهورية التونسية و الجمهورية العربية المتحدة"
المصادر والمراجع
الجرائد: * جريدة البلاغ: مصر تلتزم لتونس بمد يد المساعدة في كل آن بذلك التزم البكباشي جمال عبد الناصر للزعيم التونسي الكبير صالح بن يوسف، 8 سبتمبر 1954. * البلاغ لجديد: القائد محمد النيفر يعلق على خطاب السيد الحبيب بورقيبة بالجنوب التونسي، العدد 19، 24 جانفي 1956 . * جريدة البلاغ الجديد: 13 جانفي 1956، العدد 9.
الكتب: * عليّة الصغيّر (عميرة): اليوسفيّون و تحرّر المغرب العربي، م.م، صص.101،100. * الصغير (عميرة علية، اليوسفيّون و معارك الجنوب، ص.97. * كتابة الدولة للشؤون الخارجية: كتاب أبيض في الخلاف بين الجمهورية التونسية و الجمهورية العربية المتحدة... ص.69.

.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق