الصور الفوتوغرافية تضيف إلى التاريخ بعدًا جديدًا في الفهم، إذ تزيح ظلال الغموض وتفتح آفاقًا للتأويل، رغم ما يغلب عليها من طابع ذاتي وانطباع شخصي. فهي من جهة تثري قراءة المؤرخ للأحداث، لكنها في الآن نفسه تشككه في معارفه التي يعدّها يقينية. فالمؤرخ يتسلح بوثائقه المكتوبة أو الشفوية، معتقدًا أن علمه بالأحداث لا يقبل النقاش، لتأتي الصورة وتعيد خلط الأوراق وتنزع عنه ذلك اليقين، موجهة إليه رسالة مفادها: أعد القراءة وتثبت، فما قرأته لم يكن كافيًا.
ذلك ما حدث لي أمام هذه الصورة التي سألت بشأنها أستاذي لطفي الشايبي، فأخبرني بأنها التقطت في نوفمبر 1949 قبيل الجولة الدعائية التي قام بها الحبيب بورقيبة. غير أنه لم يحدد لي المكان، وقد رجحت أنه أحد مقاهي الأسواق القريبة من جامع حمودة باشا الذي كان يؤمه الشيخ محمد الهادي بلقاضي، أحد شيوخ الحنفية، علما أن هذا المذهب كان معتمدًا لدى العائلة الحسينية ذات الأصول العثمانية. ومع ذلك فقد ساورني شك في الزمان، إذ تبدو ملابس الحاضرين صيفية ، مما يجعل شهر سبتمبر أو أكتوبر تاريخًا أكثر احتمالًا، خاصة أن بورقيبة عاد من رحلته المشرقية يوم 8 سبتمبر. وأنا شبه متيقن بأن السنة هي سنة 1949. فما الذي يمكن أن تضيفه هذه الصورة للتاريخ؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى سياقها العام. فقد جاءت الصورة في أعقاب عودة الحبيب بورقيبة من المشرق بعد أكثر من أربع سنوات قضاها في التعريف بالقضية التونسية، وفي الهروب من تضييقات سلطات الحماية الفرنسية التي شنّت بعد الحرب العالمية الثانية حملة انتقامية غير مبررة ضد بعض القيادات الدستورية متهمة إياها بالتعاطف مع قوات المحور. وبصفته رئيس الحزب، اضطر بورقيبة إلى الاختفاء ومغادرة البلاد. وعندما عاد، كان الحزب قد تغيّر ميزان قيادته؛ إذ بسط صالح بن يوسف سيطرته على دواليبه عقب مؤتمر دار سليم المنعقد في أكتوبر 1948. وقد راجت آنذاك أخبار مؤكدة أو مشكوك فيها عن نية بن يوسف إقصاء بورقيبة من قيادة الحزب، بل ورفضه عودته. هذا التوتر انعكس على الصورة حيث يبدو صالح بن يوسف واجمًا ومثقلًا بالهموم، على عكس بورقيبة الذي يظهر أكثر انفتاحًا واندفاعًا.
أما من حيث المكان، فيبدو أن الصورة التُقطت داخل غرفة ضيقة أو مقصورة في أحد المقاهي التقليدية بالمدينة العتيقة، حيث يظهر جمهور متزاحم خلف الباب والشباك، يتابع بنظرات إعجاب جلسة هؤلاء الزعماء الذين تتناقل الصحف أخبارهم. ورغم صغر المكان، لم يتأثر الحاضرون بضيق المساحة، بل خلق ذلك حميمية خاصة بينهم، باستثناء الباهي الأدغم الذي كان منشغلًا بقراءة صحيفة، وصالح بن يوسف الذي بدا غارقًا في أفكاره.
الجمهور المزدحم عند الباب والشباك أضفى على الصورة قيمة إضافية، تمامًا كما يضفي جمهور الملاعب حيوية على المباريات. كان هؤلاء الناس يتابعون بفضول الزعماء النجوم: بورقيبة، بن يوسف، وفرحات حشاد النقابي المحبوب في الأوساط العمالية. ومع ذلك لم يتجاوزوا العتبات، وكأنهم يراقبون من بعيد لقاءً وديًا يحمل في طياته صراعًا خفيًا بين زعيمين كبيرين.
الباهي الأدغم يجلس في الخلف بين فرحات حشاد والشيخ محمد الهادي بلقاضي، مطأطئ الرأس أو غارقًا في القراءة، غير مكترث بما يدور حوله ولا حتى بالجمهور خلفه. وهو أصغر من بورقيبة بعشر سنوات، ومن جيل فرحات حشاد الذي يكبره بعام واحد فقط. وهكذا يمكن تصنيف الحاضرين إلى جيلين: جيل بورقيبة (1903)، بلقاضي (1905)، وبن يوسف (1907)، وجيل الأدغم (1913) وحشاد (1914).
أما فرحات حشاد، فكان متواضعًا في هيئته وملبسه وجلوسه، لكنه بدا أكثر انتباهًا، يوجه اهتمامه نحو بن يوسف أكثر من بورقيبة أو بلقاضي، وكأنه واعٍ بعمق الصراع بين الزعيمين. وتوحي ملامحه بمزيج من الثقة والأمل، مشوب بالحيرة من مآلات الانقسام الحزبي الذي يهدد مستقبل الحركة النقابية والعمالية.
الشيخ محمد الهادي بلقاضي، المولود سنة 1905 والمتخرج من جامع الزيتونة على يد كبار علمائه وفي مقدمتهم محمد الطاهر بن عاشور، تكرّس في الفقه الحنفي والتدريس الزيتوني، وكان من مؤسسي المجلة الزيتونية سنة 1936. وقد رسخ بحلول 1949 كأحد أبرز علماء الزيتونة. في الصورة، بدا مرتديًا زيه التقليدي، متوجها بحديثه إلى بورقيبة، في حوار مباشر بين رجل السياسة ورجل الدين، بينما جلس بينهما بن يوسف صامتًا، وكأنه يتعمد الابتعاد عن الحديث.
صالح بن يوسف لفت الانتباه بارتدائه الجبة التقليدية التونسية، المشابهة لزي بلقاضي، ما يوحي بأن اللقاء لم يكن عابرًا بل مبرمجًا، وربما أعقب صلاة الجمعة في جامع حمودة باشا. كما ارتدى نظارات شمسية داخل القاعة، ما زاد في غموض صورته وهو غارق في تفكير مشوب بالقلق. تشير شواهد المرحلة إلى أنه كان مستاء من عودة بورقيبة، التي كانت مقدمة لجولة دعائية يعيد عبرها فرض زعامته.
أما الحبيب بورقيبة، فقد بدا سعيدًا بعودته، رغم أن سلطات الحماية سمحت له بذلك في إطار لعبة سياسية لإشعال التنافس الداخلي. ورغم عدم ميله إلى رجال الدين التقليديين، فإنه بدا منفتحًا في حديثه مع بلقاضي، مظهرًا ما تقتضيه السياسة من براغماتية وتكتيك. كانت علامات الرضا واضحة على وجهه، في مقابل مظاهر القلق التي ارتسمت على محيّا بن يوسف. ويبدو أن بورقيبة، بذكائه السياسي، كان يرسم خطته لسحب البساط من غريمه، مبتدئًا بتحالف رمزي مع أحد رموز الزيتونة الذين كان بن يوسف يعوّل على دعمهم.
هكذا تكشف الصورة، رغم صمتها، عن رموز وإيحاءات كثيرة لا توفرها الوثائق المكتوبة. فهي تبرز أن التاريخ ليس علمًا جامدًا، بل مجال حيّ يتقاطع فيه السياسي بالاجتماعي، والديني بالثقافي، وتدخل فيه المشاعر الإنسانية بقدر ما تدخل الاستراتيجيات السياسية. إنها صورة تختزل لحظة دقيقة من تاريخ تونس، لحظة يلتقي فيها المجاهد الأكبر والزعيم الكبير، في مشهد يوحي بصراع خفي سيطبع مسار الحركة الوطنية لعقود تالية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق