الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

اعترافات عميقة مع الأستاذ لطفي عيسى

 


الصدفة أو الأقدار، كما يحلو لي أن أسميها، جعلتني أتابع الحلقة كاملة ليلة المولد النبوي الشريف، وخُيِّلَ إليَّ أنني في القيروان وأنا أستمع إلى أحد رجالاتها الأفذاذ وأساتذتها المرموقين. وقد يكون بداخلي أسف عميق على أني لم أحظ بشرف التعلم على يد الأستاذ لطفي عيسى. وقد تأكد في خاطري لزوم كتابة هذا المقال عن أستاذنا، لأخبره - سواء كان مهتمًا بذلك أم لا- بالأشياء التي تلتقي فيها ذواتنا المعرفية أو تختلف، رغم فارق السن الذي بيننا، وهو غير كبير وغير مهم أيضًا.

في هذه الحصة الملهمة، التي أثثتها الشابة المتألقة نوال بيزيد على قناتها "Deep Confessions" أي اعترافات عميقة، ورغم أهمية الحصص التي تقوم بها الأستاذة نوال، إلا أني أعتقد أن الاعترافات العميقة لا يمكن أن تحدث إلا بين الإنسان وذاته أو بينه وبين ربه فقط. أما مع الآخرين، فلا تحدث إلا نادرًا في التاريخ الإنساني، في الثقافة المسيحية خاصة، و نجد ذلك في كتاب "اعترافاتي" لسان أوغسطين أو كتاب "الاعترافات" لجان جاك روسو. 

ولا أتوقع أبدًا اعترافات عميقة يمكن أن  تصدر عن أي شخصية من الشخصيات العربية مهما علا شأنها. وإن حدثت الاعترافات فهي إما أن تكون جزئية أو محمية بجيش من الرموز والألفاظ الملغزة، وهو ما يميز الذات العربية أو الشرقية عن الذات الغربية بشكل عام. ولا أرى في ذلك عيبًا؛ لأن من حق أي إنسان الاحتفاظ بمكنون ذاته. والإكثار من الإفصاح وتجريد الذات وكشف الخصوصية لا أعدُّه من فضائل الذات البشرية. هذه فقط ملاحظة حول عنوان البودكاست. ولا أقصد بذلك طبعًا كتاب "انعكاس الظل" للأستاذ لطفي الذي لم أطلع عليه بعد إلى الآن ولم أجده حقيقة هنا في المكتبات. وأنا متعطش لقراءته ومراجعته، رغم أن الكلام على الكلام صعب كما قال ابن رشيق القيرواني.



لقد تحدث أستاذنا عن ذاته ومسيرته بتواضع، ولا أدل على ذلك هو حديثه باللغة الدارجة ليكون أقرب إلى عامة الناس، أو لتصل أفكاره إليهم بسهولة. لأني أعلم جيدًا بأن لغته العربية هي من جنس لغة المسعدي، بل وتتعداها وتتحدّاها أحيانًا لتقترب من لغة المتعمقين من المتصوفة الذين يفتقدهم عصرنا ويتشوق إليهم. فلغة الأستاذ لطفي هي لغة الأديب المتصوف والفيلسوف المتأمل في الألفاظ والمتلاعب بها أحيانًا. ولكن في برنامج الليلة لم نسمع إلا لهجة دارجة مهذبة كلهجة الزعيم الحبيب بورقيبة أو لهجة عبد العزيز العروي الممتعة والمشوقة.

لقد تحدث أستاذنا عن كل شيء، إلا عن التصوف رغم أني كنت أنتظر أن يتحدث عن تأثره بالمدارس الصوفية؛ لأنه لا يمكن أن يخفي ذلك، حتى وإن فعل فأسلوبه سيكشفه. وربما أراد التحدث ولكنه لم يوجه له سؤال في ذلك.

كنت أتمنى كذلك أن يتحدث بعمق حول أمراض الجامعة التونسية، والمتمثلة خاصة في دخول المتطفلين من الحرفيين وغير المتحصلين على شهادة الدكتوراه من أساتذة التعليم الثانوي. ولا بد من رفع شعار دَكْتَرَة الجامعة التونسية التي لم نجد لها تصنيفًا عالميًا يشرفها.

كما تعرض أستاذنا في حواره إلى الكلية التي درس بها ودرَّس فيها لأكثر من 30 سنة، وعبر عن حبه لهذه المؤسسة رغم أن هندستها المعمارية لا تناسب صيتها. أنا أيضًا لم أكن أتصور بأني سأعشق أيضًا هذه الكلية كل ذلك العشق، و قد كافأت كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية بتونس  عشقي لها بشهادتي الماجستير والدكتوراه بتميز. ورغم هذا العشق فلا أظن بأنه سيجمعني الله بها؛ لأني سأحال على شرف المهنة بعد # سنوات من التعليم الابتدائي. وهذا مؤسف ومؤلم، أن لا يلتقي عاشق بمعشوقته.

أخيرًا، من يريد أن يتعرف بعمق على الأستاذ لطفي عيسى عليه أن يقرأ كتبه مرات ومرات. ولكن يجب أن أؤكد على أهمية النشر الرقمي، وعلى أساتذتنا الكرام الذين نتشوق لقراءة كتبهم، ولكل المبدعين أقول بأن الكتاب الورقي هام بمواصفاته وخصوصياته، ولكن الكتاب الرقمي هو ملجأ الفقراء المتعطشين إلى المعرفة. العالم كله يتجه نحو تيسير نشر المعرفة عبر الرقمنة. فأرجوكم أيها الأساتذة الكرام، المسألة بسيطة وسهلة، والنشر الرقمي يحمي حقوق التأليف. وأنا شخصيًا أصبحت أميل إلى هذا النوع من النشر المفيد والبسيط والسهل. 

ستجمعنا إن شاء الله لقاءات مع كتب الأستاذ المؤرخ لطفي عيسى، لأن ما يكتبه جدير بالمراجعة و التساؤل و الإهتمام، و ربما سنؤثث جلسة حوارية مع مبدعنا- لو تفضل بقبول ذلك- لنستزيد معرفة حول ما كتب و ما سيكتب.


هناك تعليقان (2):

  1. شكرا جزيلا على الاهتمام والتعريف وإبداء الرأي أيضا.

    ردحذف
    الردود
    1. لا شكر على واجب، كنت أتمنى لو أنكم قمتم بالرد و لو في فقرة عن الأفكار الواردة في المقال، ان كانت تستحق الرد طبعا، فأنا لم أنتظر التفاعل بالشكر الذي هو من صميم أخلاقكم الفاضلة، بل كنت أنتظر رأيا يثري النقاش، تحياتي دكتور لطفي.

      حذف