لن نلعب في هذه الورقة دور المحقّق أو القاضي من أجل البحث عن الجاني أو الجناة الذين تسبّبوا في مقتل الزّعيم صالح بن يوسف، لأنّ هذا الدّور يتجاوز مهامّ المؤرّخ، الذي هو مدعوّ في هذا الإطار للبحث عن لأسباب و الدّوافع من وراء هذه الجّريمة السّياسيّة النّكراء.
كما
أنّ البحث عن الجرائم السّياسيّة في أيّ بلد ما هو موكول للعدالة الإنتقاليّة في
حال توفّرها، و ما على المؤرّخ إلاّ لإستفادة من نتائج أحكامها و من المدعّمات
التي وفّرتها من أجل تحديد الجناة و نشر الحقيقة.
إنّ الدّور لذي يقوم به المحقّق المباشر لأيّ جريمة اغتيال يختلف عن
دور المؤرّخ رغم أنّهما يسعيان تقريبا لهدف واحد وهو معرفة الحقيقة التي تهمّ
المحقّق من أجل القبض على الجاني. أمّا المؤرّخ فهو يستثمر النّتائج لتي توصّل
إليها التّحقيق القضائي من أجل كشف "حقيقة" الجريمة كوقائع علاوة على
أسبابها و دوافعها و فاعليها.
و عادة الجّرائم السّياسيّة أو ما يعبّر عنه بجرائم الدّولة تتطلّب
حيّزا زمنيّا من أجل الكشف لا فقط عن مرتكبيها بل و أيضا عمّن يقف وراء جريمة
الإغتيال السّياسي.
و قد قال جاك موريل Jacques Morel
" إنّ مسؤوليّة الآمر و الشّريك تؤخذ بعين الإعتبار أكثر من مسؤوليّة ذلك
الذي يحمل سلاح الجّريمة." و هنا يكمن دور المؤرّخ الذي يتجاوز دور المحقّق
القضائي. و دور المؤرّخ يتمثّل أساسا في الكشف عمّن يقف وراء جريمة الإغتيال
السّياسي، و ذلك من خلال البحث عن الأسباب و الدوافع المؤدّية إليها.
لقد تمّت عمليّة اغتيال صالح بن يوسف يوم 12 أوت 1961 بمدينة
فرانكفورت بألمانيا. و سوف نحاول في هذا العنصر البحث عن أهمّ الأحداث و الملابسات
و الظّروف السّياسيّة الدّوليّة التي حفّت بالصّراع اليوسفي البورقيبي منذ مغادرة
صالح بن يوسف تونس خلسة في أواخر جانفي 1956 إلى حدود اغتياله سنة 1961. فماهي
سياقات و دوافع اغتيال صالح بن يوسف؟
I.سياقات
الإغتيال
سياقات الإغتيال هي الظّروف المحلّية و الدّوليّة السّابقة
للإغتيال أو المحيطة به و التي وفّرت الأرضيّة الملائمة لحدوثه، وهذه السّياقات
متداخلة و متشابكة.
1) السّياق المحلّي: الإغتيالات المتبادلة بين البورقيبيّين و
اليوسفيين
شهدت
تونس خلال الفترة الممتدة من أواخر عام 1955 إلى منتصف عام 1956، موجة من الاغتيالات
السياسية المتبادلة بين أنصار الزعيمين صالح بن يوسف والحبيب بورقيبة.
تعكس هذه الأحداث ذروة الصراع على السلطة والنفوذ في تونس غداة الاستقلال، حيث سعى
كل طرف لفرض رؤيته لمستقبل البلاد.
ضحايا الصراع من الجانبين شملت شخصيات مختلفة، نورد أبرزها:
- من
جانب اليوسفيين:
- محمّد
بن عمّار: اغتيل في 20
نوفمبر 1955.
- علي
بن اسماعيل العيوني:
اغتيل في 22 نوفمبر 1955.
- محمّد
نواورة: اغتيل في 2
ديسمبر 1955.
- عمر
عريفات: اغتيل في 20
ديسمبر 1955.
- المختار
بن عطيّة: اغتيل في 23
ديسمبر 1955.
- الحاج
علي بن خضر: اغتيل في 20
جانفي 1956.
- علي
عبد السّلام بن خليفة:
اغتيل في 25 جانفي 1956.
- من
جانب البورقيبيين:
- حبيب
الدقّي: اغتيل في 02
ديسمبر 1955.
- عضو
شعبة ديوانيّة بجهة القصرين:
اغتيل في 10 فيفري 1956.
- حسين
بوزيّان: اغتيل في 26
مارس 1956.
- أحد
الدّستوريين من لجان الرّعاية:
اغتيل في 5 أفريل 1956.
- رئيس
شعبة أولاد جلّال بسيدي بوزيد:
اغتيل في 29 أفريل 1956.
توضح هذه القائمة حجم العنف السياسي الذي ساد تلك
الفترة المضطربة، مسلطة الضوء على التكاليف البشرية للصراع .على الزعامة.
2) السّياق الإقليمي و الدّولي
أ) محاولتي أغتيال الحبيب بورقيبة سنة 1958
من غرائب السياسة أنّ الزّعيم جمال عبد الناصر سوف يبادر سنة
1957 بتقديم شحنة من الأسلحة لزعيم النظام البورقيبي و قد علّل هذا الأمر في تصريح
له لمراسل الإذاعة الأمريكية في الشّرق الأوسط في 17 سبتمبر 1957: " قد أكون
الرجل الوحيد في العالم الذي يستطيع أن يقدر موقف الرئيس التونسي وهو يرى بلاده
بحاجة إلى السلاح، ذلك لأنني عشت في التجربة التي يعيشها وأحسست بمثل ما يحس هو،
لذلك لم أتردد لحظة واحدة في الإستجابة إلى طلب تونس، ولقد بعثنا إليهم نطلب منهم
أن يرسلوا إلينا قائمة بما يحتاجون إليه من سلاح ولسوف نقدم لهم ما يحتاجون، كما
أننا على استعداد لأن نبيع لهم ما يرغبون فيه من أسلحة صغيرة أو ذخيرة أو معدات
تفجير مما تصنعه المصانع المصرية." و قد أعلن جمال عبد الناصر يوم 24 نوفمبر
1957 أن مصر على استعداد لتزويد الجيش التونسي بأيّة أسلحة يحتاج إليها دون ثمن.
و لكن هذه العلاقة الجيّدة بين تونس و مصر لن تستمرّ ، خاصّة عند
اكتشاف محاولة اغتيال أولى للحبيب بورقيبة كان وراءها صالح بن يوسف المدعوم و
المحمي من النّظام النّاصري، ثمّ المحاولة الثّانية التي تورّطت فيها المخابرات
المصريّة بشكل مباشر في محاولة اغتيال الزّعيم الحبيب بورقيبة.
• المحاولة الأولى: مهمّة فاشلة لصالح النجّار" اليوسفي"
تؤدّي إلى أزمة ديبلوماسيّة بين تونس و الجّمهوريّة العربيّة المتّحدة
سوف يتسبّب أحد أنصار صالح بن يوسف في أزمة ديبلوماسيّة بين مصر و
تونس، فقد تمّ إلقاء القبض على صالح النجار في الحدود التونسية اللّيبية حاملا
لجواز سفر مصري مساء يوم 15 فيفري 1958 ، و بحوزته قنبلة يدوية و رزمة من الرسائل
بخط صالح بن يوسف يدعو فيها أنصاره إلى اغتيال الحبيب بورقيبة و قد تمكّن صالح
النجّار من الفرار و العودة إلى ليبيا بينما بقيت الرّسائل في حوزة رجال الأمن .
و قد ذكر الحبيب بورقيبة بهذا الخصوص قوله:
" فإذا لم يكن هناك ما يحمل على الاطمئنان والاقتناع دون التباس
وغموض فلا وجه لاستمرار التبادل السياسي والعلائق الرسمية لأننا جديون لا نلعب على
حبلين...والغريب انه إلى الآن يستمر وجود مكتب المغرب العربي بالقاهرة تأسس وقت
الكفاح حال وجودنا بالقاهرة ثم يستمر مكتب تونس تحت إدارة صالح بن يوسف مع وجود
بناية في منطقة الدقي في القاهرة نفسها يرتفع عليها العلم التونسي ، فنحن نرى هذا
الوضع شاذا و أوضحنا ذلك للسفير المصري، فقال لنا انه يلزم شهر لتغيير
الوضعية." .
من هنا بدأت الأزمة بين مصر و تونس، و قد كانت العلاقات بين البلدين
على درجة كبيرة من الخلاف بحكم إيواء النّظام المصري لزعيم المعارضة اليوسفيّة و
القائد الأعلى لجيش التّحرير الوطني رغم الإستعداد الذي أبداه الزّعيم جمال عبد
النّاصر لتسليح النّظام البورقيبي ، و لكنّ العلاقة بين البلدين سوف تزداد سوء بعد
اكتشاف تلك المؤامرة.
و قد ألقت الحكومة التّونسية القبض على 41 شخصا من الذين وجّهت إليهم
الرسائل . و هذه الوثائق اعتبرت كدليل إدانة على تواطؤ النّظام المصري من أجل
الإطاحة بالنّظام البورقيبي.
و في 5 مارس 1958 أطلع وزير الخارجية التونسي الصادق المقدم القائم
بأعمال الجمهوريّة العربيّة المتّحدة بتونس ملفا كاملا للمؤامرة يحتوي على وثائق
تدين صالح بن يوسف منها رسائل بخط يده يحث فيها التونسيين على الثورة على رئيس
الجمهورية و جواز مصري لصالح النجار و تسجيلا صوتيا لاعترافات المتآمرين. و قد
طالب الصّادق المقدّم بغلق قسم تونس بمكتب المغرب العربي و إقصاء صالح بن يوسف عن
الأراضي المصرية .
و في 6 مارس 1958 هاجم الحبيب بورقيبة الحكومة المصرية و الرئيس جمال
عبد الناصر بسبب المؤامرة، و أوضح الحبيب بورقيبة في هذا الخطاب بأن القائم
بالأعمال المصري أبلغ وزير الخارجية التونسي بأن حكومته سوف لن ترد على طلبات
الرئيس بورقيبة و انذاره بوجوب طرد صالح بن يوسف و إغلاق مكتب المغرب العربي، و
أنه إذا عاد إلى التهجم على الجمهورية العربية المتحدة، فإنّ الحكومة المصرية سوف
تجد نفسها غير مسؤولة عما ستقوم به عند ذلك الصحافة و الإذاعة المصرية من الرد على
الرئيس التونسي .
ثمّ قام الصادق المقدم وزير الخارجيّة بزيارة مصر في 13 أفريل 1958،
حيث تمّ الإعلان رسميا على غلق مكتب المغرب العربي، و قد أكّد جمال عبد الناصر
براءة الجمهورية العربية المتحدة من المؤامرة ، و فتح تحقيق بشأنه
و قد التقى أنور السادات عضو مجلس الأمة المصري مع الطيب السحباني
سفير تونس بمصر في 17 أوت 1958، و قد أكّد أنور السادات وجود المؤامرة و أنّ
الحكومة لم تكن على علم بها، و أنّ صالح بن يوسف خان الثقة التي وضعت فيه، و أنّ
صالح النجار كان ينوي السفر إلى ليبيا فقط. و أنّ الطيب السحباني أكّد أنّ شرط
عودة العلاقات المصرية التونسية إلى طبيعتها يتمثّل في إقصاء صالح بن يوسف مدبّر
المؤامرة .
و قد أصرّت الحكومة التونسية بعد اكتشاف المؤامرة خاصّة على طلب طرد
صالح بن يوسف من الأراضي المصرية، حيث التقى الطيّب السّحباني سفير تونس لدى
الجمهوريّة العربيّة المتّحدة 11 مرّة مع السؤولين المصريّين بعد اكتشاف "
المؤامرة" ، و قد تمّ سحب سفير تونس من الجّمهوريّة العربيّة المتّحدة (
ثلاثة أشهر) دون قطع العلاقات، و قد قام السيّد صلاح الدّين عبد الله القائم
بأعمال سفارة الجمهوريّة التّونسيّة في القاهرة بالنّيابة بإجراء مقابلتين حول نفس
الموضوع ؛ كانت الأولى مع السّيد علي كامل فهمي سفير الجّمهوريّة العربيّة لمتّحدة
بتونس في 24 أفريل 1958 و الثّانية مع السيّد سيّد فهمي الكاتب العام المساعد
للشؤون الخارجيّة في غرّة جويلية 1958.
كما أشار الكتاب الأبيض إلى اعتراف أنور السّادات بوجود
المؤامرة اليوسفيّة " التي نظّمت دون علم حكومة الجّمهوريّة العربيّة
المتّحدة، و أنّ صالح بن يوسف خان الثّقة التي وضعت فيه، و أنّ صالح النجّار كان
ينوي السّفر إلى ليبيا فقط"
و إنّ ذلك الإصرار الشّديد على اقصاء صالح بن يوسف -"
المحمي" من قبل النّظام المصري- على اخراجه من مصر مثير لشبهة نيّة تصفيته.
و خلال لقائه مع الصحفي الهندي كارنجا Carranjia في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1958 تطرق الرئيس جمال عبد
الناصر إلى التهم التونسية و أعلن أنّ " الجمهورية العربية المتحدة بريئة من
التهم الموجهة لها من الاستعمار وأعوانه المتضمن في تدبير الثورات والتحريض على
الانقلابات."
و بذلك تمّ استدعاء سفير تونس من القاهرة و تمّ ابلاغ سيّد
فهمي بأنّ عودة السّفير التّونسي إلى مركزه في القاهرة تتوقّف إلى حدّ كبير على
نتائج التّحقيق في موضوع المؤامرة .
و قد اتهم جمال عبد الناصر الحبيب بورقيبة بالخيانة و شبهه بنوري
السعيد و هو ما عدّه بورقيبة تحريضا على الإغتيال و القتل، و الهدف من ذلك التشبيه
هو تحريض الشعب التونسي بأن يفعل به كما فعل الشعب العراقي بنوري السعيد .
إذن المهمّة التي حاول انجازها صالح النجّار
بإيعاز من صالح بن يوسف و التي باءت بالفشل عند اكتشاف أمره أدّت إلى أزمة
ديبلوماسيّة بين النّظامين التّونسي و المصري.
و قد كان جمال عبد النّاصر مصرّا على حماية صالح
بن يوسف، ذلك ما فهمناه من سياسة التّسويف التي تعمّدها المسؤولون المصريّون رغم
اصرار وزير الخارجيّة التونسي الصّادق المقدّم و سفير تونس في مصر الطيّب
السّحباني على مطالبة النّظام المصري بإخراج صالح بن يوسف من مصر.
• المحاولة الثّانية: شبهة التورّط المباشر للمخابرات المصريّة في
اغتيال الزّعيم الحبيب بورقيبة
في 25 نوفمبر 1958 ألقت السّلطات التّونسية القبض على الضابط في
المخابرات المصرية محمّد فؤاد السيّد عبد المجيد سليمان، و قد تم استجوابه قضائيا،
و تم نشر هذا الإستجواب في الصّحف ووكالات الأنباء التونسية، و قد أوضح الضّابط
تفاصيل المؤامرة و قد قال:" أتيت لاغتيال الحبيب بورقيبة، يمكن أن يبعثوا
غيري من الفدائيين واحدا أو إثنين أو خمسة عشر أو عشرين."
و قد كذّب السيّد سعد عفرة النّاطق الرّسمي بلسان حكومة القاهرة
الخبر في بيان له و كذّب الحكومة التّونسيّة قائلا: " إنّ كلّ ما قاله السيّد
بورقيبة كذب"
و نفى جمال عبد النّاصر الإتّهام الذي وجّهه إليه الحبيب بورقيبة
قائلا:" لو كنّا نريد قتله لقتلنا نوري السعيد من قبله و لكن الشّعب هو الذي
الذي قتل نوري السّعيد...و نحن لا نقتل أحدا...هناك الوعي العربي و القوميّة
العربيّة...و الشّعوب هي لتي تعطي كلّ واحد قصاصه الذي يستحقّه..."
و في خطاب جمال عبد النّاصر في 3 ديسمبر 1958 قال فيه: " إنّ
الجمهوريّة العربيّة المتّحدة واجهت اتّهامات من الإستعمار، و من أعوان الإستعمار،
أظهرت الأيّام كيف كانت هذه الإتّهامات اتّهامات باطلة...و منذ عشرين يوما وقف
الحبيب بورقيبة في تونس ليعلن أنّه اعتقل ضابطا من الجمهوريّة العربيّة المتّحدة
ووضعهم في السّجون، و سيحاكمهم لأنّهم جاؤوا لاغتياله و أعلنّا في ذلك اليوم كذب
هذا الإدّعاء و الإفتراء...إنّنا نشعر أنّ هذا تضليل لا يهدف إلاّ إلى إلهاء شعب
تونس عن الإحتلال الفرنسي الذي يجري بين أرجائه."
بغضّ النّظر عن مدى صحّة العمليّة و من هو" الصّادق" أو
" الكاذب"، فإنّ هذه الأزمة الدّيبلوماسيّة بين البلدين كانت في الأصل
بفعل حماية النّظام لنّاصري لصالح بن يوسف الذي لا زال يهدّد النّظام البورقيبي. و
ما مطالبة الخارجيّة التّونسيّة بإخراج صالح بن يوسف من مصر إلاّ محاولة منها لنزع
هذه الحماية على القائد الأعلى لجيش التّحرير الوطني و زعيم المعارضة اليوسفيّة، و
الذي كما أشارت المخابرات الأمريكيّة أصبح يهدّد المصالح الفرنسيّة و الأمريكيّة
في المنطقة.
إنّ النّظام النّاصري كان يسعى إلى تصدير الثّورة إلى المغرب العربي.
و ذلك ما كانت تخشاه فرنسا و ذلك بإقرار من رئيس حكومتها غي مولّي في البرلمان
الفرنسي عندما قال: " وقد أعطينا حكم تونس إلى الحبيب بورقيبة صديق فرنسا لتعزيز
جانبه أمام غريمه صالح بن يوسف الذي يقود ثورة ضده وضدنا متحالفاً مع الإرهابيين
في الجزائر، والكولونيل عبد الناصر الذي يتزعم المد القومي العربي الذي سوف يمتد
إلى كل الشمال الأفريقي ويقضي على كل وجودنا فيه، لذلك دعمنا صديقنا بورقيبة ليكون
السد المنيع ويقطع الطريق على كل خطر من المشرق العربي."
إنّ الأزمة بين تونس و الجّمهوريّة العربيّة المتّحدة قد تواصلت حتّى
بعد انضمام تونس إلى الجامعة العربيّة، بل إنّها ازدادت تعقيدا منذ الجلسة الأولى
التي حضر فيها ممثّل تونس الحبيب الشطّي حيث أغضبت مداخلته الأولى الوفد المصري
الذي اضطرّ إلى الإنسحاب . ثمّ تلى الحبيب الشطّي بيانا لم يتركه رئيس الجلسة أسعد
الفقيه اتمامه لما جاء فيه من اتّهامات مباشرة للجمهوريّة العربيّة المتّحدة ، و
ممّا جاء في هذا البيان: " إنّ هذا الخلاف يرجع أصله إلى سبب جوهري هو تداخل
الجمهوريّة المصريّة ثمّ الجّمهوريّة العربيّة المتّحدة في الشّؤون التّونسيّة
البحتة باحتضانها لجماعة تنصب العداء للنظام الجمهوري بتونس و تكيد للقائمين عليه،
و في هذه الحالة كانت حكومة القاهرة تستخدم عملاء، و على رأسهم رجل مجرم يدعى صالح
بن يوسف، كاد أن يودي باستقلال البلاد التّونسيّة في مهده، و أثار فتنة داخليّة
ذهب ضحيّتها المئات من المواطنين. فحكمت عليه المحكمة الشّعبيّة العليا في تونس
بالإعدام فسوّلت له نفسه التصدّي إلى رمز السّيادة التّونسيّة و تدبير المؤامرات
لاغتيال فخامة رئيس الجمهوريّة التّونسية."
و قد قرّر مجلس جامعة الدّول العربيّة بلإجماع استنكار و رفض
كلّ ما جاء في خطاب الحبيب الشطّي لاتّهامه عضوا مؤسّسا في الجامعة، و قد تمّت
دعوة الوفد المصري لاستئناف الجلسات و لم توجّه الدّعوة للوفد التّونسي . و هو ما
يدلّ على سيطرة النّظام النّاصري في ذلك الوقت على الجامعة العربيّة.
إذن نلاحظ أنّ صالح بن يوسف أضحى مصدر ازعاج حتّى وهو في الخارج
للنّظام البورقيبي الماسك بجهازي الدّولة و الحزب.
و في 15 ديسمبر 1958 أبلغ وزير الخارجيّة الصّادق المقدّم سفير
الجمهوريّة العربيّة المتّحدة في تونس مصطفى فهمي قرار الحكومة التّونسية بقطع
العلاقات الدّيبلوماسيّة مع بلاده .
إذن نرى أنّ الخلاف اليوسفي البورقيبي قد أدّى في نهاية المطاف إلى
قطع العلاقات الدّيبلوماسيّة بين تونس و مصر. و قد تعلّل النّظام النّاصري بأنّ
صالح بن يوسف يتمتّع باللّجوء السّياسي و أنّ دستور الجمهوريّة العربيّة المتّحدة
يمنع تسليمه .
و في حقيقة الأمر إنّ تعلّق النّظام النّاصري بصالح بن يوسف و
بالمعارضة اليوسفية يخدم مصالحه الإستراتيجيّة في منطقة المغرب العربي في حالة
سقوط النّظام البورقيبي و انتصار الثّورة الجزائريّة التي كانت تدعمها بكلّ قوّة.
ب) تطوّرات الثّورة الجزائريّة
لا شكّ أنّ حدث انطلاق الثّورة
الجزائريّة سيكون له تأثير بالغ على الحركات الوطنيّة المغاربيّة و توجّهاتها
العامّة. وذلك ما لمسناه في التوجّه الوحدوي الذي تبنّته المعارضة اليوسفيّة الذي
كان من تأثيرات ثورة الضبّاط الأحرار في مصر و الثّورة الجزائريّة التي اندلعت في
الفاتح من نوفمبر 1954.و سوف تشكّل الثّورة الجزائريّة حافزا من أجل توحيد الكفاح
المسلّح في منطقة المغرب العربي.
ويقول أحمد بن بلّة " إنّ العروبة الصّاعدة من القاهرة و من جبال الأوراس
أصبحت عروبة مناضلة. و إذن فهي مخيفة للإستعمار، و يجب تدميرها في كلّ مكان في
الجزائر في مصر أو في اليمن."
ما يمكن أن نفهمه من هذا الكلام، هو الإرتباط الذي
أصبح وثيقا بين الثّورة المصريّة التي كانت تحمل شعارات عروبيّة و الثّورة
الجزائريّة.
كما أشار أحمد بن بلّة إلى ارتباط جيش التّحرير
الوطني التّونسي مع جيش التّحرير الجزائري : " من ناحية تونس أيضا، حين تكوّن
جيش تحرير و بدأ عمليّته ووجد بعض المساعدة من جيش التّحرير الجزائري، رأت فرنسا
أن تطلق سراح بورقيبة و تقبل بمفاوضات الحكم الذاّتي، و قبل بورقيبة لهذ الحلّ
الوسط الذي رأى أنّه قد يحقّق له مطامحه الخاصّة، و كان يرغب في ذلك، ربّما أكثر
من الفرنسيّين لأنّه كان يخاف من اندماج ما يحصل بين الجزائريّين و التّونسيّين. و
هنا حصل تكسير في الجبهة الجزائريّة التّونسيّة. النّصف انحاز إلى صالح بن يوسف
الذي رفض الإستقلال الذّاتي و المفاوضات، و النّصف الآخر انحاز إلى بورقيبة و
طروحاته السّياسيّة، و بدأت الحرب الأهليّة منذ ذلك الحين." ممّا يعني أنّ
التّنسيق بين صالح بن يوسف و أحمد بن بلّة كان منذ انطلاق المفاوضات و أنّ مشروع
جبهة جزائريّة تونسيّة كان موجودا حتّى قبل إمضاء اتّفاقيّات الإستقلال الدّاخلي.
و قد أشارت باحثة جزائريّة في دراسة قامت بها عنوانها
" التحرّر الوطني ووحدة المغرب العربي لدى أحمد بن بلّة و صالح بن يوسف"
إلى العديد من نقاط التّشابه بين أحمد بن بلّة و صالح بن يوسف و سوف نوجزها في
النّقاط التّالية:
ü استقرار كل من صالح بن
يوسف وأحمد بن بلة في القاهرة لمواصلة نشاطهما النضالي، ولكن هذه المرة بصبغة
جديدة وهي العمل على مغربة الكفاح التحرري لتحقيق استقلال أقطار الشمال الإفريقي
الثلاثة وهذا في إطار نشاطهما بمكتب المغرب العربي.
ü ربط كل من بن بلة و بن
يوسف علاقات وطيدة مع القيادة المصرية خاصة رجل المخابرات
" فتحي الديب و" الرئيس "جمال عبد الناصر"،
و"أنور السادات"، وقد كانت لهما عدة اجتماعات ولقاءات معهما لتنسيق
أساليب الدعم المصري لمشاريع التحرر المغاربي.
ü شارك أحمد بن بلة وصالح
بن يوسف في تأسيس جيش التحرير المغاربي من خلال إشراف كل واحد منهما على تدريب بعض
المجنّدين الجزائريين والتونسيين والمراكشيين بطرابلس. وقد تم تدريبهم على صنع
المتفجرات، وحرب العصابات، وتنسيق العمل العسكري فيما بينهما وإشرافهما على تدريب
المتطوعين بمزرعة طرابلس.
ü تأثر كل من أحمد بن بلة
وصالح بن يوسف بالقومية العربية والناصرية.
ü كل من أحمد بن بلة وصالح
بن يوسف اصطدما بصراع مع بعض الأطراف السياسية الداخلية بكل من الجزائر وتونس
دفاعا عن الوحدة المغاربية وتحقيقها.
ü لم تكن لبن بلة وابن
يوسف كتابات ومؤلفات حول مشروع المغرب العربي وأطروحات، وإنما سعى كلاهما بالنضال
الفعلي على أرض الميدان لتحقيق الوحدة المغاربية المشتركة.
ما يهمّنا من هذه النّقاط التي قمنا بتلخيصها، هو سعي كلّ من صالح بن
يوسف و أحمد بن بلّة لتوحيد الكفاح المسلّح من أجل تحرير المغرب العربي. و رغم سجن
قيادات جبهة التحرير الجزائريّة بعد حادثة اختطاف الطّائرة في أكتوبر 1956، فقد
بقي صالح بن يوسف مصمّما على تحقيق هذا المشروع الوحدوي المغاربي.
و قد أشار المناضل الجزائري محمّد حربي في كتابه "Mirage et Réalité F.L.N, Le "متحدّثا عن فترة 1958 - 1960" إلى أنّ كلّ من صالح بن
يوسف و الأمير محمّد بن عبد الكريم الخطّابي كانا يريدان توسيع الحرب الجزائريّة
الفرنسيّة في كامل أنحاء المغرب العربي.
إنّ الحبيب بورقيبة و بحكم توجّهاته الغربيّة
التي لا ينكرها، يُعتبر من طرف العروبيّين عرقلة في سبيل امتداد التيّار القومي
إلى المنطقة، و لذلك نفهم سبب دعم جمال عبد النّاصر للمعارضة اليوسفيّة التي كانت
– كما رأينا- تحمل شعارات و مبادئ قوميّة عروبيّة رغم عدم اعترافها بانتمائها إلى
التيّار النّاصري .
و قد قال أحمد بن بلّة في شأن الحبيب
بورقيبة الذي يعتبره معرقلا للثّورة:". كنت أرى أنّ الخطر على الثّورة ليس
فقط في قيادتها التي نصّبها مؤتمر الصّومام ، و إنّما يأتي أيضا من بورقيبة الذي
كان يدعو إلى المفاوضات و نبذ السّلاح و الإعجاب بالغرب."
في الحقيقة، إنّ خلاف الحبيب بورقيبة مع
جمال عبد النّاصر الذي لعب دورا في تسليح الثّورة الجزائريّة أو مع أحمد بن بلّة
" النّاصري" ، فإنّ ذلك لم يمنع الحكومة التّونسيّة من إعانة الثّورة
الجزائريّة و جبهة التّحرير . و قد كتب برنار ميشال مراسل " باري براس" Paris Presse مقالا بعنوان " تونس، العاصمة الجديدة للثّورة
الجزائريّة." و قد قال في هذا المقال:" إنّه رسمي الآن : تونس عوّضت
القاهرة و طرابلس كعاصمة للثّورة الجزائريّة" . و كما أشار إلى ذلك الأستاذ
عميرة عليّة الصغيّر قائلا: " المقاومة الجزائريّة ما كانت لتنشط و تتركّز في
تونس و ترتقي من مرحلة العطاء الجهادي التطوّعي لفرق مستقلّة إلى مرحلة جيش تحرير
مهيكل و ممركز إلاّ بارتقاء قيادة الثّورة الجزائريّة و نضجها التّنظيمي و كذلك
لما وفّرته الدّولة التّونسيّة النّاشئة من شروط للنّجاح."
كما لعب الحبيب بورقيبة دورا ديبلوماسيّا هامّا
عند زيارته للولايات المتّحدة الأمريكيّة في مطلع شهر ماي سنة 1961 حيث حذّر
الولايات لمتّحدة بأنّها " ستفقد كلّ شمل إفريقيا إذا لم يتمّ إيجاد حلّ
للمسألة الجزائريّة." و خرج الطّرفان بتصريح مشترك يوم 5 ماي 1961 مفاده أنّ:
" المفاوضات و التّطبيق السّلمي لحقّ تقرير المصير هما مفتاحا السّلم في
الجزائر و الإستقرار في شمال إفريقيا و البحر المتوسّط."
إنّ المجهودات و الأدوار السّياسيّة
التي لعبها الحبيب بورقيبة في سبيل الثّورة الجزائريّة كانت من أهدافها هو
الحيلولة دون بسط النّظام النّاصري نفوذه في المنطقة ، سيما و أنّ جمال عبد
النّاصر كان يؤوي و يساند زعيم المعارضة و القائد الأعلى لجيش التّحرير الوطني
صالح بن يوسف. و إنّ تحالف التيّار اليوسفي مع جبهة التّحرير الجزائريّة المسلّحة
من شأنه أن يقضي على النّظام البورقيبي القائم.
إنّ أحداث و تطوّرات الثّورة الجزائريّة و
علاقتها بالنّظام البورقيبي أو بالمعارضة اليوسفيّة ، هو في الحقيقة مبحث عميق و
شائك و لا يمكن في هذا العنصر إلاّ الإشارة إلى الملامح العامّة للموضوع، خاصّة و
أنّ اغتيال صالح بن يوسف المعارض للنّظام البورقيبي و المدعوم من قبل النّظام
النّاصري له أبعادا دوليّة و مصالح استراتيجيّة كبرى متشابكة، و قد أردنا خلال
العنصرين السّابقين الإشارة إليهما دون استفاضة أو تعمّق.
و قد تزامنت الثّورة الجزائريّة مع معارك الجلاء
التي تسبّبت في تأزّم العلاقة بين تونس و فرنسا.
و في تقديرنا مهما تأزّمت العلاقة بين الجانبين التّونسي و الفرنسي،
فإنّ فرنسا لا نظنّها مستعدّة للتخلّي عن النّظام البورقيبي الذي أبرمت معه
اتّفاقيّات الإستقلال الدّاخلي ثمّ بروتوكول الإستقلال في ظلّ التكافل، لكي تفسح
المجال للمعارضة اليوسفيّة المدعومة من النّظام النّاصري الذي كان يهدّد ليس مصالح
فرنسا فقط، بل و كذلك الحلف لأطلسي الذي تتزعّمه الولايات المتّحدة الأمريكيّة
التي تخوض حربا باردة مع القطب الشّرقي في إطار استراتيجيّة الإحتواء المعتمدة
لمقاومة التوسّع الشّيوعي.
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر والمراجع العربية
أ. الكتب:
·
الخفاجي، فاطمة فالح جاسم. العلاقات السياسية
المصرية – التونسية (1956-1970). (يُشار إليه في النص بـ: الخفاجي، العلاقات
السياسية المصرية – التونسية): إحالات: ص 40، 82-83 (نقلاً عن: خطب وتصريحات
الرئيس جمال عبد الناصر 1952-1959، ج9، القاهرة 1960، ص 1768)، 86، 92 (نقلاً عن:
ملفات البلاط الملكي، رقم الملف 2701/311، تقارير السفارة الملكية العراقية
بالرباط 1958، م/ اكتشاف مؤامرة لاغتيال فخامة الرئيس بورقيبة، و 38، ص 57)،
95-96، 97 (نقلاً عن: ملفات البلاط الملكي، رقم الملف 2705/311، تقارير السفارة
الملكية العراقية بالرباط 1958، م/ العلاقة بين تونس ومصر، و 10، ص 29)، 102
(نقلاً عن: http://nasser.bibalex.org)، 103.
·
كتابة الدولة للشؤون الخارجية. كتاب أبيض في الخلاف
بين الجمهورية التونسية والجمهورية العربية المتحدة. (يُشار إليه في النص بـ:
كتابة الدولة للشؤون الخارجية، كتاب أبيض): إحالات: ص 178، 244، 244-250، 247،
251، 269، 278، 282، 304.
·
موريل، جاك. روزنامة جرائم فرنسا في عالم ما وراء
البحار. ترجمة عماد أيّوب، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العراق 2017:إحالات:
ص 19.
·
الصغير، عميرة علية. اليوسفيون وتحرر المغرب
العربي. (يُشار إليه في النص بـ: الصغير، اليوسفيون): إحالات: ص 93، 219، 228-229.
·
سعيد، الصافي. بن بلة يتكلم: المذكرات السياسية
والثقافية للزعيم أحمد بن بلة. منشورات عرابيا، 2012. (يُشار إليه في النص بـ:
سعيد، بن بلة يتكلم): إحالات: ص 69-70، 78.
ب. الرسائل الجامعية والأبحاث:
·
النجار،حسن. المعارضة اليوسفية: صراع زعامات أم
صراع خطط و استراتيجيات، كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية، تونس 2020.
·
عبو، نجاة. التحرر الوطني ووحدة المغرب العربي لدى
أحمد بن بلة وصالح بن يوسف 1945-1961: دراسة تاريخية مقارنة. مذكرة مكملة لنيل
شهادة الماجستير، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد بوضياف–المسيلة،
الجزائر 2014: إحالات: ص 161-163.
·
خيثر، عبد النور. تطور الهيئات القيادية للثورة
الجزائرية (1954-1962). أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة
الجزائر، 2005-2006: إحالات: ص 147.
ج. المقالات الدورية:
·
قاسمي، يوسف. "الثورة الجزائرية وتداعياتها
على العلاقات الفرنسية-الأمريكية 1954-1962." مجلة دراسات تاريخية، العددان
105/106، جانفي/جوان 2009، الجزائر: إحالات: ص 309.
د. الدوريات والصحف:
·
جريدة العمل. "المحكمة الشعبية العليا تصدر
حكما بالإعدام على الطاهر البخاري (الذباح) في أولى جلساتها." العدد 120،
بتاريخ 10 ماي 1956.
ه. المواقع الإلكترونية:
·
موقع جمال عبد الناصر. (المكتبة الرقمية لموقع
جمال عبد الناصر).
الرابط: http://nasser.bibalex.org/Speeches/SpeechesAll.aspx?CS=0&lang=ar
ثانيًا: المصادر و المراجع الأجنبية
A. Books
·
El Méchât, Samia. Les
relations franco-tunisiennes: Histoire d'une souveraineté arrachée (1955-1964).
(Referenced in text as:
El Méchât, Les relations franco-tunisiennes)
References: p. 12
·
Harbi, Mohammed. Le F.L.N.
Mirage et réalité: Des origines à la prise du pouvoir (1945-1962). Edition J.A
1980
References: p. 227
B. Archival Documents
·
Archives nationales de
Tunisie. S:MN, D:2, DOC:223, fiche de renseignement, identification des
principales personnes mises en cause: Partis néo estourien et archéodestourien.
HABIB BOURGUIBA et SADOK
MOKADEM/ June 1955



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق