السبت، 26 يوليو 2025

قراءة في كتاب: الحداد و بورقيبة معركة السفور و اللقاء المؤجل (1924-1956)

 قراءة في كتاب الأستاذ محمد لطفي الشايبي:


أفتتح سلسلة مراجعات الكتب التاريخية بهذا العمل القيّم لأستاذي الفاضل محمد لطفي الشايبي، "الحداد وبورقيبة: معركة السفور واللقاء المؤجل (1924-1956)". يسبر هذا الكتاب أغوار حقبة مفصلية في تاريخ تونس، مسلطًا الضوء على صراع فكري واجتماعي وسياسي بين رمزين بارزين؛ الطاهر الحداد (1899-1935)، المفكر النقابي والمصلح الاجتماعي الرائد الذي نادى بتحرير المرأة وقضايا العمال في وقت مبكر من القرن العشرين، وواجه بسبب أفكاره تعسفا واضطهادًا، والحبيب بورقيبة (1903-2000)، الزعيم السياسي الذي قاد تونس نحو الاستقلال، ثم أسس الدولة الحديثة وتبنى إصلاحات اجتماعية جريئة بعد الاستقلال، متأثرًا في بعضها بأفكار الحداد.


 على الرغم من صدور الكتاب في عام 2019، إلا أن عنوانه المشوّق، الذي يجمع بين شخصيتين بحجم الحداد وبورقيبة، لفت انتباهي بشدة. في هذه المراجعة، سأشارككم قراءتي المتعمقة للكتاب، مسلطًا الضوء على رؤى الأستاذ الشايبي وتحليله لهذه الحقبة التاريخية المهمة، وكيفية تقديمه للمعلومة، متسائلًا عن أبعاد العلاقة الفكرية بين الحداد وبورقيبة قبل وبعد الاستقلال، وعن الرسائل التي يود الأستاذ الشايبي إيصالها من خلال هذه الدراسة التاريخية.


 





يطرح عنوان الكتاب تساؤلات مهمة، فالقصد من "معركة السفور" قد يحمل دلالات سلبية لا تتوافق مع الرؤى والمشاريع الإصلاحية للزعيمين. في الحقيقة، أرى أن فكرة هذه "المعركة" مصطنعة وغير حقيقية، فالسفور لم يكن هدفًا بحد ذاته لأي منهما، بل ربما كانت معركة خاضها رموز السلفية ضد عدو وهمي، بعيدًا عما كان يرمي إليه الطاهر الحداد من أفكار إصلاحية عميقة في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". ولهذا، كنت أفضّل لو اقتصر العنوان على "الحداد وبورقيبة واللقاء المؤجل" ليعكس العلاقة الفكرية الأعمق بينهما. أما بالنسبة للفترة التاريخية المحددة، وبالأخص بداية عام 1924، فلا أرى سببًا مقنعًا لاختيار هذا التاريخ، فكتاب الحداد صدر عام 1930، وهو العام الذي اتُهم فيه بالتشجيع على السفور وغيرها من التهم الكيدية. ورغم تلك الفتنة، لم يفصح الحبيب بورقيبة عن قناعاته الحقيقية، وبالفعل ظل اللقاء مؤجلًا؛ لذا، أظن أن تاريخ 1930 يكون أكثر دلالة وملاءمة لبداية هذه السردية المشوقة. 

إن صورة الغلاف التي تبرز النظرات الثاقبة للزعيمين، تعبر بوضوح عن قوة الإرادة والتصميم ووضوح الرؤية لديهما، لكنني تمنيت لو كانت أكثر ثراءً وتعبيرًا بإضافة عناصر بصرية كصور للمرأة التونسية قبل الاستقلال وبعده، أو لغلاف كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" عند صدوره عام 1930، لتعزيز المعنى وإبراز التحولات.


 





في مقدمة الكتاب، حاول الأستاذ لطفي الشايبي رسم صورة عامة لمسألة تحرير المرأة في تونس قبل صدور كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، وقدم معلومات دقيقة حول الإطار العام لقضية المرأة. إلا أن القارئ لا يكاد يلمس إشكالية الكتاب بوضوح، كما أن الهدف من تأليف الكتاب لم يحدد بوضوح سوى أنه تتمة لمحاضرة غير مكتملة. ورغم أن الكاتب صرح بأن هدفه هو "توضيح أركان المقاربة التي ارتكزت عليها قراءتنا للإطار التاريخي والإيديولوجي والسياسي الذي هز النخب التونسية في النصف الثاني من القرن العشرين"، إلا أنه لم يوضح المساهمة التي يقدمها الكتاب للمعرفة التاريخية في هذا المجال.


أما من الناحية المنهجية، فيعتمد الأستاذ لطفي الشايبي في كتاباته التاريخية على المنهج الوصفي والتحليلي، وهذا ما لمسناه في هذا الكتاب. ما يميز الأستاذ لطفي عن كثير من الباحثين هو اجتهاده وتفانيه في البحث عن المصادر، فكتبه عمومًا غنية بالمصادر والمراجع المتنوعة، لكن توظيفه لتلك الوثائق بحاجة إلى مراجعة دقيقة. فقد تم نشرها بشكل مكثف في الملاحق التي حظيت بنصف حجم الكتاب، وهو أمر لا يستقيم في البحث التاريخي؛ فالعمل ينتهي عند الصفحة 67، وبعدها يجد القارئ وثائق مرهقة ومتعبة من الصفحة 69 إلى 129. ولو تم تحليل هذه الوثائق واستثمارها بشكل أعمق وشامل، لتحصلنا على كتاب يتجاوز 300 صفحة من التحاليل العميقة و الإستنتاجات المهمة.







كان السرد التاريخي في الكتاب واضحًا ومتسلسلًا ومنطقيًا، إلا أن الكاتب لم يتعمق في مسألة اللقاء المؤجل بين الحداد المتوفى وبورقيبة الرئيس، أو رئيس الحكومة زمن نشر مجلة الأحوال الشخصية. ورغم عمق تحليل الأستاذ لطفي للأحداث، فإن تنظيم الأفكار يصعب الحصول عليه في ظل كثرة الوثائق ، فأستاذنا المحترم يكتفي بنشر الوثيقة كما هي دون ترجمتها، فكأننا أمام بحث مزدوج اللغة. ربما كانت غايته من مراكمة الوثائق هي إفحام القارئ بالأدلة والبراهين، لكن وجود الوثيقة لا يمكن أن يكون دليلًا إذا لم يتم تفحصها وتلخيص محتواها وتبسيطها للقارئ، فليس كل قارئ مختص، ويبدو أن الأستاذ لطفي يتوجه في كتاباته للمختصين فقط. 


كما أن الكاتب لا يعرض وجهات نظر متعددة حول الأحداث، ويتبنى وجهة نظر واحدة تتمثل في إبراز الدور الكبير للحركة الماصونية في التاريخ التونسي، وخاصة المعاصر. ورغم احترامنا لتوجهه المدعم بأدلته الخاصة، فإن للتاريخ قراءات وتوجهات متعددة، ومن القصور الاكتفاء بزاوية نظر واحدة، فهل الماصونية هي المحرك الوحيد للتاريخ المعاصر أم أن للتاريخ محركات عدة؟ ومع ذلك، يربط الكاتب الأحداث المحلية بالسياقات الإقليمية والدولية الأوسع، وهو ما قدمه في محاوره التي تناولت عراقة طرح مسألة تحرير المرأة وتقاطع أصولها، ومنابع التأثير الإيديولوجي كالدعوة الماصونية، وجرأة الحداد الفكرية واحتراز بورقيبة السياسي.


لا يمكننا إنكار أسلوب أستاذنا ولغته الشيقة القادرة على جلب القارئ غير المختص، وكنت أتمنى أن لا يعج الكتاب بالوثائق والملاحق حتى يستمتع القارئ بأسلوب الكاتب ولغته الجميلة والقادرة على إيصال الفكرة، رغم وجود مصطلحات جديدة وعميقة لا يمكن الاستغناء عنها في البحوث التاريخية والاجتماعية مثل الماصونية. 


 تلخص خاتمة الكتاب النتائج الرئيسية للبحث بوضوح، وتستجيب لرؤية الكاتب حول دور الماصونية، حيث يقول: "وأثبتنا أن كلا من المفكر الحر الطاهر الحداد والسياسي الحبيب بورقيبة كانا على بينة من نشاط الماصونية الفرنسية... ومطلعين على مبادئها الستة ... وأنهما قاوما ورفضا سياسة الاندماج والتجنيس غير أن مقاربتيهما لمسألة المرأة المطروحة سنوات 1924-1930 كانت متباينة...". ثم يختم بقوله: "ويبقى في الأخير أن اللقاء الذي لم يحصل سنتي 1929-1930 بين شهيد الفكر الحر الطاهر الحداد والزعيم الحبيب بورقيبة سوف تكرسه آجلا مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956".


في الختام، يعد كتاب الأستاذ محمد لطفي الشايبي إضافة قيمة للمكتبة التاريخية التونسية، بما يقدمه من وثائق نادرة وتحليل عميق لفترة حساسة من تاريخ البلاد. لقد نجح الكاتب في تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين فكر الطاهر الحداد ورؤية الحبيب بورقيبة للدولة الحديثة، وكيف أن الأفكار الإصلاحية المبكرة للحداد وجدت طريقها إلى التطبيق على يد بورقيبة بعد سنوات. ومع ذلك، فإن بعض الملاحظات المنهجية المتعلقة بتكثيف الوثائق دون تحليل كافٍ، وتركيز البحث على زاوية واحدة، قد يحد من شمولية الطرح، وتستدعي إعادة نظر في الطبعات القادمة. إن التوازن بين عرض الوثائق وتحليلها بعمق، وتقديم وجهات نظر متعددة، من شأنه أن يثري العمل ويجعله أكثر سهولة في الاستيعاب لجمهور أوسع، بما في ذلك القارئ غير المختص. هذا الكتاب، على الرغم من بعض تحفظاتنا، يفتح آفاقًا جديدة للبحث ويدعو إلى مزيد من النقاش حول أدوار المفكرين والزعماء في صياغة تاريخالأوطان و الأمم.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق