الثلاثاء، 8 يوليو 2025

صلاح الدين التلاتلي: ومضةٌ في ظلام النسيان...

 شخصيات منسية

في ركن "شخصيات منسية"، نُلقي الضوء اليوم على اسمٍ قد يتردد صداه خافتًا في أروقة التاريخ الوطني التونسي الحديث، لكنه يحمل في طياته قصة كفاءةٍ نادرة، ومبدئيةٍ صلبة، وصراعٍ مع تياراتٍ أبت إلا أن تطمس بريق العقول المستنيرة. نتحدث عن صلاح الدين التلاتلي (2 جانفي 1916 - 2 جانفي 2009)، أحد أبرز رجال الفكر والتربية والنضال الوطني في تونس المعاصرة، الذي، رغم بروزه كمثقف لامع ونقابي نشط، وجد نفسه على هامش السرديات الرسمية، ليظل لغزًا يكتنفه السؤال: ما الذي دفع هذا الرائد إلى الانسحاب من حركة كان من أبرز رموزها؟ وما هي أبعاد "لعنة المبادئ" التي جعلته يغيب عن المشهد؟

صلاح الدين التلاتلي

 صلاح الدين التلاتلي 

يُعدّ صلاح الدين التلاتلي، كما عرّفه روبار كورنفان في مقدمته لكتابه "جربة والجربيون" (DJERBA ET LES DJERBIENS)، نموذجًا للمثقف العضوي الذي يجمع بين التكوين الأكاديمي الرصين والالتزام الوطني العميق. وُلِد التلاتلي في تونس العاصمة في الثاني من جانفي عام 1916، لعائلة ذات خلفية علم وتربية مرموقة؛ فوالده الصادق التلاتلي كان مدرساً ثم متفقدًا عامًا للتعليم بتونس، وأحد مؤسسي "الخلدونية" سنة 1896، تلك المؤسسة الرائدة التي شكلت منارة للعلم والإصلاح. هذه النشأة التعليمية العريقة انعكست على مساره الأكاديمي، حيث درس صلاح الدين في الصادقية ثم في معهد كارنو على امتداد المرحلتين الابتدائية والثانوية، وهو ما يدل على تميزه المبكر.

بعد حصوله على الباكالوريا، واصل التلاتلي دراسته العليا في جامعة مونبلييه (Montpellier) بفرنسا، حيث تحصل على الإجازة في التاريخ والجغرافيا. وفي يونيو 1938، نال ديبلوم الدراسات العليا في الجغرافيا، وكان محور دراسته حول جربة والجربيين (Djerba et les Djerbiens)، ما يعكس اهتمامه العميق بالجغرافيا البشرية والتراث المحلي. وفي السنة الموالية، تابع في باريس مناظرة التبريز، وتتلمذ على أيدي كبار الأساتذة الفرنسيين المختصين ممن تركوا بصماتهم في شخصيته العلمية، ومنهم ديمانقو (Demangeot) وبيغانيول (Piganol) وجول سيون (Jules Sion)، مما صقل معارفه ومنهجه البحثي.

عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، عاد التلاتلي إلى تونس ليُعين في أكتوبر 1939 أستاذا للتاريخ بالمعهد الصادقي، ثم واصل التدريس بمعهد كارنو انطلاقا من أكتوبر 1940، ليظل يدرّس بهذا المعهد المرموق على امتداد سبع وعشرين سنة، تاركاً أثراً عميقاً في أجيال من التونسيين. ولم يكن انغماسه في التدريس ليعزله عن البحث والتأليف؛ ففي سنة 1942 صدر له كتاب حول جربة، وحرر له المقدمة الباحث الفرنسي جون ديبوا (Jean Despois)، وهو ما يؤكد على عمق بحثه وجودة عمله العلمي. كما أنه كتب عن الايطاليين في تونس ومعاهدات لوفال – موسيليني في كتاب طُبع بباريس سنة 1938، مما يدل على اهتماماته المبكرة بالتحليل السياسي والتاريخي.

لم يقتصر عطاء التلاتلي على الجانب التعليمي والبحثي، بل امتد ليشمل النشاط الصحفي والنقابي، مما يبرز مكانته كشخصية جامعة ومؤثرة في الساحة الوطنية. ففي سنة 1942، وفي أوج الحرب العالمية الثانية، ساهم في تأسيس عديد المجلات الفكرية والأدبية، مثل مجلة "المباحث" ثم مجلة "إفريقيا الأدبية" (l’Afrique litteraire) ومجلة "حكمة" التي صدرت بتونس، ومجلة (Forges) بالجزائر، وقد اشترك في بعثها إلى جانب شخصيات عالمية مثل ألبار كامي (Albert Camus) وهنري بوسكو (H. Bosco) وصديقه ايمانويل روبلاس (Emmanuel Robles)، مما يدل على انفتاح فكره وعمق علاقاته الثقافية.

تولى التلاتلي الكتابة العامة لجمعية أساتذة التاريخ لخمسة عشر عاما (1942-1957)، وكان مساهمًا فاعلًا في أنشطة معهد قرطاج (Institut de Carthage). وغداة الحرب العالمية الثانية (1945)، كان من المؤسسين لنقابة التعليم الثانوي وانتخب كاتبًا عامًا لها، ليشكل بذلك ذراعًا نقابيًا قويًا إلى جانب رموز مثل فرحات حشاد، ومساهمًا فعالًا في مسيرة الاتحاد العام التونسي للشغل. كما شارك في "مؤتمر ليلة القدر" في 23 أغسطس 1946، وهو المؤتمر الذي أشار إليه في حديث لصحيفة "وجوه تونسية" بوصفه "مؤتمر الاستقلال"، وذكر فيه بشجاعة موقف صالح فرحات ونجاة صالح بن يوسف بالعريضة المطالبة بالاستقلال التام رغم ملاحقة العسكر الفرنسي.

أما نشاطه الصحفي، فقد تجلى في كونه أحد مؤسسي جريدة "تونس الفتاة" (La Jeune Tunisie) سنة 1947 وأحد أفراد هيئة إدارتها، حيث تم الإعلان على صفحاتها عن "تونس المستقلة" ورفض الاستعمار والهيمنة الفرنسية. وفي سنة 1951، أصدر جريدة الاستقلال (L’Indépendance)، وهي خطوة جريئة كلفته الإيقاف باعتباره موظفًا في مؤسسة تخضع للرقابة الفرنسية، مما يؤكد التزامه الشديد بالمطالب الوطنية.

من سنة 1948 إلى غاية سنة 1956، كان التلاتلي أحد أعضاء اللجنة التنفيذية التابعة للحزب الدستوري القديم، مما يدل على انخراطه العميق في العمل السياسي الوطني. وبعد استقلال تونس، استمر عطاؤه الفكري، فأصدر سنة 1957 كتاب "تونس الجديدة" (La Tunisie nouvelle) الذي حلل فيه وضع البلاد التونسية من جميع الجوانب بعد مرور عام على الاستقلال. ثم أصدر سنة 1961 كتاب "تونس الديمومة" (Tunisie de toujours)، وبعد ست سنوات كتاب "جربة جزيرة اللوتوفاج" (Djerba l’île des Lotophages).

وفي سنة 1967، تولى إدارة المعهد الوطني للآثار والفنون (L’Institut National d’Archéologie et de l’Art)، حيث تمكن، رغم قلة الإمكانيات، من تحقيق إنجازات هامة في مجالات البحث وإحداث المتاحف والصيانة، خصوصًا في جهات الجم والقيروان والمنستير والكاف ومكثر. لقد وجد هذا المؤرخ والجغرافي في حقل الآثار والمتاحف مجالًا ممتعًا للبحث والتأليف، وأصدر انطلاقًا من سنة 1970، سلسلة منشورات قيمة حول المدن التونسية العتيقة: دقة، تيبوربوماجيس، مكثر، جكتيس (Gigktis). لقد فُتِنَ بقرطاج وزادته إقامته بها تعلقًا بتلك الحضارة الشامخة، وأعدّ لها أطروحة ناقشها بجامعة السربون سنة 1977 ووسمها بـ"قرطاج البونيقية دراسة حضرية، المدينة وظائفها وإشعاعها" ونشرها في كتاب. وقد اعترفًا له بتميزه في أبحاثه القرطاجنية، مُنحت له في سنة 1979 "جائزة إفريقيا المتوسطية". كما كان له الفضل في نزع القداسة التي كرسها المحتلون الرومان لقرطاج، مبرزاً خلود الحضارة التي أسستها قرطاج على درب التقدم والتحضر.

ولم يغفل التلاتلي عن القضايا الإنسانية الكبرى، فألّف كتابًا عن غاندي بعنوان "غاندي محرّر الهند"، وطبع سنة 1969. وكتب الكثير من المقالات في جريدة "لابراس" جمعها في كتاب بعنوان "كتابات من أجل الجمهورية" (Ecrites sur l’Indépendance Elif, 1991). لقد صرف قلمه ومهجته وفكره وزهرة شبابه دفاعا عن تونس وتاريخها وهويتها، وترك آثاراً علمية وفكرية تدل عليه.

لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن شخصية بهذه الأهمية، وبهذا الرصيد العلمي والوطني، لم يدم انخراطها صلب حركة "الاتحاد والترقي" طويلاً، وهي الحركة التي كان التلاتلي أحد مؤسسيها، بل كان من أعضاء البعثة الثلاثة التي حاولت الاتصال بصالح بن يوسف لإقناعه بمبادرة الوحدة الوطنية قبل التفكير في تأسيس الحركة نفسها (النجار، 2014). فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الاستقالة المفاجئة؟ وهل كانت مجرد خلاف شخصي أم تعكس صدام مبادئ؟

يكشف لنا التلاتلي جزءًا من الإجابة في مقال له بجريدته "لا ناسيون تونيزيان" تحت عنوان "من أجل أن تكون الصحافة الوطنية تعبيرًا عن الوحدة الوطنية" (Que la presse nationale oeuvre pour l’union nationale). يقول فيه بوضوح: "مشاركتي في "الاتحاد والترقي" تنبع من هذا الشعار (الاتحاد والترقي). وفي صورة عدم تحققه في هذه الحركة توجب عليّ الانسحاب منها. استقالتي تعني رغبتي في البقاء دومًا في الطريق الكبير والمستقيم لهذه الوحدة الوطنية" (La Nation Tunisienne, 1949). هذا التصريح يؤكد أن التلاتلي استقال من الحركة لأنها، حسب رأيه، لم تعبر عن شعار الوحدة الوطنية الذي آمن به.

لكن الأسباب تتعمق أكثر، وتكشفها لنا جريدة الحرية في مقال بتاريخ 13 مارس 1949 (جريدة الحرية، 1949)، بعد أسابيع قليلة من انسلاخ التلاتلي من الحركة. المقال يكشف عن أسبابٍ لم يذكرها التلاتلي صراحة في مقاله السابق، وهي:

أن هذه الحركة هي مجرد "حركة صالونات لا تنتج شيئًا". وهي تهمةٌ خطيرةٌ تُشير إلى ابتعاد الحركة عن العمل الميداني والجماهيري واقتصارها على المناقشات النخبوية.

أن "هدف الحركة الأساسي هو تخريب الحركات الموجودة". هذا الاتهام يُشير إلى طبيعة الصراع الزعامي آنذاك، وأن الحركة لم تكن بناءة بقدر ما كانت تسعى لإضعاف القوى الوطنية الأخرى، خاصةً الدستورين الذين حذّروا مبكرًا من "الاتحاد والترقي" كـ"مناورة استعمارية تريد الحكومة منها تشتيت قوات الشعب" (جريدة الحرية، 1949).

إذن، يتضح أن استقالة صلاح الدين التلاتلي لم تكن مجرد خلاف تكتيكي، بل كانت انسلاخًا مبدئيًا من حركة لم تنسجم مع رؤيته للوحدة الوطنية والعمل البناء. لقد رفض أن يكون جزءًا من "حركة صالونات" أو أداة لتخريب جهود الآخرين. هذا الموقف الشجاع والمبدئي، وإن كان قد كلفه الغياب عن الواجهة السياسية البارزة في مراحل لاحقة، فإنه يؤكد مكانته كضمير حيٍّ ورافضٍ للتنازل عن القيم في مرحلة حاسمة من تاريخ تونس.

ولعل هذا ما يفسر غيابه عن صفحات التاريخ الرسمي بالقدر الكافي؛ فالتاريخ، غالبًا ما يخلّد المنتصرين والمتكيفين، وينسى أو يتناسى أولئك الذين أبت نفوسهم إلا أن تبقى وفية لمبادئها، حتى لو كان الثمن هو إقصاؤهم من أضواء المناصب البارزة، ليظلوا، كما صلاح الدين التلاتلي، ومضاتٍ في ظلام النسيان، تنتظر من ينبش في أثرها ليكشف عن بريقها الحقيقي، وعن دروس المبدئية التي جسدها حتى وفاته في الثاني من جانفي عام 2009.


أبرز المراجع:

النجار، حسن. حركة الاتحاد والترقي ورئيسها شمس الدين العجيمي. بحث لنيل شهادة الماجستير بإشراف د. الهادي التيمومي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2014.

Casemajor, Roger. L’action nationaliste en Tunisie. Sud. Edition.

جريدة الحرية. العدد 49، 13 مارس 1949.

الراعي، أسامة، صفحة حتى لا ننسى: https://www.facebook.com/groups/2337742336363151/posts/3536272629843443/

La Nation Tunisienne. 03 avril 1949.









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق