الأحد، 6 يوليو 2025

شمس الدين العجيمي: حين يبتلع التاريخ قصة زعيم...

شخصيات تونسية منسية‏ 


شعار حركة الإتحاد و الترقي
 

يظل التاريخ الوطني التونسي حافلاً بشخصياتٍ كان لها تأثير كبير على المشهد السياسي والفكري، ولكنها لم تحظَ بذات القدر من الأضواء والبحث الأكاديمي. ضمن هذه الزاويا المعتمة، يبرز اسم شمس الدين العجيمي (1907-1949)، مؤسس حركة "الاتحاد والترقي" التونسية، الذي طالما ارتبط اسمه باتهامات بالعمالة أو التواطؤ مع الاستعمار، والذي انتهت حياته في صيف عام 1949 بظروف غامضة لا تزال تثير التساؤلات. بيد أن دراسة معمقة لأرشيفاته ومقالاته المنشورة تكشف عن "وطنية مختلفة"، رؤية إصلاحية مغايرة، ومسارٍ نضاليٍّ لا يتوافق بالضرورة مع السرديات التقليدية للحزبين الدستوريين القديم والجديد. هذا المقال يسعى إلى كشف النقاب عن هذه الشخصية الغامضة، من خلال استعراض نشأته، مساره النضالي، علاقاته الطبقية، وصولاً إلى محاولة اغتياله التي تكشف أبعاد الصراع الزعامي الخفي في تونس ما قبل الاستقلال، وموته الذي لا يزال لغزاً.

1. شمس الدين العجيمي: نشأة وتكوين النخبة البرجوازية المثقفة

للكشف عن جوانب هذه الشخصية المعقدة، نعتمد بشكل أساسي على ما قدمه "روجيه كاسماجور" في كتابه الفريد "العمل الوطني في تونس" (L’action nationaliste en Tunisie)، الذي يُعد المصدر الوحيد الذي عرّف بهذه الشخصية بشكل مفصل.

ولد شمس الدين العجيمي في تونس العاصمة يوم 5 جوان 1907. ينحدر من عائلة ذات نفوذ، حيث كان والده رئيس مصلحة بإدارة الداخلية. هذا الانتماء العائلي والمجتمعي يضعه مباشرة ضمن الطبقة البرجوازية المتنفذة في المجتمع التونسي. وقد تعزز هذا الانتماء بعلاقاته المتينة بالبرجوازية التونسية، ونسبه إلى الأمير عبد الرحمن، وزواجه من ابنة محمد بن رمضان، رئيس الكتلة التونسية في المجلس الكبير، مما يؤكد عمق جذوره في النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع التونسي آنذاك.

أما على الصعيد التعليمي، فقد درس العجيمي بمعهد كارنو، ثم واصل تعليمه العالي بجامعة الحقوق بباريس، ليتحصل على شهادة المحاماة. هذا المسار التعليمي المرموق يضعه ضمن النخبة التونسية المثقفة، في جيلٍ يضم قامات مثل الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف. ثقافته الواسعة وتمرسه بعالم الصحافة كان واضحاً، حيث كان مراسلاً صحفياً منذ أن كان طالباً لبعض الصحف التونسية كـ"النهضة" و"صوت التونسي". كما ساهم في تحرير جريدتي "لو كرواسان" (Le croissant) و"لا جون تونيزي" (La jeune Tunisie)، مما يدل على عمق انخراطه في الحقل الفكري والإعلامي.

2. نشاط العجيمي الوطني: من الحزب الدستوري إلى دعم "المحور"

لا يمكن إنكار النشاط الوطني لشمس الدين العجيمي. لقد انتمى في البداية للحزب الحر الدستوري، ثم أصبح عضواً في الحزب الدستوري الجديد بعد عام 1934، وتقلد خطة مستشار بلدي بتونس. ويشير روجيه كاسماجور في كتابه إلى أن شمس الدين العجيمي، إلى جانب صالح بن يوسف والطاهر الأخضر، قاد مظاهرات تندد بالإجراءات التعسفية للمقيم العام بيروتون ضد مناضلي الحزب الدستوري الجديد في 4 سبتمبر 1934، بل وتم استقبالهم من طرف المقيم العام، مما يؤكد دوره الفاعل في النضال المباشر ضد الاستعمار.

تواصل نشاط العجيمي الوطني من خلال مساندته للحركة المنصفية (حركة الأمير محمد المنصف باي). هذه المعطيات تؤكد أن شمس الدين العجيمي كان من المناضلين الوطنيين. وفي سياق نضاله هذا، يُفهم تعامله مع المخابرات الألمانية أثناء الاحتلال الألماني لتونس؛ فالعديد من الوطنيين التونسيين انحازوا إلى "قوات المحور" (ألمانيا وإيطاليا) في تلك الفترة، ظناً منهم أن ذلك قد يخلصهم من الاستعمار الفرنسي. هذا الموقف لا يمكن أن يفسر بالعمالة البسيطة، بل يجب وضعه في سياق "سياسة المساومة" أو "الانتهازية السياسية" التي اتبعها بعض الوطنيين في محاولة لإيجاد حليف ضد المستعمر الأساسي. فالعجيمي، وإن كان يميل لسياسة الدول الكليانية، فإن هذا الميل لم يلغِ عنه صفة المناضل الوطني ضمن النخبة التونسية.

3. "الاتحاد والترقي": حركة البرجوازية النخبوية ورؤية الإصلاح

مع نهاية الأربعينات، أسس شمس الدين العجيمي حركة "الاتحاد والترقي". هذه الحركة، التي لم تكن نتاج الطبقة الكادحة أو الفقيرة، بل جاءت من رحم الطبقة البرجوازية التونسية بحكم علاقات رئيسها وعائلته المالكة، طرحت رؤية إصلاحية مغايرة عن رؤى الحزبين الدستوريين. مقالاته الصحفية، التي تشير إلى ثقافته الواسعة وتمرسه بعالم الصحافة، كانت تعكس هذه الرؤية.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل أثر انتماء العجيمي الطبقي على الأداء السياسي للحركة، وجعلها تدافع بالضرورة عن مصالح البرجوازية المتنفذة في المجتمع التونسي؟ أم أن انتماءه الطبقي لم يحل دون دفاعه عن الطبقة المهمشة والكادحة؟ هذه التساؤلات لا يمكن الإجابة عنها إلا عند التطرق إلى الممارسة الفعلية للحركة على أرض الواقع، ولكن ميلها نحو "حركة صالونات" كما وصفها صلاح الدين التلاتلي، يشير إلى ابتعادها عن القاعدة الشعبية.

4. محاولة اغتيال شمس الدين العجيمي: كشفٌ لعمق الصراع الزعامي

لعل أبرز ما يكشف عمق الصراع الزعامي وتشنجه في تونس تلك الفترة، هو محاولة اغتيال شمس الدين العجيمي في 22 أبريل 1949، والتي كانت تتويجاً لصراع بدأ منذ عام 1948 بين "الاتحاد والترقي" والحزب الدستوري الجديد.

تقرير استعلامات الإقامة العامة ليوم 22 أبريل 1949 يورد معلومات مقتضبة حول الفاعل، علي بن صالح بن أحمد بن عائشة الجندوبي، المتورط سابقاً في قضية "الهلال" سنة 1947. التقرير يشير إلى تباين ردود الفعل: البعض يأسف لعدم بلوغ القاتل هدفه، وبعض الأوساط ترى أن العملية ستدعم موقف العجيمي المعادي للحزب الدستوري الجديد، فيما تندد أوساط أخرى بالعمل العنيف. تصميم الجندوبي على القتل، حيث أطلق ثلاث رصاصات، يؤكد خطورة الموقف.

مقالات "لاكسيون ناسيونال" (L’action nationale)، لاسيما مقال "المذنبون الحقيقيون" (Les Vrais Coupables) بتاريخ 30 أبريل 1949، تكشف أن المعتدي أكد في التحقيق تأثره بالصحافة التحريضية، واعتبر أن شمس الدين العجيمي "خائن ويجب القضاء عليه". هذا يشير إلى أن الحملات الصحفية الموالية للدستور، والتي اتهمت العجيمي بالخيانة، كانت سبباً مباشراً في تحفيز هذا الاعتداء.

يمكن تلخيص أسباب محاولة الاغتيال التي أوردتها "لاكسيون ناسيونال" في الآتي:


  • محاولة القضاء على حركة "الاتحاد والترقي" لأن لها رأياً مخالفاً للحزب الحر الدستوري"الجديد".
  • المقالات التحريضية للصحف الموالية للدستور الجديد هي من دفعت المعتدي لارتكاب فعلته.
  • إظهار أن الحزب الحر الدستوري قوي وقوته لا تضاهى.
  • محاولة الاغتيال كانت بمثابة خروج من المأزق الذي وضعهم فيه أمين مال لجنة مساعدة فلسطين، محمد صالح خرتاش (في إشارة إلى شبهات فساد مالي).

في تحليل أعمق، يمكن القول إن أهم سبب للاغتيال كان تجرؤ شمس الدين العجيمي على المساس بالصورة المثالية أو "القدسية" التي يتمتع بها الزعماء الدستوريون، خاصة صالح بن يوسف، لدى الشعب التونسي. لقد شن العجيمي حملات صحفية لاذعة عبر جريدته، حاول فيها كشف "عوراتهم" وبيان "خطأ سياستهم". وقد أعانه في ذلك "الدستور القديم" عبر صحيفته "النهضة"، بل وزوّدوه بوثائق لاستثمارها ضد "الدستور الجديد". هذا يكشف أن العجيمي ورفاقه امتلكوا جرأة نقدية نادرة، لم يملكها غيرهم.

لقد أحدث شمس الدين العجيمي "نقلة نوعية" في مجال الصحافة السياسية التونسية، جاعلاً إياها أكثر جرأة. لقد أحدث "رجّة" في الصحافة الدستورية، مما دفعها للرد بصفات سلبية وسيئة، ونزلت في كثير من الحالات إلى مستوى "الصحافة المبتذلة والرديئة". لكن العجيمي لم ينزل إلى هذا المستوى، بل أظهر مستوى راقياً في الكتابة الصحفية، وحاول مواجهة كل التهم المنسوبة إليه وإلى حركته بعقلانية وفكر نقدي محترم، وبلغة فرنسية راقية موجهة أساساً للنخبة.

من يقف وراء محاولة الاغتيال؟

ألقت جريدة "لاكسيون ناسيونال" بأصابع الاتهام مباشرة نحو الحزب الحر الدستوري الجديد وصحافته بالتحريض على القتل. ففي مقال "المتورطون الحقيقيون" (Les Vrais Coupables)، أوردت الجريدة مقطعاً من جريدة "الرقيب" صدر يوم 12 أبريل 1949، يحمل "تحريضاً مباشراً على تصفية وإهدار دم شمس الدين العجيمي".

كما أشار مقال آخر بعنوان "الصمت ذو الدلالة" (Le Silence Significatif) إلى أن الصحافة الرسمية للدستور الجديد (مثل "MISSION"، "الحرية"، "الزهرة") لم تتعرض لمحاولة الاغتيال، فلم تعلق أو تحذر أو تندد. هذا الصمت، حسب "لاكسيون ناسيونال"، يدل على تورط الحزب الحر الدستوري في الوقوف وراء الاعتداء. إضافة إلى ذلك، أُثيرت شبهات حول التلاعب بالأموال المجمعة لفائدة فلسطين كسبب مباشر للاغتيال، من أجل "تغطية أخطاء سياسية واختلاس الأموال المرصودة لفلسطين".

لا توجد أدلة وبراهين مباشرة تؤكد تورط الحزب الحر الدستوري الجديد المباشر في محاولة الاغتيال. ومع ذلك، فإن الأدلة التي أوردتها "لاكسيون ناسيونال" تتهم الدستور الجديد والصحافة الموالية له بالتورط غير المباشر من خلال التحريض. دعم محامين من الحزب الحر الدستوري الجديد (مثل الهادي نويرة) للمتهم، وطلبهم الدفاع عنه، رغم عدم قبولهم، يؤكد مساندتهم لهذه الجريمة بشكل غير مباشر.

يتضح أن محاولة الاغتيال لم تكن مجرد مبادرة شخصية من علي الجندوبي، بل كانت هناك "تشجيع ومباركة من الرأي العام الدستوري" من أجل "التصفية السياسية" لشمس الدين العجيمي. لقد استطاع العجيمي أن يبث القلق والحيرة والتوتر في صفوف القيادات الدستورية، لا سيما الزعيم صالح بن يوسف، الذي كان مسيطراً على الساحة السياسية في غياب الحبيب بورقيبة (المتواجد في مصر منذ 26 مارس 1945). كان بن يوسف فظاً في تعامله مع حركة "الاتحاد والترقي"، ولم تكن لديه القدرة على استيعابها أو استثمار أفكار أصحابها، بل حرض الرأي العام وهدد أصحاب الصحف الموالين للحركة. صمت صالح بن يوسف عن الحملات الصحفية التي مست شخص شمس الدين العجيمي وعرضه، أدى في النهاية إلى محاولة اغتياله.

خاتمة:

إن دراسة شخصية شمس الدين العجيمي تكشف لنا عن طبقات معقدة في تاريخ النضال الوطني التونسي، تتجاوز السرديات الثنائية المعتادة. إنه يمثل نموذجاً لـ"الوطنية الأخرى"، التي قد لا تتوافق مع الأيديولوجيات السائدة، لكنها تحمل في طياتها رؤى إصلاحية جريئة ومواقف مبدئية صلبة. لم يكن العجيمي عميلاً، بل كان مناضلاً من نخبة برجوازية مثقفة، أخذ على عاتقه مهمة نقد الفساد السياسي والتجاوزات، حتى لو كلفه ذلك التهديد بحياته التي انتهت بظروف غامضة في صيف عام 1949، لتضيف فصلاً مؤلماً وغامضاً في سجل حياة هذا الرائد.

قصته ومحاولة اغتياله لا تُبرز فقط عمق التنافس الزعامي، بل وتُسلّط الضوء على خطورة التخوين والتحريض الإعلامي في بيئة سياسية متوترة، وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى العنف، وإلى مصائر مجهولة لشخصيات أثرت المشهد. إن إهمال شخصيات مثل شمس الدين العجيمي من السرد الرسمي هو إفقار لذاكرة الأمة، وحرمان للأجيال من فهم أعمق لتعقيدات تاريخها. إعادة الاعتبار لشخصيات مثل العجيمي، وتأطيرها ضمن سياقاتها التاريخية المعقدة، هو خطوة ضرورية نحو كتابة تاريخ وطني أكثر شمولية ونضجًا، تاريخ يعترف بتعدد الرؤى والأدوار، ويستلهم دروساً من كل الفصول، المنيرة منها والمُعتّمة.


المراجع والمصادر:

  • النجار، حسن. حركة الاتحاد والترقي ورئيسها شمس الدين العجيمي. بحث لنيل شهادة الماجستير بإشراف د. الهادي التيمومي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2014.
  • Casemajor, Roger. L’action nationaliste en Tunisie. Sud. Edition.
  • L’action nationale. "المذنبون الحقيقيون". عدد 7، السبت 30 أبريل 1949.
  • L’action nationale. "الصمت ذو الدلالة". عدد 7، السبت 30 أبريل 1949.
  • L’action nationale. "حول اعتداء". عدد 7، السبت 30 أبريل 1949.
  • المعهد الأعلى لتاريخ تونس المعاصر. أرشيف الإقامة العامة بنانت، أرشيف عدد 1876، الملف 2، وثيقة عدد 510.
  • المعهد الأعلى لتاريخ  تونس المعاصر. أرشيف الإقامة العامة بنانت، أرشيف عدد 1876، الملف 2، وثيقة عدد 551.

ملاحظة: حاولت جاهدا الحصول على صورة لشمس الدين العجيمي و لكن لم أفلح..فرجاء لمن يملك صورة لهذا الزعيم يرسل لنا نسخة مصورة عبر البريد najjarhassen71@gmail.com


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق