الأحد، 13 يوليو 2025

الزّعيم السياسي : محرّك الجماهير (نظريّة قوستاف لو بون Gustave Le Bon)


     تُعد ظاهرة القيادة السياسية وتحريك الجماهير من أقدم وأكثر الظواهر الاجتماعية تعقيداً وجذباً للدراسة. فكيف يتشكل الزعيم؟ وما هي الآليات النفسية التي تمكنه من التأثير في الجموع وتوجيه مسارها؟ في هذا السياق، يبرز اسم المفكر الفرنسي غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) وكتابه الرائد "سيكولوجية الجماهير" كمرجع أساسي لفهم العلاقة بين الزعيم والجماهير. لقد بوأ هذا العمل لوبون مكانة رفيعة في عالم الفكر والمعرفة، واعتُمدت نظرياته من قبل العديد من الباحثين في دراساتهم لظاهرة الحشود والقيادة.

يهدف هذا المقال إلى الغوص في رؤية غوستاف لوبون للزعيم السياسي، محللاً المحاور الأساسية لنظريته. سنتناول مفهومه لضرورة وجود الزعيم، وطبيعة العلاقة بينه وبين الجماهير التي يصفها بـ"القطيع"، مع تسليط الضوء على سماته التي قد تبدو غريبة، ككونه صاحب فكرة وليس بالضرورة رجل فكر، أو ميله للعصاب والاضطهاد. كما سنبحث في نفوذ الزعيم ودوره الأساسي في بث الإيمان، وأنواع الزعماء التي حددها، والوسائل التي يستخدمها لفرض سلطته، وصولاً إلى مفهوم الهيبة الكاريزماتية لديه. من خلال تحليل هذه الجوانب، نسعى لتقديم فهم شامل لتصور لوبون للزعيم السياسي كمحرك للجماهير، وكيف يمكن أن تنطبق بعض هذه الملاحظات على شخصيات قيادية مؤثرة في التاريخ الإنساني، بمن فيهم أولئك الذين رسموا ملامح الصراعات الزعامية في تونس.



I. ضرورة وجود الزعيم

إنّ وجود الزّعيم أو القائد بالنسبة لقوستاف لوبون ضروري سواء بالنسبة للإنسان أو الحيوان، ﻓ " ما إن يتجمّع عدد من الكائنات الحيّة، سواء أكان الأمر يتعلّق بقطيع من الحيوانات أو بجمهور من البشر، حتّى يضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سلطة زعيم ما، أي محرّك للجماهير أو قائد."

إنّ وجود القائد هو أمر غريزي أو فطري بالنسبة للإنسان، والقائد هو بمثابة الرّاعي والجماهير هي القطيع: " والجمهور عبارة عن قطيع لا يستطيع الإستغناء عن سيّد." وبذلك فهو يفرض عليهم إرادته " التي تتحلّق حولها الآراء وتنصهر فيها."

نلاحظ أنّ تصوّر قوستاف لوبون للزّعيم السياسي لا يخرج عن إطار الزّعامة الإستبداديّة التي أشرنا إليها سابقا في هذا البحث، والزّعيم بالنّسبة إليه هو الذي يفرض إرادته على الجماهير بأي شكل من الأشكال، فالزّعيم هو الرّاعي والجماهير هي بمثابة القطيع المطيع والمنقاد لأوامره.

II. الزّعيم السياسي: صاحب فكرة وليس رجل فكر

يرى قوستاف لوبون أنّ الزّعيم السياسي هو صاحب فكرة يسعى لتحقيقها والدفاع عنها بكل استماتة؛" والقائد كان في الغالب في البداية شخصاً مقوداً منبهراً بالفكرة التي أصبح فيما بعد رسولها ومبشّراً بها. فقد غزته وهيمنت عليه إلى حدّ اختفاء كلّ شيء آخر ما عداها، وكل رأي معاكس لها يبدو له خطأ وخزعبلات..."، إلاّ أنّ هذا الزّعيم السياسي ليس برجل فكر: "إنّ القادة ليسوا في الغالب رجال فكر، ولا يمكنهم أن يكونوا، وإنّما رجال ممارسة وانخراط. وهم قليلو الفطنة وغير بعيدي النّظر."

الزّعماء ورجال السياسة بالنسبة لقوستاف لوبون ليسوا بأصحاب فكر وذلك لانخراطهم في عالم الممارسة السياسية. ولكن يمكن أن تكون توجّهاتهم ورؤاهم السياسية استشرافية وتتّصف ببعد النظر وذلك خلافاً لما ذهب إليه "لوبون"؛ إذ العديد من الزّعماء كان لهم تأثير على المدى البعيد بفضل خياراتهم الشخصية وإنجازاتهم والأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها.

الواضح أنّ قوستاف لوبون كان يقصد من خلال مقارَبته فئة خاصّة من الزّعماء السّياسيين غير العاديين، وسنتبيّن ذلك من خلال عرض مواصفات الزّعيم السياسي حسب لوبون.

III. مواصفات الزّعيم السياسي

مواصفات الزّعيم السياسي التي بسطها قوستاف لوبون -رغم غرابتها- فقد أثبت التاريخ في بعض الحالات صحّتها، فبالإضافة إلى أنّ الزّعيم السياسي ليس رجل فكر، فهو يتميّز بالعصاب وبالإهتياج وهو من بين أنصاف المعتوهين الذين يقفون على حافّة الجنون: "ونحن نعثر عليهم عادة في صفوف المصابين بالعصاب، وفي صفوف المهتاجين وأنصاف المعتوهين الذين يقفون على حافّة الجنون." كما أنّ "الإحتقار الذي يلقونه من الآخرين أو الإضطهاد لا يفعلان إلا أن يزيدا من إثارتهم وتهييجهم أكثر فأكثر. فهم مستعدّون للتضحية بمصالحهم الشخصية وبعائلاتهم وبكل شيء إذا لزم الأمر. وحتى غريزة حبّ البقاء تمّحي لديهم إلى درجة أنّ المكافأة التي يرجونها غالباً هي الإستشهاد". وهم يتميّزون " بقوّة تحريضية كبيرة" بفعل إيمانهم الكبير بالفكرة، و " الكثرة تصغي دائماً للإنسان المزوّد بإرادة قويّة".

ألا تنطبق هذه المواصفات على بعض الزّعماء الذين أثّروا بشكل كبير في التاريخ الإنساني مثل إسكندر المقدوني وهتلر وموسوليني وغيرهم...؟ من المؤكّد أنّ قوستاف لوبون في دراسته حول الزّعيم السياسي يقصد زعيماً سياسياً مخصوصاً، يقلّ وجوده في التّاريخ الإنساني، والذي له القدرة على تغيير وجهة التّاريخ بكيفية مؤثّرة وعميقة من خلال استعمال نفوذه.

IV. نفوذ الزّعيم ودوره

1. نفوذ الزّعيم:

إنّ نفوذ الزّعيم السياسي بالنسبة لقوستاف لوبون هو نفوذ عابر وغير دائم، و"الشعوب لم ينقصها أبداً قادة في التاريخ. ولكنهم لا يمتلكون جميعاً تلك القناعات القوية التي تصنع الرسل. فهؤلاء القادة هم غالباً عبارة عن خطباء ماهرين لا يفكرون إلا بمصالحهم الشخصية. وهم يحاولون إقناع الجماهير عن طريق دغدغة الغرائز الوضيعة. وبالتالي فإنّ النفوذ الذي يمارسونه على النّاس يظلّ دائماً مؤقّتاً وعابراً." فسلطة الزّعيم هي مؤقّتة وغير دائمة ولكنّها في نفس الوقت هي سلطة استبدادية: "إنّ سلطة القادة استبدادية جدّاً، ولا تتمكّن من فرض نفسها إلا بواسطة هذه الإستبداديّة." وهذا يعني أنّ الزّعيم قد يفقد زعامته إذا ما فقدت هذه الزّعامة طابعها الإستبدادي.

2. دور الزّعيم:

إنّ الدّور الأساسي للزّعيم السياسي حسب قوستاف لوبون يتمثّل في "بثّ الإيمان سواء أكان هذا الإيمان دينياً أم سياسياً أم اجتماعياً، إنّهم يخلقون الإيمان بعمل ما، أو بشخص ما، أو بفكرة ما. ومن بين كلّ القوى التي تمتلكها البشريّة نجد أنّ الإيمان كان إحدى أهمّها وأقواها." ويشير هنا إلى أهمّية الجانب الإيديولوجي والعقائدي الذي يسعى الزّعيم إلى ترسيخه وبثّه في صدور الأتباع وذلك من أجل بسط نفوذه وسلطته وتخدير الجماهير.

V. أصناف الزّعماء السياسيين ووسائل عملهم

1. أصناف الزّعماء السياسيين:

لقد قام قوستاف لوبون بتقسيم الزّعماء السياسيين أو كما يصفهم بمحرّكي الجماهير إلى قسمين:

القسم الأوّل: "رجال نشطون ذوو إرادة قويّة ولكن آنية ومؤقّتة." وهم القادة السياسيين العاديّون.

القسم الثاني: زعماء "يمتلكون إرادة قويّة ودائمة في آن معاً." وهم بالخصوص الأنبياء الذين تتجمع لديهم الزّعامة السياسية والزّعامة الدينية التي لا تزول بموتهم.

2. وسائل العمل التي يستخدمها الزّعماء السّياسيين:

يلتجئ الزّعيم السياسي حسب لوبون إلى ثلاثة وسائل من أجل فرض سلطته على الأتباع وتتمثّل في أسلوب التأكيد وأسلوب التكرار وأسلوب العدوى. ﻓ" عندما نريد أن ندخل الأفكار والعقائد ببطء إلى روح الجماهير (كأن ندخل النظريات الإجتماعيّة الحديثة مثلاً) فإننا نجد أنّ أساليب القادة تختلف. فهم يلجؤون بشكل أساسي إلى الأساليب الثلاثة التالية: أسلوب التّأكيد، وأسلوب التكرار، وأسلوب العدوى. لا ريب في أنّ تأثيرها بطيء ولكنّه دائم." والمقصود بأسلوب العدوى هو التأثير الذي يحدث من خلال تيّار الرّأي العام. وذلك ما يمكن ملاحظته في الحملات الدعائية في جلّ المنافسات والصراعات الزعامية، إذ نرى الزعماء يؤكدون ويكررون أفكارهم ويحاولون نشرها عبر مختلف وسائل الإعلام، وقد لمسنا هذا الأمر خلال مرحلة الصراع العلني بين الزعيمين صالح بن يوسف والحبيب بورقيبة. كما لاحظنا خلال هذه المرحلة أنّ الزّعيمين يتعمّدان تكرار نفس الفكرة في خطب وتصريحات عديدة.

VI. هيبة الزّعيم

يقول قوستاف لوبون بخصوص هيبة الزّعيم: "وكلّ ما هيمن في العالم، من أفكار أو بشر، فرض نفسه أساساً عن طريق القوّة التي تعبّر عنها كلمة هيبة. ونحن نعرف جميعاً معنى هذه الكلمة، ولكنّهم يطبّقونها بأشكال مختلفة جدّاً. وبالتّالي فليس من السّهل تحديدها بدقّة. والهيبة يمكنها أن تشتمل على بعض العواطف كالإعجاب والخوف. وهما يشكّلان أحياناً أساسها وقاعدتها. ولكن يمكنها أن توجد بدونهما. والدّليل على ذلك أنّ بعض الأشخاص الموتى كالإسكندر المقدوني والقيصر ومحمد وبوذا لا يزالون يحظون حتّى الآن بهيبة كبيرة على الرّغم من أنّنا لم نعد نخشاهم."

كما يضيف قوستاف لوبون في هذا الشأن قائلاً: "إنّ قادة البشر الكبار من أمثال بوذا والمسيح ومحمد وجان دارك ونابليون يمتلكون هذا النّوع من الهيبة الشّخصية في أعلى درجاتها. وعن طريقها بالذّات استطاعوا أن يفرضوا أنفسهم."

خاتمة المقال:

إنّ الكثير من الآراء التي بسطها قوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيّة الجماهير"، قد أثبت التّاريخ صحّتها. وقد نختلف معه في الكثير من أفكاره، وقد نعجب بها في بعض الحالات. ولكن ما يميّز قوستاف لوبون هو أنّه قدّم نظريّة متكاملة في علم نفس الجماهير. والملفت أيضاً، أن هذا العالم الرّائد في علم النّفس الإجتماعي قد اهتمّ بصفة مبكّرة وقبل نشأة ما يسمى بعلم الزّعامة بالزّعيم السياسي ودرسه دراسة علميّة ونفسيّة.

إنّ الأفكار التي قدّمها قوستاف لوبون حول الزّعيم السياسي "لا تنطبق إلاّ على القادة الكبار، وهؤلاء نادرون جدّاً إلى حدّ أنّه يمكن تعدادهم على مدار التّاريخ." وقد اشتغل عليهم ماكس فيبر الذي قدّم لنا مقاربة نظريّة حول الزّعيم الكاريزماتي. علماً وأنّ قوستاف لوبون قد عبّر عن كاريزما الزّعيم السياسي وذلك قبل أن يبلورها ماكس فيبر في إطار نظريّ عند حديثه عن شخصيّة نابليون بونابارت وذلك عندما وصفه بأنّ له "قدرة الزّعيم الجبّارة للجاذبية الشخصيّة".


د. حسن النجار


قوستاف لو بون Gustave Le Bon هو مؤسّس علم نفس الجماهير، ولد في منطقة النورماندي بفرنسا عام 1841 و توفّي في باريس سنة 1931. كتب في العديد من الفروع و المجالات العلمية . لقد ألّف ما يزيد عن 50 كتابا. و من أهم الكتب التي ألّفها و لاقت رواجا كبيرا في عصره يمكن أن نذكر: حضارة العرب(1884)، حضارات الهند(1887) الحضارات الأولى(1889)، القوانين النفسية لتطور الشعوب(1894)، سيكولوجية الجماهير(1895)، سيكولوجية الإشتراكية، الآراء و العقائد(1911)، الثورة الفرنسية و سيكولوجية الثورات، حياة الحقائق(1914)...، عن لوبون(قوستاف)، سيكولوجية الجماهير،ترجمة هاشم صالح، دار السّاقي،الطبعة الأولى 1991.

المراجع:

- النجار حسن، المعارضة اليوسفية: صراع زعامات أم صراع خطط و استراتيجيات، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية، تونس، 2020.

- لوبون(قوستاف) سيكولوجية الجماهير،ترجمة هاشم ص

الح، دار السّاقي،الطبعة الأولى 1991.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق