تعتبر البورقيبية، بوصفها نهجًا
سياسيًا مرتبطًا بشخصية الزعيم الحبيب بورقيبة، محطة محورية في تاريخ تونس
المعاصر، ليس فقط في مسيرة النضال من أجل الاستقلال، بل وفي تشكيل ملامح الدولة
الوطنية بعده. لقد حدد بورقيبة لنفسه خططه الخاصة من أجل تحقيق رهاناته ومشاريعه
وأهدافه الاستراتيجية. وقد عُرفت البورقيبية، بل وعرّفت نفسها، بسياسة المراحل،
القائمة على مبدأ "التقدم خطوة بخطوة وضعية ممهدة لأخرى". يثير هذا
المبدأ تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه السياسة: هل كانت استراتيجية واقعية وضرورية
لتحقيق الاستقلال، أم أنها شكلت تنازلاً عن المبادئ الوطنية الجوهرية؟ هذا التباين
في وجهات النظر بين البورقيبيين واليوسفيين يمثل في الحقيقة لب الخلاف بين
الاتجاهين. ويهدف هذا المقال إلى تحليل سياسة المراحل البورقيبية من زاويتين
أساسيتين: الأولى، كيف وظفت هذه السياسة لتحقيق الاستقلال، والثانية، كيف ارتبطت
بهدف بورقيبة في الانفراد بالزعامة والسلطة.
1. سياسة المراحل: بين تحقيق الاستقلال
والتنازل عن المبادئ
لقد ارتكزت البورقيبية على سياسة
المراحل كنهج أساسي لتحقيق هدفين رئيسيين: نيل الاستقلال والوصول إلى الزعامة.
أدلى الحبيب بورقيبة بتصريح بعد
زيارة "منداس فرانس" لتونس في 31 يوليو 1954، جاء فيه: "تشكل هذه
المقترحات خطوة جوهرية وحاسمة في طريق استعادة السيادة الكاملة لتونس. ولا يزال
الاستقلال هو المثل الأعلى للشعب التونسي، لكن المسيرة نحو هذا المثل الأعلى لم
تعد تأخذ طابع صراع بين الشعب التونسي وفرنسا. وسيتم ذلك عن طريق التعديلات
والترتيبات بين الحكومة الفرنسية والحكومة التونسية، في ظل الثقة المتبادلة
والصداقة الموجودة".
اعتبر الحبيب بورقيبة صالح بن يوسف
من "الوطنيين المغالين"، شأنه شأن غلاة الاستعمار، وذلك عند رده على
تصريح صالح بن يوسف الذي قدم فيه خمسة شروط لمواصلة التفاوض مع فرنسا. حيث قال
بورقيبة: "سوف تفرض استراتيجية الحلول الوسطى نفسها في نهاية المطاف عاجلاً
أو آجلاً على المتشبثين بالنزعة الوطنية المغالية وكذلك على غلاة الاستعمار."
إن "استراتيجية الحلول الوسطى" المقصودة هي -حسب الظن- استراتيجية
الحبيب بورقيبة الشاملة التي تهدف إلى ربط تونس بالغرب واعتبارها جزءاً منه. وهذه
الاستراتيجية كانت مرفوضة سواء من طرف اليوسفيين "المتشبثين بالنزعة الوطنية
المغالية" أو من طرف المتطرفين من "غلاة الاستعمار" ومن ساندهم من
اليمين الفرنسي.
وفي تصريح للطاهر بن عمار عند انطلاق
المفاوضات لصحيفة "لنفورماسيون" (L’information) نقلته جريدة البلاغ، قال فيه: "إننا
اضطررنا إلى أن نتجاوز وطنيتنا بينما كانت تسيطر علينا وسأطلب من مفاوضينا أن
يتجاوزوا هم أيضاً وطنيتهم." إن تجاوز الوطنية هنا يعني التنازل عن مبادئ
الحزب الحر الدستوري الجديد وعن المبادئ الوطنية، وعلى رأسها مبدأ الاستقلال غير
منقوص السيادة، وهو مبدأ حيوي وهام يتعارض مع سياسة المراحل المعتمدة من طرف
الزعيم الحبيب بورقيبة، والتي ترتكز في حقيقة أمرها على التنازل عن بعض مبادئ
الحزب. و"تجاوز الوطنية" لا يمكن أن ينطبق على فرنسا لكونها بلداً
محتلاً ومغتصباً لحقوق الشعب التونسي.
لقد اعتمد الحبيب بورقيبة والفريق
المفاوض على سياسة التنازل من أجل الوصول إلى اتفاقيات لم ترض اليوسفيين، لأنها
كانت عائقاً في سبيل الحصول على استقلال مشرف وسيادة كاملة. وتلك التنازلات في
مفاوضات الاستقلال الداخلي هي التي أدت في نهاية الأمر إلى استقلال في كنف
التكافل.
تجلت الخطة التي اعتمدها الحبيب
بورقيبة لربط تونس بفرنسا وتحقيق الاستقلال في ظل التكافل، في التنازل عن ثوابت
الهوية التونسية، والتضحية بمصالح تونس الاقتصادية. وقد وجد نفسه في آخر المطاف،
ونتيجة لسياسة المراحل، مجبراً على خوض حرب الجلاء التي كلفت خسائر مادية وبشرية
عظيمة في صفوف التونسيين.
لم يكن للحبيب بورقيبة من خيار لربط
تونس بالمجال الغربي إلا التنازل عن المبادئ التي سطرها الحزب الحر الدستوري، سواء
في مؤتمر ليلة القدر أو في مؤتمر 18 يناير 1952، مما نتج عنه إبرام اتفاقيات لا
تؤدي إلى استقلال كامل السيادة. ثم كان التسرع في إمضاء بروتوكول الاستقلال في
إطار التكافل من أجل وضع حد لتوسع وانتشار المعارضة اليوسفية المدعومة من النظام
الناصري والمتمسكة بمبادئ الحزب الحر الدستوري الجديد والمتشبثة باستقلال كامل
وغير منقوص. ونظام التكافل في نهاية الأمر ما هو إلا رباط غير متوازن بين دولة
استعمارية قوية وأخرى ضعيفة، من شأنه أن يؤبد حالة الخضوع لشكل جديد من الاستعمار.
وهذا النظام أو الرباط يحمل في ثناياه مضامين اقتصادية وثقافية.
وقد كان الحبيب بورقيبة من المعادين
للنظام الشيوعي، وقد عبر عن معاداته للشيوعية في تصريحات عديدة. ومن المفارقات أن
اليسار الفرنسي كان من المساندين والداعمين للحبيب بورقيبة، فالحزب الاشتراكي
الفرنسي (S.F.I.O)
هو الذي قدم له العون من أجل بث دعايته سواء داخل البلاد أو خارجها، ومن خلاله وجد
الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد المدخل المناسب من أجل التفاوض مع فرنسا.
ونقلاً عن أحمد المستيري، فإن
كريستيان بينو (Christian Pineau)، وهو من قادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، قد
صرح للهادي نويرة في أكتوبر 1953 بأن دخول الحزب الاشتراكي إلى الحكومة هو الأمر
الوحيد الذي سيؤدي إلى التغيير السياسي. وذلك ما حصل فعلاً عند ترؤس منداس فرانس
للحكومة.
إن مسك اليسار الفرنسي بمقاليد الحكم
لا يعني انفصال فرنسا عن العالم الحر. فما المقصود بـ"العالم الحر"؟
"العالم الحر" هو العالم
الليبرالي، والليبرالية حسب تعريف المعجم النقدي لعلم الاجتماع هي مجموعة من
"التوجهات النظرية والعملية الضعيفة التكامل، تشكلت خلال العملية التاريخية
للعلمنة وتخصص السلطة السياسية. إن الأيديولوجيات الأولى التي ألصقت بها صفة
الليبرالية تهتم بمسألة الحكومة وبالعلاقات بين مختلف هيئاتها وبعلاقات هذه
الهيئات مع الخاصة. وبالإجمال لقد بدئ بإطلاق اسم الليبراليين على أخصام
الاستبدادية، أياً تكن طبيعة هذه الاستبدادية..."
لقد استعملت عبارة "العالم
الحر" بشكل مكثف خلال الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة. والمقصود
بها خلال الحرب الأولى قوات التحالف التي كانت تواجه الأنظمة الفاشية، ثم خلال
الحرب الباردة كان المقصود بها القطب الغربي المتمثل في الولايات المتحدة
الأمريكية وحلفائها في مواجهة المد الشيوعي. إن هذه العبارة تحمل مضموناً
أيديولوجياً غربياً وأمريكياً بالأساس، يعتبر الشعوب الأخرى خاضعة لأنظمة العبودية
أو الاستبداد. كما أن هذه العبارة تحمل في ثناياها مضموناً اقتصادياً يعود إلى آدم
سميث وعبارته المشهورة: "دعه يعمل دعه يمر". ودول حلف الأطلسي قائمة على
الاقتصاد الحر. فكيف كانت خطط الحبيب بورقيبة من أجل ربط البلاد التونسية
بالاقتصاد الحر؟
قبل الاستقلال، عمل الحبيب بورقيبة
على توطيد علاقته بالقنصل الأمريكي "هوكر دوليتل" الذي لعب دوراً في فك
الحصار عن الحبيب بورقيبة أثناء الحرب العالمية الثانية (1943-1945)، وتبرئته من
تهمة التعاون مع قوات المحور. كما زار الحبيب بورقيبة الولايات المتحدة الأمريكية
سنة 1947 من أجل إيجاد دعم للقضية التونسية. فسعي الحبيب بورقيبة لربط علاقات
سياسية وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد ميله نحو الغرب الرأسمالي
و"العالم الحر".
كما أن الحبيب بورقيبة قد قبل
بالاتفاقيات التي في جانبها الاقتصادي جعلت تونس مرتبطة بالاقتصاد الفرنسي الذي
ينتمي إلى العالم الحر. إذن، فإن البورقيبية اتجهت في بادئ الأمر إلى العالم
الرأسمالي الحر إلى حدود الستينات، حيث سيطر الاتحاد العام التونسي للشغل على
السياسة الاقتصادية للدولة من خلال فرض أحمد بن صالح الاشتراكي لخيار التعاضد،
الذي لا يعني بالضرورة أن البورقيبية قد تخلت عن خياراتها التغريبية في السياسة
والثقافة والاقتصاد.
وقد ساند الاتحاد العام التونسي
للشغل التيار البورقيبي مساندة تامة سواء خلال مؤتمر صفاقس أو حتى بعد الاستقلال،
حيث ساند سياسة الحبيب بورقيبة عند ترؤسه لأول حكومة بعد الاستقلال. وقد قال أحمد
بن صالح، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في هذا الشأن: "وأعتقد
أني أخيب آمال عدد من ذوي النوايا السيئة حين أعلن وأؤكد أن الاتحاد العام التونسي
للشغل يساند بكل قواه سياسة الرئيس بورقيبة القومية."
إن خيار ربط البلاد التونسية
بالاقتصاد الحر مرتبط بالخيار الثقافي للحبيب بورقيبة وتأثره العميق بالثقافة
الفرنسية والغربية. كما أن هذا الخيار مرتبط أيضاً بالهدف السياسي الأكبر والمتمثل
في الحصول على الاستقلال في ظل التكافل. وقد رأينا أن التكافل يقتضي بالضرورة
رباطاً اقتصادياً لا فكاك منه بين تونس وفرنسا.
كما أن معاداة الحبيب بورقيبة
للأنظمة الفاشية، وذلك من خلال دعوته في رسالته الشهيرة للحبيب ثامر للوقوف في صف
فرنسا والعالم الحر خلال فترة الاحتلال النازي، يؤكد تعلقه بالعالم الحر. ثم
تصريحاته العلنية خلال الحرب الباردة التي عبر فيها عن رفضه ومعاداته للأنظمة
الشيوعية، وإن رفد المناضل سليمان بن سليمان "الشيوعي" من الحزب يندرج
ضمن هذا الإطار.
2. سياسة المراحل: من أجل تحقيق
الزعامة والانفراد بالسلطة
لقد عمل الحبيب بورقيبة منذ تأسيس
الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد على الانفراد بالزعامة الوطنية والحزبية.
عند عودة مؤسس الحزب الحر الدستوري
الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1937، سعى الحبيب بورقيبة في أول الأمر إلى استقطاب
هذا الشيخ وجلبه إلى صفوف الحزب الحر الدستوري الجديد وإبعاده عن اللجنة التنفيذية
للحزب الحر الدستوري القديم. ولما تيقن الحبيب بورقيبة أن الشيخ عبد العزيز
الثعالبي كان يسعى لإعادة الاعتبار لزعامته، قاومه هو وفريقه مما جعله ينسحب من
معركة الزعامة بعد أحداث العنف التي صاحبت هذا الصراع.
بعد انتصار الحبيب بورقيبة على
الثعالبي، استطاع أن يزيح محمود الماطري، رئيس الحزب الحر الدستوري الجديد، بكل
سهولة من رئاسة الحزب وإرغامه على الاستقالة بأساليب غير مباشرة. وإثر ذلك، انفرد
الحبيب بورقيبة بزعامة الحزب.
خلال هجرة الحبيب بورقيبة إلى
القاهرة، كانت الفرصة سانحة لصالح بن يوسف لكي يسيطر على جهاز الحزب، وقد شكل
مؤتمر دار سليم الذي انعقد في 17 أكتوبر 1948 تهديداً جدياً لزعامة الحبيب
بورقيبة، مما جعله يقرر العودة بعد التئام المجلس الملي للحزب الحر الدستوري
الجديد في صائفة 1949، حيث انتشرت إشاعة المطالبة بفصل الحبيب بورقيبة من الحزب
انتشاراً واسعاً رغم نفي هذا الخبر من طرف الكاتب القار للمجلس حسين بللعج من خلال
نشر بلاغ عبر أهم الصحف التونسية.
الخوف على الزعامة كان من أبرز دواعي
عودة الحبيب بورقيبة من الشرق في سبتمبر 1949. ولما عاد، قام بجولة دعائية واسعة
من أجل إعادة الاعتبار لزعامته التي كان يهددها صالح بن يوسف. وقد استطاع الحبيب
بورقيبة في ظرف تسعة أشهر من استعادة مكانته، وذلك بحكم كاريزما الزعيم التي كان
يتمتع بها وبفضل قدراته الخطابية المتميزة.
إضافة إلى كل ذلك، الحملة الدعائية
التي قام بها الحبيب بورقيبة عند زيارته لفرنسا بدعم من الحزب الاشتراكي الفرنسي،
حاملاً معه برنامج النقاط السبع، من أجل إيجاد حل للقضية التونسية ومحاولة منه لأن
يكون هو المحاور الجدير لدى فرنسا.
إن الهدف الاستراتيجي غير المعلن
والمتمثل في الانفراد بالزعامة، يتشارك فيه كل من الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح
بن يوسف. إلا أن الحبيب بورقيبة كانت له أسبقية في هذه الناحية نظراً لخوضه صراعين
زعاميين قبل مواجهة صالح بن يوسف. إن خطط الحبيب بورقيبة من أجل الانفراد بالزعامة
قد بدأت منذ تأسيس الحزب الحر الدستوري الجديد، وذلك لما تحمله شخصيته من سمات
الزعامة .
لقد كان الحبيب بورقيبة يتمتع
بكاريزما الزعيم، وكانت له مؤهلات خطابية خارقة جعلته يكسب أتباعاً له ولحزبه في
ظرف وجيز.
إن الصراع على الزعامة بين الحبيب
بورقيبة وصالح بن يوسف كان من الأهداف الاستراتيجية الخفية والتي لا يمكن –
منطقياً - التصريح بها. بل إن كل من الزعيمين ينفيان في خطبهما وتصريحاتهما حرصهما
على الزعامة أو سعيهما لها. في واقع الأمر إن هذا التنافس الزعامي كان موجوداً، وهو
من الظواهر الشائعة في حياة الأحزاب السياسية سواء العربية أو الغربية، إلا أن
أشكال الصراع تختلف، فقد تصل في بعض الأحيان إلى حالات من العنف المادي والمعنوي.
فمتى تأكد الحبيب بورقيبة من أن صالح بن يوسف كان ينازعه الزعامة؟ وما هي الخطط
السياسية التي اعتمدها من أجل منعه من بلوغ هدفه؟
أغب الظن أن مؤتمر دار سليم كان هو
ناقوس الخطر بالنسبة للحبيب بورقيبة. وقد أشرنا في فصل سابق أن الحبيب بورقيبة قد
اعتبره "مؤتمر الغدر والخيانة والنفاق". في هذا المؤتمر - وكما أشرنا
إلى ذلك سابقاً - قد حُرم الحبيب بورقيبة من صلاحية التصرف في الموارد المالية
للحزب، مما أعاق نشاطه السياسي في الخارج.
كما أن هذا القرار يعتبر ضربة معنوية
قاسية لـ"المجاهد الأكبر" ولمؤسس الحزب الحر الدستوري الجديد، الذي
يتميز عن غيره من قادة الحزب بامتلاكه "شرعية التأسيس" إضافة إلى شرعية
الزعامة. وأغلب الظن أيضاً أن الحبيب بورقيبة قد اتخذ قرار العودة إلى أرض الوطن
منذ ذلك التاريخ، أي بعد انعقاد مؤتمر دار سليم. وإن إشاعة المطالبة بفصل الحبيب
بورقيبة التي بُثّت بعد انعقاد المجلس الملي للحزب في صائفة 1949، هي التي أفاضت
الكأس وعجلت بعودة الزعيم الحبيب بورقيبة.
إن خطط الحبيب بورقيبة من أجل
الانفراد بالزعامة الحزبية والوطنية تتغير بتغير المراحل السياسية التي مر بها
الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد.
الخاتمة:
تُظهر دراسة سياسة المراحل
البورقيبية أنها كانت نهجاً متعدد الأوجه، لا يقتصر على تحقيق الاستقلال فحسب، بل
يمتد ليشمل أهدافاً أعمق تتعلق بالزعامة وتشكيل هوية الدولة التونسية. فمن ناحية،
قدمت هذه السياسة مقاربة براغماتية للمفاوضات مع القوة الاستعمارية، مستفيدة من
التوازنات الدولية والتحولات السياسية الفرنسية. وقد أدت إلى إبرام اتفاقيات مكنت
تونس من استقلالها، وإن كان "في كنف التكافل"، وهو ما رأى فيه اليوسفيون
تنازلاً عن السيادة الكاملة والهوية العربية الإسلامية. من ناحية أخرى، كانت سياسة
المراحل أداة فعالة في يد الحبيب بورقيبة لتعزيز زعامته الحزبية والوطنية، وإزاحة
أي منافس محتمل. لقد كشفت الصراعات الداخلية في الحزب، ولا سيما مع صالح بن يوسف،
عن رغبة بورقيبة في الانفراد بالقرار وتوجيه مسار الحركة الوطنية وفق رؤيته
الخاصة.
إن هذا التحليل يسلط الضوء على أن
البورقيبية لم تكن مجرد استراتيجية نضالية، بل كانت فكراً سياسياً متكاملاً، وإن
لم يكن منظماً في قالب أيديولوجي صريح، فقد عكس رؤية بورقيبة لمستقبل تونس كدولة
حديثة، مرتبطة بالغرب، مع الحفاظ على خصوصيتها. لقد شكلت هذه الرؤية تحدياً كبيراً
للهوية الوطنية التي دعا إليها اليوسفيون، وما تزال تداعيات هذا الصراع الفكري
والسياسي حاضرة في المشهد التونسي المعاصر.
المراجع والمصادر:
الدراسات والبحوث:
المنصر، عدنان. "اليوسفية من خلال المصادر الشفوية: دراسة في
الخطاب". مجلة روافد، العدد الثاني، 1996، ص 100.
الصغير، عميرة علية. اليوسفيون وتحرر المغرب العربي. (م.م. اختصار
لمصدر لم يُذكر بشكل كامل، يُرجى التأكد).
ضيف الله، محمد. صالح بن يوسف: خطب ووثائق أخرى. (لم يُذكر مكان النشر
أو تاريخه بوضوح، يُرجى التأكد).
الصغير، عميرة علية. اليوسفيون وتحرر المغرب العربي. ص. 14، مأخوذ من:
تاريخ الحركة الوطنية، دار العمل، 1979، الجزء الثالث عشر، ص. 135.
النجار، حسن. حركة "الاتحاد والترقي" ورئيسها شمس الدين
العجيمي (1949). بحث لنيل شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر، كلية العلوم
الإنسانية والاجتماعية، 2014.
التلاتلي، صلاح الدين. "الثبات على المبادئ ضمان النجاح".
جريدة الاستقلال، السنة الأولى، العدد 6، 4 نوفمبر 1955.
الديب، فتحي. عبد الناصر وثورة الجزائر. دار المستقبل العربي، الطبعة
الثانية، القاهرة، 1990، ص. 29.
الخفاجي، فاطمة فالح جاسم. العلاقات السياسية المصرية – التونسية
(1956-1970). أطروحة دكتوراه (2016)، جامعة ذي قار، العراق، ص. 20.
إفاتز، غراهام ونوينهام، جيفري. قاموس بنغوين للعلاقات الدولية. مركز
الخليج للأبحاث، الإمارات العربية المتحدة، 2004، ص. 64.
عبد الكافي، إسماعيل عبد الفتاح. الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية
(عربي-إنجليزي). (لم يُذكر مكان النشر أو تاريخه بوضوح، يُرجى التأكد)، ص. 66.
الأبيض، سالم. الحركة الطلابية التونسية: النشأة والتأسيس وقضايا
الهوية. الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، ديسمبر 2014.
الأبيض، سالم. "بورقيبة وإشكالية الهوية في تونس". مقال
منشور في كتاب: السلطة وآليات الحكم في عصر الحبيب بورقيبة في تونس والبلاد العربية،
مؤسسة التميمي للبحث العلمي، 2003.
المعاوي، علي. ذكريات وخواطر. (لم يُذكر مكان النشر أو تاريخه بوضوح،
يُرجى التأكد)، ص. 346.
سعيد، الصافي. بن بلة يتكلم: المذكرات السياسية والثقافية للزعيم أحمد
بن بلة. منشورات عرابيا، 2012، ص. 55.
المنصر، عدنان. "تصور البورقيبية لمسألة الأمة وقضية
الهوية". مداخلة في ندوة بورقيبة والإسلام التي نظمها منتدى الجاحظ بالاشتراك
مع دار الجنوب للنشر يوم السبت 29 يناير 2005 في فضاء التياترو بتونس: https://tunisiehistoire.blogspot.com/2007/05/blog-post_03.html
الصغير، عميرة علية. "هل البورقيبية حرية بثورة الكرامة؟".
موقع ذاكرة التاريخ: https://memoryofhistory.blogspot.com/2012/02/blog-post.html
Ruff, Werner. Der Burgibismus und die Außenpolitik
des unabhängigen Tunesien. 1962. (أشير إليه ككتاب باللغة الألمانية تم
تقديم نسخته العربية).
الصياح، محمد. Histoire du mouvement national tunisien, le Néo-destour a l’epreuve du
pouvoir, Le nouvel Etat: Aux prises avec le complôt youssefiste 1956-1958, Tome
1, p. 261.
Hoffman, Jane E.
Democracy and Tunisia: A case study. Naval Postgraduate School Monterey,
California, 1994, p. 20.
المصادر الأولية والوثائق:
الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة E، الصندوق 550، الملف 35، الوثيقة 12 (تقارير
عامل القيروان).
لائحة المجلس الملي الموسع المنعقد بتونس يوم 15 أوت 1954 الصادر
بـ"البتي متان" في 17 أوت 1954.
الأدغم، الباهي. Mémoire sur la situation du
mouvement au début de l’année 1954
الصحف:
جريدة الزهرة، 31 مارس 1955، العدد 15013.
جريدة البلاغ، 4 سبتمبر 1954، العدد 12.
جريدة البلاغ الجديد، 13 يناير 1956، العدد 9.
جريدة العمل:
"الإتحاد التونسي للشغل يساند بكل قواه سياسة الرئيس
بورقيبة"، 28 أبريل 1956، العدد 16.
"الرئيس الجليل يخطب في الاجتماع العظيم ساحة معقل الزعيم"،
8 مايو 1956، العدد 168.
"عشرات الآلاف يستقبلون الرئيس الجليل بعاصمة الجنوب..."، 1
أبريل 1956، العدد 138.
"مقتطفات من خطاب الرئيس الجليل أثناء رحلته الموفقة في منطقة
صفاقس"، 6 أبريل 1956، العدد 142.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق