الخميس، 3 يوليو 2025

رﻣزﯾﺔ ﻣدﯾﻧﺔ اﻟﻘﯾروان ﻓﻲ اﻟﺧطﺎب اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ اﻟﯾوﺳﻔﻲ و اﻟﺑورﻗﯾﺑﻲ: ﺗﺣﻠﯾل ﻣﻘﺎرن ﻟﺧطﺎﺑﻲ اﻟزﻋﯾﻣﯾن اﻟﺣﺑﯾب ﺑورﻗﯾﺑﺔ وﺻﺎﻟﺢ ﺑن ﯾوﺳف ﻓﻲ القيروان سنة 1955

 محاضرة ألقاها د. حسن النجار بمدينة القيروان خلال الأيام العلمية لهذه المدينة في أفريل 2024



تعتبر مدينة القيروان من المدن التونسية الهامة لما لها من إشعاع رمزية تاريخية و حضارية. و قد استغل الزعيم صالح بن يوسف مناسبة المولد النبوي الشريف من أجل إلقاء خطاب في جامع عقبة بن نافع يوم الجمعة 28 أكتوبر 1955 و الصراع كان في أوجه مع الديوان السياسي بعد رفته من الحزب و تجريده من الأمانة العامة. مما اضطر الحبيب بورقيبة للقدوم بعد يومين من أجل الرد على خطاب صالح بن يوسف في اجتماع حاشد بالساحة العامة في قلب مدينة القيروان .

كان الزعيمان يدركان مدى أهمية كسب أهالي القيروان، خاصة قبل انعقاد المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري التونسي الذي كان مبرمجا ليوم 15 نوفمبر 1955 بمدينة صفاقس. و لسنا هنا بصدد ترجيح كفّة على أخرى، و لا فائدة ترجى من ذلك. و إنما سوف نحاول قدر المستطاع المقارنة بين الخطابين و ذلك استئناسا بأبرز مناهج الخطاب المعاصرة، و محاولة منا لتجاوز التحليل النمطي و السطحي للوثيقة التاريخية، الذي لم يعد- حسب رأينا- ناجعا.

و قد خيرنا في هذه المقدمة و قبل الدخول في المحور التطبيقي، تقديم بسطة نظرية حول الخطاب و مناهج تحليل الخطاب . و لعلّ المؤرّخين قد أدركوا اليوم بأنه لا مناص للمؤرخ المعاصر من توظيف مقاربات و مناهج تحليل الخطاب المعاصرة و الاستفادة منها قدر المستطاع، و أنه لم يعد هناك أي فائدة من استعمال الطرق الكلاسيكية في تحليل الوثيقة التاريخية.

رغم الكم الهائل من خطب الزعيمين، فإني لم أجد دراسات تحليلية للخطاب اليوسفي أو البورقيبي وفق المناهج المعاصرة و المعتمدة في تحليل الخطاب، و قد استعنت ببعض الدراسات و المقالات المهتمة بتحليل خطب زعماء عرب معاصرين مثل جمال عبد الناصر و أنور السادات و الهواري بو مدين...و كنت قد قمت سابقا بتحليل خطاب جامع الزيتونة للزعيم صالح بن يوسف من خلال ورقة بحثية منشورة . و رغم أن محاولة توظيف المقاربات الجديدة في تحليل الخطاب هي من أصعب الأمور التي يمكن أن يواجهها المؤرخ ، إلا أن خوض هذا الطريق الشاق و الشائك أصبح ضروريا إذا ما رمنا فهما أعمق لأحداث التاريخ.

عادة ما يُذكر مصطلح الخطاب مقترنا بالمجال الذي ينتمي إليه مثل الخطاب الديني ،الخطاب الإعلامي، الخطاب السياسي... و لذلك فإننا نجد تعريفات كثيرة للخطاب و ذلك لتعدد و تنوع المجالات التي ينتمي إليها هذا المصطلح. فماهو مفهوم الخطاب ؟

الخطاب هو مصدر من فعل خاطَب، فنقول خاطب يخاطب خِطابا و مخاطبَة. و خاطب على وزن فاعل، و صيغة فاعل تدلّ على المبادأة و المشاركة . و الخطاب حسب معجم العين هو " مراجعة الكلام" . و يمكن أن نفهم من هذاالشرح أنّ المقصود بالخطاب هو عملية تواصل عبر التلفّظ بين مرسل و متلق.

و قد ورد لفظ الخطاب في القرآن الكريم، كأن يقول الله تعالى: " و شددنا ملكه و آتيناه الحكمة و فصل الخطاب" ( سورة ص، الآية 20). و "فصل الخطاب " عند الرازي هو " القدرة على التعبير عن كل ما يخطر بالبال، و يحضر في الخيال، بحيث لا يختلط شيء بشيء، و بحيث ينفصل كل مقام عن مقام ."

 و قد عرّف الآمدي الخطاب قائلا: " اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيء لفهمه" و يتفق معه الرازي بأن جعل " الفائدة في الخطاب إفهام المخاطب" و يشترط هنا إذن استعداد المتلقي الذهني و النفسي لتلقي الرسالة الموجهة من طرف المرسل. و ذلك شرط من شروط علم التواصل المعاصر قد تفطن إليه علماؤنا القدامى.

أول من استعمل مصطلح الخطاب في الدراسات اللسانية الحديثة هو المفكر الأمريكي زيليغ هاريس Zillig Harris، إذ وسّع التحليل اللساني إلى ماهو أكبر من الجملة. و قد شهد مصطلح " خطاب" إنتشارا واسعا بعد صعود التيارات التداولية و بداية أفول البنيويّة. و حسب "معجم تحليل الخطاب"، يمثل الخطاب وحدة لسانية متكونة من جمل متعاقبة.

و يعرف ميشال فوكو الخطاب قائلا: " نطلق مصطلح خطاب على مجموع الملفوظات التي تنتمي إلى تشكيلة خطابية واحدة." كأن نقول الخطاب السياسي و الخطاب الماركسي و الخطاب الديني، إلخ. و يربط مشال فوكو هنا مفهوم الخطاب بالمجال الذي يحتويه. أمّا إميل بنفينيستÉmile Benveniste فيحدد الخطاب بمعناه الأكثر اتساعا باعتباره كل تلفظ يفترض متكلما و مستمعا و عند الأول هدف التأثير على الثاني بطريقة ما.

و الخطاب بكونه ما يتجاوز الجملة، هو المفهوم الغالب في الدراسات اللسانية الحديثة، رغم أنّ الجملة بمفردها تعدّ خطابا مستقلا. و حسب الأستاذ عبد الهادي الشهري " يستوي الخطاب بشقيه المكتوب و الشفوي، كما يستوي المرسل إليه الحاضر أو المستحضَر، فلا يقتصر توجيهه إلى المرسل إليه الحاضر عيانا، بل يتجاوز توجيهه إلى المرسل إليه الحاضر في الذهن." و يمكننا إدراك مفهوم الخطاب بجلاء عند مقارنته بمفهوم النص، فما الفرق بين الخطاب و النص؟

يؤكد الأستاذ محمد مصابيح بأنّ " كل ملفوظ يندرج تحت نظام اللغة وقوانينها فهو نص، وإذا ما خرج ليندرج تحت السياقات الاجتماعية سمي خطابا" ، فالخطاب إذن يضطلع بمهمة توصيل رسالة للمتلقي سواء أكان حاضرا أو مستحضرا في الذهن.

تتعدّد وجهات النظر في هذا الشأن؛ " فبعض الدارسين يرى أنه لا يوجد فرق بين النصّ والخطاب؛ وذلك لأن كليهما في علاقة وطيدة بحقل الدر اسات اللغوية، و هناك من يرى أن النصّ غير الخطاب؛ فالخطاب يتشكل من مجموعة نصوص وممارسات اجتماعيّة، و إن تحليل النصّ هو جزء من تحليل الخطاب في البحوث الاجتماعيّة ولا بد من التمييز بين التعامل مع اللغة على مستوى النص والتعامل معها على مستوى الخطاب، فدراسة النص تستلزم دراسة كل الوحدات التبليغية المتماسكة من حيث التركيب البنائي، أما الخطاب فهو العملية المعقدة من التفاعل اللغوي. و علم النص اليوم علم يكشف العلاقات الخفية وراء تماسك النص و ترابطه و تضامنه حول بعضه وفق منظومة محددة من المعايير النصية التي حددها روبرت دي بيوغراند Robert De Beaugrande و ولفجانج دريسلر Wolfgang Dressler ، و هي سبعة معايير يلزم توفرها ليصبح النص نصا: السبك، الحبك، القصدية، المقبولية، الإعلامية، و المقامية، و التناص.

قال لويس غسبان Louis Guespin" إن إلقاء نظرة على نص من حيث هيكلته في " اللسان" يجعل منه ملفوظا؛ و الدراسة اللسانية لظروف إنتاج هذا النص تجعل منه خطابا." فالنص إذن هو مجمل القوالب الشكلية من قواعد نحوية و صرفية و صوتية دون النظر إلى ما يحيط به من ظروف أو يتضمنه من مقاصد. في حين يحيل الخطاب على عناصر السياق الخارجية في إنتاجه و تشكيله اللغوي، و كذلك في تأويله مما يفترض معرفة شروط انتاجه و ظروفه. و هذا المفهوم أو هذه المقاربة من شأنها أن تعين المؤرخ في تحليله لنص الوثيقة أو لما يسمى بالوثيقة التاريخية و ربطها بسياقها الخارجي و ظروف نشأتها.

ما يمكننا استنتاجه هنا، هو أن الخطاب أعم و أشمل من النص لأنه يرتبط بالسياق الخارجي و بظروف انتاجه، و في علاقة متينة بالمتلقي الذي يوجه إليه الخطاب من أجل التأثير عليه. أما النص فهو جزء من الخطاب، و دراسته لا تستوجب الخروج عن إطاره البنيوي و اللغوي. فما الفرق بين الخطاب و الخطبة؟

بالنسبة للخطاب السياسي - و هو ما يهمنا في هذا المقال -فهو يختلف عن الخطبة السياسية، فالخطبة السياسية هي كلام يلقيه السياسي مشافهة أمام الجماهير مباشرة أو من خلال وسيط مرئي أو مسموع ، و يتناول فيه أمور الحكم . أمّا مصطلح (الخطاب ) أصبح شائع الاستخدام بوصفه ترجمة لمصطلح DISCOURS و هو مصطلح أعم من مصطلح الخطبة، لأنّ الخطاب le discours) ( يشمل العلاقات و الروابط التي توجد بين مجموعة كبيرة من النصوص التي تنسب إلى شخص أو مؤسسة أو توجه ما . و نحن عند دراستنا للخطاب اليوسفي أو البورقيبي ، إنّما نتوجّه إلى مجموعة الخطب و الحوارات و النصوص التي أنتجها الزعيمان خلال مسيرتهما السياسية.

إذن ، يمكن القول أن الخطاب السياسي لا يقصد به الخطبة السياسية، رغم أنها ركن أساسي من أركان الخطاب السياسي، و يمكن أن يبرز الخطاب السياسي في أشكال مختلفة مثل البيانات و المؤلفات أو في الحوارات الصحفية..و الغاية من الخطاب السياسي اقناع المستمع بأفكار سياسية محددة، و هو يعتمد عادة أسلوب المراوغة و المخادعة و التلاعب بالألفاظ، مما يجدر بالمحلل الكشف عن الغايات الحقيقية للخطاب السياسي و استخراج ما تخفيه السطور في هذا الخطاب. و عادة ما يتغاضى المؤرخون عن المخفي من الخطاب السياسي لعدم تمكنهم من مهارة و آليات تحليل الخطاب، مما يحد من فهمهم للوثيقة التاريخية. فما المقصود بتحليل الخطاب ؟

يحدد فان دايك موضوع التحليل النقدي للخطاب بأنه دراسة الكيفية التي يقوم بها النص و الكلام بتقنين و انتاج و مقاومة اعتداءات السلطة الاجتماعية و هيمنتها و لا مساواتها، و أن المحلل الناقد للخطاب يسعى إلى فهم اللامساواة الاجتماعية و الكشف عنها تمهيدا لمقاومتها، و من ثم فإن التحليل النقدي للخطاب له توجه عام هدفه توعية البشر للتأثيرات المتبادلة بين اللغة و البنى الاجتماعية، تلك التأثيرات التي لا يعيها البشر غالبا.

و يرى محمد الشاوش أن " تأويل الخطاب لا يتسنى إلا بوضعه في سياقه التواصلي زمانا و مكانا و مشاركين فيه و مقاما. و " الفرق بين عمل اللساني و عمل محلل الخطاب، هو أن اللغة في نظر اللساني نتاج، و هي في نظر محلل الخطاب عملية و إجراء. كما أن محلل الخطاب لا يهدف إلى وضع قواعد صارمة و إنما إلى تتبع مظهر خطابي معيّن للوقوف على درجة تكراره من أجل صياغة اطراده، فهدف محلل الخطاب الأساسي هو الوصول إلى اطرادات و ليس إلى قواعد معيارية، باعتبار أن معطياته خاضعة للسياق الفيزيائي و الإجتماعي و أغراض المتكلمين و استجابة المستمعين. "

إذن، فإن محلل الخطاب يسعى في عمله إلى الكشف عن الإطرادات في معطياته و أن يصنفها. و إن الإطرادات التي يرمي محلل الخطاب إلى الكشف عنها ليس مجالها النص باعتباره نتيجة لعملية الخطاب أي النص بمفرداته و مركباته و جمله و إنما مجالها العملية التي بمقتضاها تعمل اللغة باعتماد جميع أطراف التواصل. فليس ما يسمى بالنص في نظرية تحليل الخطاب سوى بينة و شاهد على محاولة منتج ما إيصال رسالة إلى متلق."

هذه النظرة تحيلنا إلى المنهج التداولي pragmatique في تحليل الخطاب، و التداولية تهتم بدراسة المعنى التواصلي، متجاوزة بذلك المستوى الشكلي( التركيبي و الدلالي) في التحليل .

و قد برزت عدة مشكلات في التحليلات اللغوية الشكلية، و لذلك، يرى جيوفري ليتش Geoffrey Leech أن في المنهج التداولي حلا لبعض هذه المشكلات، من وجهة نظر كل من المرسل و المرسل إليه؛ فالمرسل يبحث عن أفضل طريقة لينتج خطابا يؤثر به في المرسل إليه، كما أن المرسل إليه يبحث عن أفضل كيفية للوصول إلى مقاصد المرسل كما يريدها عند انتاج خطابه لحظة التلفظ، و هذه الإجراءات لا تتبلور عبر منظومة خواريزمية تجريدية كما هو الحال في النحو ، بل عبر تقدير ذهني عام و محتمل وفقا لعناصر السياق. و التداولية في مفهومها العام هي: " دراسة الإتصال اللغوي في السياق"، أي دراسة أثر السياق في بنية الخطاب.

إن اختيار المؤرخ لمنهج مناسب من أجل تحليل الخطاب السياسي لا يخلو من إشكاليات عويصة، و ذلك نظرا إلى أنّ تعامل المؤرخ مع النص يختلف عن تعامل اللساني أو محلل الخطاب. فالمؤرّخ عادة يهتم بالحدث التاريخي كموضوع للبحث و التفسير و التحليل. و إنّ تعامله مع الخطاب السياسي بوصفه وثيقة تاريخية إنما يهدف إلى الكشف عن الحدث و تحليل أسبابه و مآلاته، باعتبار أن الحدث التاريخي هو الذي يولّد نتائج حسب تعبير هنري بيران Henri Pirenne و التاريخ حسب شارل سنيوبوس Charles Seignobos))سلسلة بديهية و يقينية من الحوادث، كل حادثة سابقة تحتم حدوث اللاحقة .

إن التحليل اللغوي و التركيبي الصرف للخطاب لن يجدي نفعا المؤرّخ الذي يهتم في بحثه أساسا على التسلسل المنطقي للأحدلث التاريخية. و نحن نميل مع الطرح الذي يرى أن الخطاب كلام ينجز في ظرفيّة اجتماعية أو سياسية ما من ظروف التواصل.

مهمتنا إذن، في تحليل الخطاب السياسي اليوسفي أو البورقيبي لن تقتصر فقط على الكشف عن الأحداث‘، و هي المهمة الأساسية التي يقوم بها المؤرّخ، و إنما أيضا في الكشف عن استراتيجيات هذا الخطاب الذي به تتم السيطرة على قلوب المستمعين و عقولهم و " تنويمهم كلاميا" حسب تعبير ميشال فوكو.

و إننا سوف نركز في تحليلنا و في مقارنتنا للخطابين، على عناصرهما الأساسية المتمثّلة في المرسل و الرسالة والمتلقي، و سنتجاوز الحديث عن الجملة وتركيبها إلى محاولة الكشف عن الزوايا السيكولوجيّة والأيدولوجيّة و التاريخية للنصّ، وربط المضامين بالسياق التاريخي وسطوة اللحظة.

سوف لن نتعامل إذن مع نص الخطاب لا بوصفه بنية مجردة، بل سنتعامل معه من خلال المقام والمضمون و السياق التّاريخي. و حسب قول يوسف عبد الرحيم ربايعية " في البحث التداولي لا بدّ من الوقوف على عناصرالخطاب؛ النصّ والقائل والمتلقّي، من أجل الوصول إلى قراءة أعمق، فلا يمكن فهم الكلام فقط تبعاً لتصورات لغوية عامة ، فأحيانا يكون النصّ واضحاً وسهلاً في دلالاته ومعانيه، إلا أنّه يكون غنيّا بأبعاد التلقّي التي تخرجه من حدود ألفاظه لتجعل منه حلقة ربط واتصال ضمن الحيّز النفسيّ والاجتماعيّ وعلاقات الجدل بين الناصّ والمتلقّي"

لقد كان من الضروري الإنطلاق بهذه المقدمة النظرية، لأننا سوف لن نعتمد في تحليلنا و مقارنتنا للخطابين المناهج الكلاسيكية في تحليل الوثيقة التاريخية. و إنه من الصعب جدا أن يجمع المؤرخ بين اختصاصين أي علم التاريخ و علم اللّسانيات المتشعّب و الدّقيق، فمناهج تحليل الخطاب التي يمكن أن يوظفها المؤرخ ماهي إلا وسائل لإعانته على فهم أعمق و أشمل لنص الوثيقة، و إنّ غايته الأساسية -كما أشرنا إلى ذلك- من وراء تحليل الوثيقة التاريخية تتمثل في الكشف عن أسباب و مآلات الحدث التاريخي, و إنّ هدفه من وراء مخالطته للنص التاريخي يكمن أساسا في السعي لبناء منطقي لأحداث الماضي بعد تحليل و تمحيص و تدقيق للنصوص و الوثائق بمختلف أنواعها. و كلنا أمل في أن نصل يوما ما إلى منهج خاص بالمؤرخ في تحليل الخطاب.

و على المؤرخ أن يختار المنهج الذي يناسبه لتحليل الوثيقة، و إن الخلط العشوائي بين المناهج سيؤدي حتما إلى اضطراب و تشويش في الفهم. و لذلك فقد اخترنا في هذه الورقة الإستئناس بالمنهج التداولي،. و سوف أقوم بالمقارنة بين الخطابين باتباع مراحل هذا المنهج التي نراها ضرورية لأخرج في آخر المطاف باستنتاج عام لخصائص الخطابين و نقاط الضعف و القوة لكليهما. و أرجو أن أكون موفّقا في هذه التجربة الجديدة و المثيرة.

I. تحليل عناصر الخطابين

يتكون الخطاب بصفة عامة من أربعة عناصر أساسية و هي الباث و المتلقّي و الرسالة، و قناة التواصل لحظة إلقاء الخطاب التي لا وجود لها لكون الخطاب قد ألقي بشكل مباشر على مجموع الحضور في جامع القيروان بالنسبة لصالح بن يوسف و في الساحة العامة الغير بعيدة عن الجامع الكبير بالنسبة للحبيب بورقيبة. و تظهر قناة التواصل بعد نشر الخطاب و المتمثلة أساسا في الصحف و الإذاعة المسموعة ليتسع بذلك مجال التلقي و يشمل عموم التونسيين و المغاربة ( المغرب و الجزائر) الذين كانوا معنيين بشكل مباشر أو غير مباشر بمآلات الصراع الدائر بين الزعيمين.

1. المرسل

المرسل في الخطاب الأول الذي ألقي يوم 28 أكتوبر 1955 ، هو الزعيم صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد. و يمتلك الزعيم صالح بن يوسف قدرة كبيرة على الخطابة و امكانيات هائلة على التعبئة، قد اكتسبها خلال نشاطه الحزبي منذ 1934، و خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية خلال تنقلاته بين مختلف مناطق الإيالة التونسية من أجل إحياء و إعادة بناء الحزب الذي كان يمر بظروف صعبة بعد حوادث 9 أفريل 1938.

لقد كان صالح بن يوسف من المعارضين الشرسين للإتفاقيات نظرا لعدم التزام المفاوضين التونسيين بشروطه الخمسة التي حددها من أجل مواصلة المفاوضات مع فرنسا، و نظرا أيضا لاقصائه من هذه المفاوضات باعتراف الحبيب بورقيبة في خطابه الذي سوف نقوم بتحليله في هذا المقال. و قد رأى الحبيب بورقيبة في هذه الشروط الخمسة مغالاة في النزعة الوطنية. و قد كشف هذا الموقف تباينا في سياستي كلّ من الزّعيمين، و ذلك لأنّ الإلتزام بهذه الشروط لا يتماشى مع سياسة المراحل المعتمدة من طرف الحبيب بورقيبة. و هي سياسة يعتبرها صالح بن يوسف ممعنة في التنازل عن الحقوق الوطنية. و بذلك أصبح صالح بن يوسف معارضا شرسا لاتفاقيات الإستقلال الداخلي التي كان يعتبرها خطوة إلى الوراء .

أما بالنسبة للخطاب الثاني الذي ألقي بعد يومين فقط ( يوم 30 أكتوبر 1955 ) ، فكان المرسل أو الخطيب هو الحبيب بورقيبة و هو المؤسس الفعلي للحزبالحر الدستوري التونسي الجديد و رئيسه، و قد كانت له كلمة الفصل في الحزب نظرا لقدرته الخطابية الفائقة و للكاريزما التي كان يتمتع بها، و أيضا لتفوقه على كل منافسيه السابقين في الحزب، فقد كان الحبيب بورقيبة متعودا على مثل هذه الصراعات الزعاماتية ، إلاّ أن صالح بن يوسف كان أكثر المنافسين عنادا و أشدّهم تمسكا بمواقفه و قناعاته السياسية.

2. المتلقي

يحدد صالح بن يوسف في مستهل خطابه المتلقي، و هو الجمهور الحاضر بجامع القيروان حيث وصفهم بالإخوان، المؤمنين، المسلمين، الخلف. إذن فالخطاب موجه للحاضرين في المسجد " إذ أنتم تجتمعون اليوم في المسجد" و إلى عموم التونسيين: " أتوجه إلكيم جميعا، وإلى الشعب التونسي".. و قد تم توجيه الخطاب لجمع من الرجال، لأنه ليس من عادة الامام الخطيب أن يوجه النداء للنسوة و ان كن حاضرات في المسجد.

 و الحقيقة أن المتلقي لا يتمثل فقط في أنصار الزعيم صالح بن يوسف، بل إن خصوم صالح بن يوسف، كانوا حاضرين و قد حاولوا التشويش على الخطاب . كما أن الحبيب بورقيبة سوف يسارع بعد اطلاعه على خطاب صالح بن يوسف بتكليف الطاهر العلاني رئيس جامعة القيروان بتنظيم مهرجان كبير لاستقبال الزعيم الحبيب بورقيبة من أجل الرد على مقولات صالح بن يوسف. مما يدل على انقسام القيروان الى شقين كبيرين. و هما شق موال لصالح بن يوسف المتمثل خاصة في جامعة جلاص، و شق آخر موال للحبيب بورقيبة و المتمثل في جامعة القيروان، التي سعت لإرباك اجتماع صالح بن يوسف و التشويش عليه في المسجد الكبير.

و قد قامت جامعة القيروان بتنظيم استقبال حاشد يوم 30 أكتوبر 1955، حيث امتطى الحبيب بورقيبة فرسا، كتذكير بالعودة المظفرة و إعادة لمشهد 1 جوان 1955. و لم يعط الحبيب بورقيبة لجمهوره الحاضر أي صفة كما فعل صالح بن يوسف، و قد قصد أهالي القيروان عامة عند توجيهه للخطاب و ذلك باستعمال ضمير الجمع المخاطب ( أنتم).

3. الرسالة

جاءت رسالتي الزعيمين في شكل خطبة في جامع عقبة بن نافع بالنسبة لصالح بن يوسف و في الساحة العامة غير بعيدة عن هذا الجامع العتيق بالنسبة للحبيب بورقيبة. و قد أراد صالح بن يوسف من خلال خطبته اقناع الجمهور الحاضر بأن الاتفاقيات هي شكل من أشكال الاستعمار الجديد و دخول في الإتحاد الفرنسي، و هي تمثل خطوة الى الوراء موظفا في ذلك المخيال الديني الذي يرتكز أساسا على عنصري الإيمان و الكفر، و هو خطاب خطير يوحي بفتنة وشيكة. أما الحبيب بورقيبة، فقد أراد من خلال خطابه تسفيه الخطاب الأول و اعتبار الاتفاقيات انتصارا و خطوة الى الأمام في سبيل الاستقلال التام، معتمدا في ذلك على أسلوب واقعي و براهين عقلية و مبسطة لتصل بسهولة الى ادراك العامة.

4. دلالة الزمان و المكان

إن للزمان و المكان أثر فعال على الخطاب سواء من ناحية المبنى أو المعنى، و التحليل التداولي للخطاب لا يهمل زمن و مكان القاء الخطاب، و المثل العربي يقول بأن لكل مقام مقال. و من أجل فهم الخطاب فهما صحيحا لابد من العناية بظرفية انشائه.

أ‌. دلالة المكان

لاشك بأن مدينة القيروان التي ألقي بها الخطابين تتميز برمزية دينية و تاريخية كبيرة. و قد حضرت لكل زعيم حشود غفيرة من أنصاره لسماع ليس وجهة نظره فقط بل و توجيهاته التي سوف يسوقها عبر الخطاب. و لا شك بأن اكتساح القيروان يعتبر انتصارا للرهان السياسي الذي يخفيه الزعيم و لا يذكره علانية.

و قد تعمد صالح بن يوسف القاء خطابه في جامع عقبة بن نافع، و ذلك استثمارا للإشعاع الذي يتميز به هذا المعلم التاريخي و الديني ، و لذلك فإن خطبة صالح بن يوسف قد غلب عليها الجانب العقائدي و الرمزي. بينما أراد الحبيب بورقيبة القاء خطابه في الساحة العامة التي تجمع الجميع، أي المدنيين، و لذلك فإن خطابه كان موجها لعموم المواطنين التونسيين، و لم يقم بالإشارة الى ماهو ديني الا في نهاية الخطاب موظفا في ذلك آيات قرآنية تدعم موقفه السياسي، و هذا الأمر أراه عاديا. أما صالح بن يوسف فقد أطنب في توظيفه للدين.

و قد حرص صالح بن يوسف على اضفاء قدسية على خطابه لمجرد صعوده منبر جامع عقبة بن نافع و هو من أبرز الفاتحين في شمال افريقيا. و حسب صالح بن يوسف فقد ذكر بأ ن تأسيس جامع عقبة كان منذ 1280 سنة ، يعني منذ سنة 655م ( 35ه) ، من أجل الدلالة على عراقة مدينة القيروان و الحال أن المدينة قد تأسست سنة 670 م (50ه) و هو تاريخ بناء جامع عقبة بن نافع.

ب‌. دلالة الزمان

لقد اختار صالح بن يوسف أن يلقي خطابه يوم الجمعة و في فترة احتفال مدينة القيروان بالمولد النبوي يوم 28 أكتوبر 1955 بجامع القيروان، و ذلك استثمارا لهذه المناسبة الدينية و سعيا منه للتأثير على السامع بخطاب قد وظف فيه كأقصى ما يمكن التوظيف المخيال الديني الشعبي. لم ينتظر الحبيب بورقيبة أسبوعا آخر ليقوم بنفس الشيئ، و لا أظنه كان يفكر في القاء الخطاب بالجامع الكبير..بل ان الحبيب بورقيبة كان في عجلة من أمره ليرد على خطاب صالح بن يوسف الذي وصفه في خطابه بالديماغوجية و الإنهزامية..و قد اختار أن يأتي بعد يومين لمدينة القيروان أي يوم الأحد 30 أكتوبر 1955، و كان ظهور الحبيب بورقيبة في شكل احتفالي بهيج و قد تم توثيق هذه المناسبة صورة و صوتا.

5. السياق التاريخي

الخطابين يجمعهما سياق تاريخي واحد، تمثل بالأساس فترة ما بعد امضاء الإتفاقيات و عودة الحبيب بورقيبة إلى أرض الوطن منتصرا في حفل استقبال بهيج و تاريخي و ذلك يوم 1 جوان 1955. تلاه بعد ذلك عودة صالح بن يوسف يوم 13 سبتمبر من نفس السنة. و لكن من المهم الإشارة إلى أن الخلاف بين الزعيمين قد لاح بشكل علني و مباشر منذ وصول صالح بن يوسف إلى أرض الوطن عندما أعلن في خطابه أن الإتفاقيات تمثل خطوة إلى الوراء في معارضة علنية للحبيب بورقيبة الذي أعلن قبلها أن الإتفاقيات تمثل خطوة إلى الأمام. ثم الحدث الذي أفاض الكأس، تمثل في الخطاب الذي ألقاه صالح بن يوسف في جامع الزيتونة يوم 7 أكتوبر 1955، و الذي نتج عنه رفت صالح بن يوسف من الحزب وتجريده من الأمانة العامة. و منذ ذلك الوقت بدأت حملات الدعم و التعاطف مع الأمين العام صالح بن يوسف الذي تم اقصاؤه من الحزب، و قد مثل ذلك صدمة لدى العديد مناضلي الحزب، و أدى أيضا الى انقسام الحزب إلى شقين متصارعين. و خطابي القيروان يندرجان ضمن هذا السياق من الصراع و الخلاف بين أبرز زعيمين في الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد.

II. تحليل و مقارنة استراتيجيات التأثير و الإقناع الموظفة في الخطابين

المقارنة بين الخطابين جائزة و مشروعة منهجيا و ذلك لوجود عدة نقاط التقاء بينهما نظرا لانتماء الخطابين إلى نفس السياق التاريخي، بل إن الخطابين قد ألقيا في نفس الفترة الزمنية أي في أواخر شهر أكتوبر، كما أن مكان القاء الخطابين هو نفسه، أي مدينة القيروان و ما تتميز به من رمزية دينية و حضارية. إضافة إلى أن المتلقي المباشر للخطاب هو نفسه أي أهالي مدينة القيروان.

تشكّل المقارنة بين الخطابين ضرورة منهجية لمعرفة الأحداث و ذلك لأن الهدف من إلقاء الخطابين هو إقناع أهالي القيروان سواء بأهمية الإتفاقيات أو بعدمها. أي أن الإتفاقيات هي الكلمة المفتاحية الهامة لكلا الخطابين. كما أن الخطاب الثاني جاء كرد على الخطاب الأول و ذلك ضمن إطار التنافس بين الزعيمين الكبيرين. و إن السعي لكسب رمزية مدينة القيروان هو العامل المثير و الدافع لإلقاء الخطاب بهدف كسب الأنصار و الأتباع بعد الإنشقاق و التصدع الذي شهده الحزب اثر اقصاء صالح بن يوسف و تجريده من الأمانة العامة، و ذلك على إثر إلقائه لخطاب الزيتونة المثير للجدل.

1. الغاية من القاء الخطابين (الهدف الاستراتيجي)

الغاية أو الهدف الإستراتيجي الكبير من إلقاء الخطابين يتمثل أساسا بالنسبة لصالح بن يوسف في إقناع السامعين بأن الإتفاقيات هي خطوة إلى الوراء و عرقلة في سبيل نيل الإستقلال التام، أما بالنسبة للحبيب بورقيبة فالهدف الأساسي من إلقاء الخطاب يتمثل في إقناع الحاضرين بأن الإتفاقيات الممضاة هي خطوة إلى الأمام في سبيل نيل الإستقلال التام. و لكل زعيم أساليبه الخاصة ووسائله في الإقناع سوف نسعى لتحليلها في العنصر التالي.

2. تحليل و مقارنة الوسائل و الأساليب المعتمدة في الإقناع و التأثير

أ‌. الإفتتاحية

بدأ صالح بن يوسف خطابه باللوم على من تعمد التشويش في المسجد. و قد نعت المشوشين بالمجرمين في حق أنفسهم و في حق الله. كما نفى صالح بن يوسف عن هؤلاء المشوشين الوطنية و الإسلام مما يدل على اعتماد صالح بن يوسف منذ بداية الخطاب على أسلوب التخوين و التكفير. و في حديثه عن الاعتداء على حرمة البيت إشارة مبطنة إلى فتنة ما. ثم يوجه كلمة إلى "الفئة المشوشة" طالبا منهم مغادرة المسجد، إذا لم يرغبوا في الإستماع إلى "كلمة الحق" و هو مصطلح مركب ينتمي الى حقل دلالي ديني. و في آخر المطاف يرسل اليهم تهديدا "اني أحذركم من عاقبة اجرامكم"و التكرار فيه اصرار على اعتبار أن الفعل هو بمثابة جريمة. فهل كان صالح بن يوسف يملك سلطة العقاب و الحال أنه قد تم تجريده من الأمانة العامة و وقع رفته من الحزب، أم هو سعي لتعويض السلطة السياسية بسلطة دينية؟!

و قد قام صالح بن يوسف بتوظيف آيات قرآنية من أجل اسناد وصف مشين على المشوشين قائلا: " الذين في قلوبهم مرض و زادهم الله مرضا" و نلاحظ أن صالح بن يوسف كان على دراية بالقرآن نظرا لتكوينه الديني في طفولته ( جامع حاضرباش). كما قد لاحظنا هذا التوظيف للمعجم الديني في جل خطبه و ذلك من أجل القضاء المعنوي على الخصم السياسي و اخراجه من الملة و تسفيهه و تكفيره..

كما كرر صالح بن يوسف في هذه الإفتتاحية استعمال المركب الاضافي " كلمة الحق" سعيا منه لاضفاء طابع القدسية و الإطلاقية على خطابه، فالتشويش سببه هو عدم الرغبة في سماع كلمة الحق التي لا يمكن أن تصدر إلا من الزعيم "المعصوم".

أما بالنسبة للحبيب بورقيبة فقد افتتح خطابه بالتذكير بآخر زيارة له للقيروان منذ خمسة سنوات، مشيرا إلى أسباب زيارته للشرق( تأسيس الجامعة العربية، تخليصهم من حالة اليأس و الاحباط و المرارة بفعل النكبة..). كما أشار إلى نجاح رحلته إلى الشرق التي كانت محفوفة بالمخاطر، مستنتجا أن التعاطف الخارجي لا يغري الحبيب بورقيبة، و هو لا يبقى مكتوف الأيدي في انتظار الجيش العربي لتخليصه من الإستعمار . مما يدل على حرصه على تخليص الجمهور الحاضر من عدة أوهام.

ذكر الحبيب بورقيبة بأنه بعد هزيمة 1948 عاد الى تونس و قام بجولة في كامل أنحاء الوطن من أجل رفع المعنويات، مؤكدا أن الاعانة الإلاهية لن تكون إلا بعد الإيمان بالقضية الوطنية، فالشعب هو العامل الحاسم ليحرر نفسه. و النجاح لا يكون الا بفعل سياسي رشيد الذي يحقق الوحدة و يكسب تعاطف الدول في الخارج.

يمكن القول إذن، أن صالح بن يوسف قد افتتح خطابه باعتماد أسلوب تكفيري و تخويني للخصم السياسي، جاعلا من خطابه السياسي يتسم بالقدسية و ذلك لمجرد إلقائه في جامع عقبة ابن نافع. و قد تعمد إيهام الجمهور بأنه ينطق بكلمة الحق من خلال تكرار هذا المصطلح المركب الذي ينتمي للمعجم القرآني. و المقصود بالكلمة هو الخطاب و الحق هو الله، و كأن بصالح بن يوسف سوف يلقي في هذا المسجد خطاب الله الذي لا يمكن الشك في صحته. بينما كانت افتتاحية خطاب الحبيب بورقيبة تتسم بالواقعية السياسية و ذلك من خلال تذكير الجمهور الحاضر بآخر زيارة له له إلى مدينة القيروان مفسرا أسباب زيارته للشرق و مؤكد للحاضرين أن الإنتصار في المعركة لن يكون إلا بواسطة الشعب التونسي، و لا فائدة ترجى من انتظار أي دعم خارجي، و أن النصر الإلاهي لن يكون إلا من خلال الإيمان بالقضية التونسية . و لم يعمد الحبيب بورقيبة في افتتاحية الخطاب إلى تخوين الخصم أو تكفيره ، بل أكد على ضرورة وحدة الشعب. فكان الخطاب اليوسفي منذ البداية يدعو بشكل غير مباشر إلى الفتنة و تكفير الآخر، و كأننا إزاء خطاب لأحد رموز السلفية المعاصرة، بينما كانت افتتاحية خطاب الحبيب بورقيبة تتسم بالتوازن و بالواقعية السياسية.

ب‌. التكرار

من الأساليب التي يعتمدها السياسي من أجل إقناع سامعيه و التأثير عليهم هو التكرار. و يقوم الخطيب الخطيب متعمدا بتكرار مفردة ما أو جملة محددة من أجل أن تعلق في أذهان السامعين، و عادة تكون هي الفكرة المحورية للخطاب السياسي. و من المفردات التي كررها صالح بن يوسف في خطابه هي "كلمة الحق" وجهها منذ بداية الخطاب إلى "الفئة المشوشة" طالبا منهم مغادرة المسجد إذا لم يرغبوا في الإستماع إلى "كلمة الحق" و هو مصطلح مركب ( مركب إضافي) ينتمي الى حقل دلالي ديني. و المعلوم أن في المركب الاضافي المفردة الثانية تخبرنا عن المفردة الأولى فتزيدها تحديدا و تعريفا و بيانا. و قد كرر صالح بن يوسف هذا المركب عدة مرات في خطابه، و كأنه يريد أن يقنع سامعيه بأنه لا ينطق عن الهوى و أن كلمته هي المثلى، مما يضفي طابع القدسية و الإطلاقية على خطابه، فالتشويش سببه هو عدم الرغبة في سماع كلمة الحق.

و إن في اعتبار الخطاب السياسي كلمة حق لا تصدر عادة الا من طرف رسول أو انسان معصوم، يجعل غاية الخطاب السياسي هو السيطرة على عقول السامعين بأي طريقة كانت و ان كانت من خلال اضفاء الاطلاقية على خطاب سياسي يتّسم عادة بالنسبية. و الغريب في الأمر أننا لم نلمس من خلال دراستنا لمسيرة صالح بن يوسف التزامه بالتعاليم الدينية، حتى تكوينه الديني قد اقتصر في المرحلة الطفولية الأولى من حياته حيث درس في كُتّاب جامع حاضرباش في ميدون بجزيرة جربة، ثم انتقل إلى العاصمة من أجل الدراسة في مدارس عصرية.

أما بالنسبة للحبيب بورقيبة، فقد كرذر ما يفيد "الإحباط و اليأس و الديماغوجيا" " التطرف الديماغوجي"و عبارة " الوحدة" (8 مرات). كما كرر الحبيب بورقيبة اسم صالح بن يوسف (12 مرة).

و الديماغوجية حسب معجم المعاني هي" كلمة يونانية مشتقة من كلمة ( ديموس )، وتعني الشعب ، و ( غوجية ) وتعني العمل ، أما معناها السياسي فيعني مجموعة الأساليب التي يتبعها السياسيون لخداع الشعب وإغراءه ظاهرياً للوصول للسلطة " k فهل كان صالح بن يوسف يخدع الشعب حقا من أجل نيل الزّعامة. لقد ذكر الحبيب بورقيبة في نهاية خطابه بأن صالح بن يوسف كان يطمح إلى الزعامة.و قد ذكر الحبيب بورقيبة أن زعماء الحزب قد جنبوا الحزب خطرين قاتلين لكل حركة سياسية، و هما: الشعور بالإحباط و اليأس بسبب اختلال موازين القوى، و مهمة الحبيب بورقيبة تتمثل في مقاومة هذا التفكير القدري و الانهزامية و الخمول. أما الخطر الثاني فيتمثل في الديماغوجيا و هو أخطر من الأول لأن الشعب غير قادر على مقاومة هذا الخطر، و يشير بذلك الحبيب بورقيبة صراحة إلى الجناح اليوسفي ، مما يعني كذلك أن المطالبة بالإستقلال الكامل دفعة واحدة يمكن وضعه ضمن إيطار الديماغوجيا التي تتسم بالتطرّف . و قد أمعن الحبيب بورقيبة في استعمال مصطلح الوحدة و ذلك لاقتناعه بأن الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد يواجه خطر انقسام، لم يشهده من قبل أي منذ تأسيسه، و قد اتهم الحبيب بورقيبة الجانب اليوسفي بالتسبب في الإنقسام.

و قد أمعن الحبيب بورقيبة في توجيه الخطاب لصالح بن يوسف و الإشارة إليه مباشرة، بينما لم يذكر صالح بن يوسف اسم الحبيب بورقيبة في خطابه بتاتا، مما يبرز شجاعة الزعيم الحبيب بورقيبة في توجيه النقد المباشر لخصمه دون استعمال أسلوب التلميح كما فعل صالح بن يوسف.

ت‌. توظيف الرموز و الآيات و الأمثلة..

لقد أطنب صالح بن يوسف في توظيف الرموز الدينية و الآيات القرآنية و الأمثلة الدينية ، من أجل التأثير و الإقناع وإضفاء مسحة قدسية على خطابه:

• توظيف رمزية المكان: أراد أن يضفي قدسية على خطابه لمجرد صعوده منبر جامع عقبة بن نافع ( و هو من أبرز الفاتحين في شمال افريقيا )، و قد ذكر صالح بن يوسف بما يفيد أن تأسيس جامع عقبة كان سنة 655 م، من أجل الدلالة على عراقة مدينة القيروان و الحال أن المدينة قد تأسست سنة 670 م (50ه) و هو تاريخ بناء جامع عقبة بن نافع.

• توظيف الرموز الإسلامية: من خلال الإشارة الى بعض الرموز الاسلامية من الفاتحين و الصحابة و العلماء( عقبة بن نافع، أبي زمعة البلوي، حسان بن النعمان،أسد بن الفرات)، مما يدل على اللعب على الرموز الساكنة في المخيال الديني. و كان صالح بن يوسف يتكلم باسم هذه الرموز، و كأنه يعتبر نفسه واحدا منهم أو أنه ينقل خطابا مضمونه الحفاظ على الرسالة المحمدية " كي تجعلوا منها نبراسا ينير لكم الطريق المظلم"، معتبرا بشكل غير مباشر أن القبول بالإتفاقيات هو عمل مناف للإسلام.

• توظيف التاريخ الإسلامي المبكر و الأمثلة: لقد ذكر صالح بن يوسف عدة أمثلة من التاريخ الإسلامي المبكر و مقاومة المسلمين لكفار قريش، و ذلك من أجل "الإعتبار.. حتى ينصاع الضالون لكلمة الحق.. حتى ترتفع كلمة الإسلام و المسلمين.." و الضالون هم الجانب المقابل الذين أمضوا الإتفاقيات. كما قام صالح بن يوسف بتمثيل البورقيبيين بقصة حسية نهايتها مفجعة،

• توظيف الآيات القرآنية : يوظف صالح بن يوسف بعض الآيات القرآنية مثل " الذين في قلوبهم مرض و زادهم الله مرضا" مشيرا إلى الجانب البورقيبي. و قد لاحظنا هذا التوظيف للمعجم الديني و للآيات القرآنية في جل خطبه خلال فترة الصراع العلني مع الحبيب بورقيبة. من أجل اخراج الخصم من الملة و تسفيهه و تكفيره، فهل اعتمد الحبيب بورقيبة نفس الأسلوب في التوظيف؟ !

أما بالنسبة للحبيب بورقيبة، فلم نلاحظ توظيفا للدين أو تكفيرا أو تسفيها للمنافس من طرفه ما عدى ذكر آية من القرآن الكريم في خاتمة خطابه " فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". رغم أن خطابه يعتبر ردا على خطاب صالح بن يوسف و كان بإمكانه استعمال هذا السلاح ( التخوين و التكفير). و قد قدم الحبيب بورقيبة أمثلة من التاريخ السياسي و النضالي ( أحداث بنزرت 1938، الحبيب بوقطفة..) و ذلك من أجل اقناع المستمع باستراتيجية الحزب من خلال مثال حقيقي و ملموس.

ث‌. الإيهام

لقد سعى صالح بن يوسف في خطابه لإيهام المستمع بأنه يقول كلمة الحق و إضفاء صبغة قدسية إطلاقية على خطابه، و الحال أن المعركة لا تعدو أن تكون معركة سياسية و صراع شرس على الزعامة، كما سعى صالح بن يوسف لإيهام المستمع بأن القبول بالإتفاقيات هو مخالفة للدين و كفر، جاعلا من نفسه المدافع عن الدين الإسلامي ضد قوى الضلال. و في الأخير سعى لإيهام المستمع بأنه حر في رفض أو قبول الخطاب بعد أن طبعه بصبغة اطلاقية." فإن ظهر لكم أن هذا الكلام غير حقيقي فارفضوه"و هو نوع من الإستدراك الذي لا يمكن القيام به و انجازه بعد أن جعل من الخصم كافرا، مما يجل من خطابه دعوة صريحة أو مبطنة للفتنة و للصراع العقائدي. بينما لا نرى في خطاب الحبيب بورقيبة أي سعي لغرس الوهم في نفوس السامعين، بل إن خطابه كان يتسم بالواقعية السياسية من خلال العودة للتاريخ النضالي و من خلال السعي لإقناع الجماهير بجدوى الإتفاقيات من خلال اللجوء إلى براهين عقلية و أمثلة واقعية و محسوسة. و من الأمثلة على ذلك فقد أشار الحبيب بورقيبة أن التعاطف لا يغري الحبيب بورقيبة، و هو لا يبقى مكتوف الأيدي في انتظار الجيش العربي لتخليصه من الإستعمار، مما يدل على سعي الزعيم الحبيب بورقيبة لتخليص الجمهور الحاضر من الوهم. مؤكدا أن الاعانة الإلاهية لن تكون إلا بعد الإيمان بالقضية الوطنية و أن الشعب هو العامل الحاسم للتحريرو التغيير. و مستنتجا أن النجاح لا يكون الا بفعل سياسي رشيد الذي يحقق الوحدة و يكسب تعاطف كل الدول في الخارج، فهو يرى أن تعاطف الإشتراكيين و الأحرار لا يعني تعاطف كل فرنسا مع القضية التونسية. مما يؤكد لنا التوجه الواقعي في خطاب الحبيب بورقيبة و عدم تعمده لبث الوهم السياسي و الشعارات الزائفة كنصرة الإسلام و مقاومة الضلال..

فلم نر في خطاب صالح بن يوسف استنادا إلى حقائق من الواقع السياسي، فكان خطابه بمثابة خطاب ديني لا علاقة له بالواقع السياسي و النضالي، بينما كان خطاب الحبيب بورقيبة يستند إلى حقائق واقعية و إلى أحداث حقيقية مترابطة و متسلسلة..

ج‌. التحميس و التأجيج

لقد قام صالح بن يوسف بتأجيج الجمهور الحاضر و تحميسه من أجل تقبل الخطاب من خلال التكبير( الله أكبر و الحمد لله، الله أكبر و العزة للإسلام)، و كأننا بصدد سماع خطاب لأحد رموزالسلفيين المعاصرين، و الحقيقة أن هذا الأسلوب في التأجيج منسجم مع رمزية المكان و أهمية المقام. أما الحبيب بورقيبة فلم يعتمد هذا الأسلوب و لا أظنه قد استعمله سابقا في خطاباته. و لكن دخوله بهيئة الفارس الشجاع الذي يمتطي حصانا من شأنه أن يحمس الجمهور و هذا المشهد دليل انتصار و في ارتباط بمشهد النصر ليوم 1 جوان 1955 عندما عاد الحبيب بورقيبة إلى أرض الوطن بعد الإتفاق مع فرنسا.

ح‌. الترغيب و الترهيب

كلا الزعيمين وعد بالإنتصار، بالنسبة لصالح بن يوسف فلم يشر إلى الإنتصار على فرنسا، و أظنه يقصد بالإنتصار هو الإنتصار على المنافس البورقيبي. أما بالنسبة للحبيب بورقيبة فإنه يعد بالإنتصار على فرنسا في كلتا الحالتين أي في حالة الحرب أو السلم. المهم هو القبول بالإتفاقيات كخطوة إلى الأمام. مقابل هذا الوعد بالإنتصار، استعمل كلا الزعيمين سلاح التخويف، فإن القبول بالإتفاقيات بالنسبة لصالح بن يوسف هو قبول بالإنضواء تحت الإتحاد الفرنسي، و ذلك بالنسبة إليه هو بمثابة " القضاء المبرم و الموت الحقيقي" و لذلك فقد دعا الشعب لتمزيق الإتفاقيات. أما بالنسبة للحبيب بورقيبة، فاعتبار الإتفاقيات خطوة إلى الوراء هو عودة للحرب و للمقاومة المسلحة، مؤكدا أن الجيش الفرنسي يتابع المسألة و يستعد لاحتمال التراجع عن الاتفاقيات. كما أكد مخوفا الجمهور بأن صالح بن يوسف بصدد جمع الأسلحة من أجل خوض حرب، مما يعني احتمال تراجع فرنسا عن الاتفاقيات التي اعتبرها خطوة إلى الأمام.

خ‌. الخدش من صورة الخصم

من البديهي في ظل الصراع السياسي العنيف أن يسعى كل زعيم للخدش من صورة الخصم من خلال الإتهام و التشويه و التخوين، و يصل الأمر حتى إلى التكفير. و قد اعتبر صالح بن يوسف البورقيبيين مضللين و مغرورين، كما اتهمهم بالعمالة و الخداع و الموالاة للإستعمار من خلال الدخول في الوحدة الفرنسية: " استعمار جاءكم في لون جديد بأيد تونسية و على أيد تونسية تتسم بالوطنية" " أيهون عليكم أيها الإخوان أن يزج بنا في الوحدة الفرنسية؟" و الحقيقة لا شيء يؤكد في الإتفاقيات بدخول الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد في الوحدة الفرنسية. و قد رفض الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد ذلك في بياناته السابقة.

كما تعمّد صالح بن يوسف التنقيص من قيمة الخصم من خلال نعتهم ب" زعماء المفاوضات" ، مما ينفي عنهم صفة الزعامة الوطنية، و هو بذلك يحتكرها لنفسه. و قد أشار الحبيب بورقيبة في خطابه أن صالح بن يوسف كان يسعى للزعامة. و قد وصل الأمر بصالح بن يوسف بتشبيه البورقيبيين بكفار قريش و اسقاط حادث اليوم بما حدث للرسول مع هؤلاء الكفار. كما اعتبر أن القبول بالإتفاقيات كفر من خلال ربطها مباشرة بالحادثة التاريخية و الدينية.

لقد سعى كذلك الحبيب بورقيبة الى التصغير من المنافس من خلال قوله " بعض الأشخاص" ثم يذكر بشكل مباشر صالح بن يوسف. كما يذكر الحبيب بورقيبة بأنه مستعد لاتباع صالح بن يوسف إذا كانت له القوة اللعسكرية المناسبة لمواجهة فرنسا. و قد اعتبر الحبيب بورقيبة أن صالح بن يوسف يتبع الحزب القديم. و قد سبق أن ذكرنا بأنه قد نعت الجناح اليوسفي بالإنهزامية و بالتطرف الديماغوجي و هو نوع من التنقيص من المنافس. و الملاحظ أن الحبيب بورقيبة لم يستعمل عبارات جارحة من أجل النيل من المنافس كما فعل صالح بن يوسف.

د‌. التخدير

بمجرد ربط أحداث الحاضر بأحداث الماضي و ربط الواقع السياسي التونسي بما حدث في مكة خلال فترة الإسلام المبكر هو أسلوب من أساليب التخدير السياسي المرتبط بالدين، و هو تخدير يمكن أن يوصف بالخطير لأنه يصل بصاحبه إلى تكفير الآخر و إحداث فتنة في المجتمع. و قد تجنب الحبيب بورقيبة كل ذلك رغم مهارته الخطابية و قدرته الفائقة على الإقناع، و قد حاول ربط أحداث الحاضر بالتاريخ النضالي للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد و ذلك من أجل فهم الواقع و الإقناع بسلامة النهج البورقيبي.

ذ‌. التنويه

لقد حرص كل زعيم على التنويه بالجمهور الحاضر حتى يتقبل الخطاب بكل يسر، فقد توجه صالح بن يوسف بالخطاب للحاضرين و قد نعتهم بالخلف، و قد كان يناديهم بالإخوان أما الحبيب بورقيبة فقد نوه بكافة الشعب التونسي و جعله هو الصانع الوحيد للإنتصار.

ر‌. التصريح و التلميح

لقد كان الحبيب بورقيبة أكثر شجاعة في الإشارة المباشرة إلى خصومه و قد نعتهم بأسمائهم و خاصة صالح بن يوسف. أما هذا الأخير فقد كان خطابه يشوبه الغموض و التلميح، و لم يشر بشكل مباشر إلا للطاهر العلاني رئيس جامعة القيروان، و لم يذكر صراحة اسم الحبيب بورقيبة في خطابه. و ذلك لأن صالح بن يوسف مزج بين الدين و السياسة في هذا الخطاب و حتى الأمثلة التي ساقها كانت تلميحية.

ز‌. تضخيم الذات

جعل صالح بن يوسف من نفسه حاملا للواء الحق، ما عدى ذلك فهو كفر، و هو المنقذ من الضلال: " احذروا أيها التونسيون من السير في طريق الضلال" و هو كذلك الذي يتكلم بما يحس به الشعب، فيعتبر نفسه الزعيم المعبر عن الشعب .كما نزّه صالح بن يوسف نفسه من: الدكتاتورية، و بتهم الآخر البورقيبي بأنه يجر الشعب نحو المخاطر، معتبرا أن خصمه يرى أن الشعب قطيع من الأغنام. أما الحبيب بورقيبة فقد تحدث عن مسيرته النضالية و ذلك في علاقة وثيقة بمقام الخطاب. بل إنه قد أبدى استعداده لاتباع صالح بن يوسف إذا كان يمتلك القوة العسكرية لمواجهة فرنسا، و لم نعهد حقيقة هذا التواضع في خطب الحبيب بورقيبة الذي كان يتميز بكاريزما تحمل نرجسية عالية و ثقة كبيرة في الذات.

س‌. الإستفتاء المباشر

قام كل زعيم باستفتاء من خلال العينة الحاضرة و قد ألقى صالح بن يوسف سؤالين هامين حول الإتفاقيات " إني أطلب منكم جميعا أن تقولوا هل توافقون على هذه الإتفاقيات أم لا؟ هل ترضون بأن يكون حزبكم الذي شيدتموه بدمائكم مطية للإستعمار لا في تونس فحسب بل في شمال إفريقيا كلها؟ "، فأجاب الحاضرون بلا. و قد اعتبر صالح بن يوسف هذا الاستفتاء نهاية عهد الكبت و الضغط على الحريات، كما اعتبر الاتفاقيات ماهي الا سحابة صيف...

 كذلك قام الحبيب بورقيبة باستفتاء الحاضرين من خلال طرح سؤال عليهم حول الإتفاقيات و قد عبروا عن عن الموافقة بالتصفيق، و بذلك فقد تساءل الحبيب بورقيبة حول الطرف المتسبب في انشقاق الأمة. و يدل الرد على استفتاء صالح بن يوسف ، أن الحبيب بورقيبة قد اطلع على خطاب هذا الأخير و خطط بشكل جيد لخطابه.

ش‌. كلمة الختام

لقد أشار صالح بن يوسف في خاتمة خطابه إلى المبدأ المتمثل في الإستقلال التام، بينما نلاحظ أن الحبيب بورقيبة أراد أن يوحي للمتلقي بأن صالح بن يوسف كان يسعى إلى الزعامة. كما ختم الحبيب بورقيبة خطابه بآية قرآنية دالّة كما أشرنا إليها سابقا.

الخاتمة

في خاتمة هذا المقال يمكننا أن نستنتج بعد محاولة تحليل و مقارنة الخطابين أن خطاب صالح بن يوسف كان هدفه اقناع المستعمعين الحاضرين في مسجد عقبة بن نافع أن الإتفاقيات هي خطوة إلى الوراء و عرقلة في سبيل استقلال البلاد، مستعملا في ذلك وسائل و أساليب مختلفة و موظفا المخيال الديني للجمهور الحاضر و متهما الجانب اليورقيبي الذي أمضى على الإتفاقيات بالخيانة و الخروج عن تعاليم الإسلام. و ذلك دون السعي لإقناع الحضور ببراهين منطقية و حجج سياسية بفداحة الخيار البورقيبي، مما لا يدع مجالا للشك بأن الزعيم صالح بن يوسف كانت له أغراضا سياسية من وراء إلقاء خطابه بمدينة القيروان تمثلت أساسا في جلب أكثر ما يمكن من الأنصار من أجل منافسة الحبيب بورقيبة على الزعامة الحزبية و الوطنية، و الدليل على ذلك هو افتتاحه لمقر الأمانة العامة يوم إلقاء الحبيب بورقيبة خطابه في القيروان، مما أدى إلى مزيد احتدام الصراع و انقسام الحزب الحر الدستوري الجديد إلى يوسفيين و بورقيبيين. أما بالنسبة للحبيب بورقيبة فقد ألقى خطابا سياسيا متوازنا و مدروسا من حيث تسلسل الأفكار و من حيث استعمال البراهين العقلية و السياسية من أجل اقناع الجمهور الذي حضر بكثافة في ساحة المدينة و دون لوقوع في الشعارات الزائفة أو توظيف لمشاعر الناس الدينية. و كان هدف الحبيب بورقيبة هو اقناع الجمهور برجاحة اختياراته السياسية، معتبرا الإتفاقيات خطوة إلى الأمام من أجل تحقيق الإستقلال التام. و رغم شدة بأس المعارضة اليوسفية، فقد تمكن الحبيب بورقيبة من تنظيم المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري الجديد بصفاقس و المصادقة على الإتفاقيات التي عارضها صالح بن يوسف و الذي امتنع عن حضور المؤتمر من أجل الدفاع عن موقفه السياسي المعارض.


قائمة المصادر و المراجع:

- الآمدي( علي بن محمد) ، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1986.

- بن ظافر الشهري (عبد الهادي)، استرتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان 2004.

- حسن (محمد)، تاريخ تونس و المغرب من نهاية القرن السابع إلى قدوم الهلاليين، الوحدة: 113 HG، المعهد الأعلى للتربية زو التوين المستمر، اكتوبر 1999.

- الرازي ( محمد فخر الدين)، المحصول في علم الأصول، المجلد الأول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت 1999.

- الرازي (محمد فخر الدين)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 1983.

- الشاوش(محمد)، أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية، المؤسسة العربية للتوزيع، الجزء الأول، جامعة منوبة، كلية الآداب منوبة، تونس 2001.

- عبد اللطيف (عماد)، استراتيجيات الإقناع و التأثير في الخطاب السياسي: خطب الرئيس السادات نموذجا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2012.

- العروي (عبد الله)، مفهوم التاريخ (الألفاظ و المذاهب)، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، الرباط 2005.

- الفراهيدي (الخليل بن أحمد)، كتاب العين، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 2003.

- فوداك(روث) و ماير (ميشيل)، مناهج التحليل النقدي للخطاب، ترجمة حسام أحمد فرج و عزة شبل محمد، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2014.

- مانغونو(دومينيك)، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، ترجمة محمد يحياتن، الدار العربية للعلوم ناشرون، سلسلة منشورات الإختلاف، الجزائر 2008.

- مصابيح ( محمد)، مفهوم النص و الخطاب، موقع ناشري، تاريخ النشر: 06/ 02/ 2009، تاريخ التصفح: 18/ 07/ 2020، https://www.nashiri.net/articles/literature-and-art/4022-v15-4022.html

- المنظري (سالم)، الترابط النصي في الخطاب السياسي، بيت الغشام للنشر و الترجمة، مسقط 2005.

- موساوي (فريدة)، مفهوم تحليل الخطاب عند زيليغ هاريس، مجلة إشكالات في اللغة و الأدب، مجلد 8، عدد 4، الجزائر 2019.

- النجار(حسن)، المعارضة اليوسفية: صراع زعامات أم صراع خطط و استراتيجيات، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية بتونس، ديسمبر 2020.

- النجار(حسن)، تحليل الخطاب السياسي اليوسفي : خطاب جامع الزيتونة نموذجا، المجلة الجزائرية للذراسات التاريخية والقانونية، المجلد 7، العدد 2 (2022)، ص 86 -53، الجزائر.

- يوسف عبدالرحيم ربابعة و نبال نبيل نزال، الخطاب الأخير للرئيس بن علي بين التفويض و التقويض ( دراسة في تحليل الخطاب السياسي)، دراسات، العلوم الإنسانية و الإجتماعية، المجلد 42، العدد 3، 2015.


...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق