بهذه الصورة التاريخية الخالدة التي توثق محاكمة المناضل النقابي محمد علي الحامي، نفتتح ركن "صور تاريخية" في مدونة المؤرخ. هذه الصورة هي إحدى الوثائق النادرة المحفوظة في أرشيفاتنا، وقد أصبحت من الصور المتداولة على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي. و قد التقطت يوم 12 نوفمبر 1925 بالمحكمة الجنائية بتونس.
لقد التقط هذه الصورة الفوتوغرافي المحترف فكتور سباغ Victor Sebag و هو المصور الشاهد على أبرز الأحداث السياسية و الثقافية التونسية، و كأن المنصف باي لما أهداه ٱلة التصوير في عيد ميلاده الثالث عشر قد تنبأ له بأنه سوف يكون خير موثق للأحداث التي ستشهدها البلاد خلال تلك المرحلة التاريخية. إضافة إلى كونه كان مراسلا لأشهر الصحف العالمية التي كانت في حاجة لصوره الدقيقة و الفريدة، فلا شك أن فكتور سباغ كان المصور الذي تستعين به الجهات الرسمية. و هذه الصورة الملتقطة أبرز مثال على ذلك، أو ربما بعض الصحف الأجنلية قد كلفته بتوثيق هذا الحدث.
الصورة التي أمامنا ليست مجرد مشهد من محاكمة عادية، بل هي شهادة حيّة على نهاية مرحلة نضالية في حياة محمد علي الحامي. إنها وثيقة نادرة تسجل اللحظة التي تقرر فيها نفي هذا المناضل بشكل نهائي من تونس، وهي المحاكمة الأخيرة قبل نهايته المأساوية في حادث مرور، رغم أن ظروف وفاته ظلت لغزًا لم يُحل إلى يومنا هذا.
إن الصورة التي بين أيدينا تروي جزءًا من حياة الحامي، وسنتناول في هذا المقال تحليلها بشكل معمق. نؤمن أن الصور التاريخية هي نوع من الخطاب، خطاب صامت لكنه يحمل الكثير من الإيحاءات، ودور المحلل هو تحويل هذه الإيحاءات إلى لغة مكتوبة تُضيء جوانب هذه الوثائق الصامتة.
لقد أشرنا إلى أن الصورة قد التقطت يوم 12 نوفمبر 1925، و هي تمثل محاكمة لأهم مؤسسي ورموز جامعة عموم العملة التونسية التي تأسست في 3 ديسمبر 1924، و هو ما يدل على تسارع الأحداث إلى حين القبض على أعضاء و مؤسسي الجامعة في 5 فيفري 1925، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من تأسيسها، و هو ما يدل على أن الجامعة كانت تمثل خطرا ليس فقط لسلطة الإستعمار بل و أيضا للكنفدرالية العامة للشعل الفرنسيةCGT، بعد سلسلة من الإضرابات التي قادتها هذه المنظمة الفتية.
إن ما يميز الصور التاريخية، هو صمتها الذي ينتظر من يتحدث نيابة عنها. فهي ليست مجرد مشاهد بصرية، بل وثائق تاريخية شديدة اللبس و التعقيد، تعكس لحظات حاسمة وأحداثًا فاصلة في مسار الشعوب.فما الذي يمكن أن تمنحه لنا هذه الصورة من معاني و أفكار تعجز عن تقديمها الوثائق المكتوبة أو المسموعة؟
يمكن أن نصنف الشخصيات الموجودة في الصورة إلى ثلاثة أصناف و هم المتهمون بالتٱمر على أمن الدولة الفرنسية الإستعماريةو هم الموقوفون: مجمد علي الحامي مؤسس أول نقابة في تاريخ تونس و المعروفة باسم جامعة عموم العملة التونسية CGTT و النقابي مختار العياري الجالس على يساره و هو مناضل شيوعي شغل كاتبا عاما لنقابة الترامواي و من المؤسسين لجامعة عموم العملة التونسية و كان مسؤولا في لجنة الدعاية.و على يمينه جون بول فينيدوري Jean-Paul Finidori النقابي الشيوعي الفرنسي و رئيس الجامعة الشيوعية La fédération communiste و مدير جريدة المستقبل الإشتراكيL'avenir socialiste. و قد تم إيقاف هؤلاء الثلاثة يوم 5 فيفري 1925و تم الحاق يوم 7 فيفري،بعد مظاهرة العمال أمام سفارة فرنسا، كل من العضوين محمد الكبادي و محمد الغنوشي و علي القروي(العمال التونسيون و ظهور الحركة النقابية ص 231) و هم على الأرجح الثلاثة الجالسون على يسار مختار العياري.
نلاحظ أنه لا وجود لمحامين في الصورة بزيهم الرسمي المعروف، و هم حسب المصادر التاريخية( العمال التونسيون و ظهور الحركة النقابية، الطاهر الحداد، ص 235) صالح فرحات، أحمد الصافي ، الطيب الجميل، و الأجانب و هم كاسترو Castro، فواسان Foissin, فيفانيVivani و ديران أنجليفيال Duran Angliviel، و و الظاهر أن من يقف وراء المتهمين هم شهود و ليسو بمحامين، فيعضهم من العمال أو عامة الشعب، و الأكيد أن في المحكمة مكان مخصص للمحامين و لا يظهر في هذه الصورة.
و قد ذكر الطاهر الحداد شهود الإثبات عند حديثه عن المحاكمة قائلا: " أما شهود الإثبات و أغلبهم من أعوان البوليس، و فيهم موظفون عالون...و أهم شهود النفي هو م سوقان مفتش الشغل العام بالحكومة التونسي....و أيضا م أماتو الإطالي المقاول مع شركة تيرم بحمام الأنف" ( ص 235-236)و إذن يمكن القول أن من يقف خلف المتهمين هم شهود النفي أو الإثبات و منهم التونسيون و منهم من يستعمل من طرف السلطة الإستعمارية من أجل الإدلاء بشهادات كاذبة حتى يتم تبرير الحكم الصادر، أما رجال الشرطة فمهمتهم حراسة قاعة المحكمة و الحفاظ على النظام.
الصورة تبرز محمد علي الحامي بنظرة قوية ثابتة، تجمع بين الثقة بالنفس والسخرية، وكأنها رسالة تحدٍ لكل من يشاهدها. لا تبدو على ملامحه علامات القلق أو الخوف، بل يظهر وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة ليقدم دفاعه أمام السلطات الفرنسية، تمامًا كما وصفه الطاهر الحداد بالعناد والتمسك برأيه حتى وإن اختلف معه الآخرون.
من المؤكد أن محمد علي الحامي كان على دراية بأن المحاكمة قادمة دون ريب في ذلك، فقد عرف بحكمته وتجربته الحياتية التي عاشها منذ طفولته القاسية في فندق الغلة، وهي حياة نمّت لديه ذكاءً فطريًا وقدرة على التأقلم مع مختلف الظروف. هذا الذكاء قاده فيما بعد إلى السفر بين بلدان عديدة، وتجارب لا تقل قسوة عن تلك التي عاشها في صغره.
أما رفاقه في النضال، فأغلبهم لم يتجاوزوا التعليم الابتدائي، في حين أن محمد علي، الذي أطلق عليه الطاهر الحداد لقب "الدكتور"، كان يحمل تعليمًا عاليًا من ألمانيا في الاقتصاد السياسي. هذه الشخصية القوية، التي صقلتها التجارب في أوروبا وألمانيا بالتحديد، لم تكن لتشعر بالخوف أو الرهبة من محاكمة مثل هذه. بل وربما قابل الحامي روزا لوكسمبورغ، أو على الأقل تابع مسيرتها وقرأ مؤلفاتها. فالشخصية التي عاشت هذا الزخم الثوري في ألمانيا، لا يمكن أن تخشى محاكمات السلطة الاستعمارية.
لكن تحليلنا لا يجب أن يتوقف عند محمد علي الحامي وحده. فلولا رفاق النضال الذين كانوا مصدر قوته ودعمه، لما تمكّن من تأسيس أول نقابة عمالية في تاريخ تونس وإفريقيا. لذا، لنلقِ نظرة على هؤلاء المناضلين وكيف يظهرون في الصورة.
مختار العياري، الذي يحتل مركز الصورة، يظهر بهدوء وطمأنينة، وربما بابتسامة خفية تعكس الثقة بالنفس، إلا أنه يحافظ على وقار الموقف. رغم ذلك، فإن نظرة محمد علي الحامي تبقى الأعمق، نظرة تعكس الفهم والإدراك لما وراء الأحداث، تلك الأسرار والخفايا التي يصعب على غير المتخصصين في الاقتصاد السياسي استيعابها. من الواضح أن الحامي كان على دراية بمؤلفات ماركس ولينين، وأنه قد تعمق في تحليلها.
على يمين الحامي، نجد المناضل الشيوعي الفرنسي جون بول فينيدوري، الذي يجلس كمتهم رغم كونه فرنسيًا. يحمل في يده اليمنى عصا، وفي اليسرى سيجارة، وهي علامات على ثقته بنفسه. العصا لم تكن عكازًا بل رمزًا للقوة، وربما كان التدخين مسموحًا به في المحكمة في ذلك الوقت، ولكن كل هذه المؤشرات تدل على موقفه الواثق والثابت.
أما بالنسبة للرفاق الثلاثة الآخرين، والذين يصعب عليّ مطابقة أسمائهم مع الصورة، فقد أثار انتباهي المتهم الجالس في طرف الصورة. يبدو وكأنه لم يدرك وجوده في إطار تصوير، وكأن هناك أمرًا أهم يشغله، ربما يكون هذا الأمر أكبر من المحاكمة نفسها.
أما بالنسبة للصف الخلفي، الذي يضم شهود النفي والإثبات، فقد كانوا جميعًا ينظرون نحو المصور، باستثناء الشخص الثالث من يسار الصورة، الذي يبدو أنه كان مشغولًا بأمر ما، مما جعله يلتفت إلى اليسار دون الانتباه للكاميرا. هذا الانشغال قد يكون مؤشرًا على حالة ذهنية معينة أو تفكير عميق فيما كان يدور حوله، وهو ما يضفي على الصورة مزيدًا من التعقيد والغموض.
أما أعوان الشرطة، بزيهم الفرنسي، فقد كانوا منتبهين للمصور رغم أنهم لم يكونوا الهدف الرئيسي من التقاط الصورة، وكأنهم أشبه بعناصر ديكور تُكمل المشهد. ورغم أن مهمتهم الأساسية كانت حراسة المتهمين، فإنهم بدوا مطمئنين؛ إذ كانوا يعلمون أن هؤلاء المتهمين ليسوا من النوع الذي يفكر في الهروب أو إحداث الفوضى و الضجيج في قاعة المحكمة. إنهم من خيرة أبناء الطبقة الكادحة التونسية، فوعيهم الراسخ وتضحيتهم من أجل الآخرين تجعلهم بعيدين كل البعد عن أي سلوك غير مسؤول.
إن ما تقدمه لنا هذه الصورة هو أكثر من مجرد مشهد من محاكمة تاريخية. إنها توثق لحظة مفصلية في مسار نضال محمد علي الحامي ورفاقه، وتفتح أمامنا بابًا لفهم أعمق للأحداث التي شكّلت التاريخ النقابي والسياسي في تونس.
- الطاهر الحداد، العمال التونسيون و ظهور الحركة النقابية، دار صامد للنشر و التوزيع، القيروان 1997.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق