"من بوابة الصحراء الواقعة في الجنوب الشرقي التونسي غير بعيد عن خليج قابس، انبلج شعاع من أعماق العتمة،إيذانا بميلاد زعيم وطني لا يضاهى. و من رحم المعاناة انطلقت مسيرته المفعمة بالنضال و التحديات و المبشرة بأرقى الوعود و الإشراقات."
منذ البداية كان الغموض
منذ البداية، كان الغموض و شح المعلومات، مما يجعلنا نتخيل، نفترض و نستنبط لنعيد بناء القصة و نحبك الرواية . فمن الصعب الولوج إلى تفاصيل حياة محمد علي الحامي و كشف الغطاء عن أسرارها العميقة، فالمصادر شحيحة و الروايات قليلة ،و الإبهام غالب، و لكننا سنجتهد مستعينين بحدسنا التاريخي و خيالنا الأدبي من أجل البحث عمّا ضاع من قطع اللوحة الفسيفسائية التي تجسّد حياة محمد علي الحامي المثيرة و الغامضة، حياة سخّرها لأجل الكادحين و الضعفاء و المهمّشين. لقد لعبت الأقدار و الظروف الصعبة دورا كبيرا في نحت شخصية محمد علي ، فقد تسلح بعزيمة فولاذية من أجل تحصيل العلم الذي وظفه للرفع من شأن الوطن و من أجل الدفاع عن كرامة العمال و المهمشين. كان بطلنا بذرة أمل حملتها العواصف لتينع و لو بعد حين. لقد رسم في ذهنه مشروعا للعمال و الكادحين و أراده أن يتحقق عاجلا رغم المحن أو آجلا مع ثلّة من الصّادقين من أبناء الوطن. لقد كان محمد علي رعدا مزمجرا و مبشرا بالمطر، مقداما جسورا لا يبالي بالخطر، فكانت له البدايات و تواصلت بعده النضالات من أجل العزة و تحرير الذات. و من المغالطات التاريخية التي لا تغتفر أن نعتبر أن مشروع محمد علي الحامي قد فشل، لأن محمد علي لم يكن سوى قبس من نور يهتدي به اللاحقون، فقد كان يعلم بأن الأرضية غير معدّة للبناء و رغم ذلك، فقد كان مصمما على التخطيط بهدف الإنجاز حتى يبصر الكادحون الطريق و يتضح لهم السبيل، فكان الكرّ و الفرّ إلى أن باغتته يد القدر.
"شخصية محمد علي كانت أقوى من الألم و أشدّ من الحرمان"كان محمد علي مدركا بأنه سوف يأتي من بعده من سيرعى البذرة و يسقيها من دمائه لتنمو و تكبر فتكون الثمرة و تتحقّق بذلك الفكرة لتوجد بالفعل بعد كمون. محمد علي الحامي و علي باش حانبة من قبله لم يكونا سوى نقطة انطلاق ضمن مسار شاق و طويل، من أجل حلم أكبر و مستقبل مزهر ، فقد تجرّآ و رسما الطريق من أجل الحرية و الكرامة الوطنية، و شرف الإنسان يكمن في الجرأة و المحاولة. فكان لهما شرف السّبق و الإصرار، و كان لهما شرف التأسيس الحقيقي لحركة النضال الوطني بجناحيها السياسي و النقابي لترفرف عاليا في سماء الحرية و الكرامة الوطنية و لو بعد عقود. ولد محمد علي الحامي يوم 15 أكتوبر 1890 في قرية الحامة المفقّرة و المهمّشة، كان الأب فلاحا فقيرا. توفيت أمه و لم يكد يبلغ الثامنة من عمره. يولد أغلب العظماء -عادة- في ظل الحرمان العاطفي و المادي. و إنّ فقدان الأم في سن يكون الإنسان فيها في حاجة أكيدة إلى عطفها و حنانها، من شأنه أن يولّد في النفس الإضطراب و يحكم عليها بالشقاء و الألم النفسي طيلة الحياة. و لكن شخصية محمد علي كانت أقوى من الألم و أشدّ من الحرمان. من رحم المعاناة يولد العظماء، و من الفقر و الحرمان يتشكل مشروع معظم الزعماء و الوطنيين. و في الحقيقة لا نعلم إلا القليل عن طفولة محمد علي الحامي، ما نعلمه حقا هو أنه عاش طفولة اضطراب و حرمان شديدين، خاصّة بعد وفاة والدته و انقطاعه عن التعليم الإبتدائي في سن الثامنة، ثم نزوحه إلى العاصمة. لا يمكن أن نعرف بالضبط العلاقة بين وفاة الأم و انقطاع محمد علي عن الدراسة، فهل كانت هي التي تدافع عن تعليمه رغم الفقر المدقع أم أن الأب لم يجد من يعتني بالطفل الصغير فنقله إلى العاصمة لتهتمّ به أخته المستقرة هناك؟! كلا الإحتمالين جائز ، المهم أن محمّد علي قد انتقل إلى العاصمة التي ستفتح له آفاقا جديدة في الحياة و مغامرات لم تكن لتحدث لو أنه بقي في الحامّة.
فندق الغلة
"مؤكّد أن مجمد علي كان متميّزا في مدرسة الحامّة، و إن حرمانه من مواصلة التعليم كان نقطة استفهام كبيرة"
أصبح محمد علي بعد وفاة والدته و كأنّه قشّة في مهبّ الرّيح، فمن سكينة القرية الريفية التي غادرها كرها بسبب وفاة والدته إلى أهوال المدينة في العاصمة، و من حياة التلميذ البريء الحالم إلى بؤس العامل الكادح المجبر على البحث عن لقمة عيشه رغم نعومة أظفاره. و كأنّ مكوثه مع أقاربه و هو لا يزال طفلا غضّا كان عبئا لا يُحتمل ووزرا لا يُغتفر. مؤكّد أن مجمد علي كان متميّزا في مدرسة الحامّة، و إن حرمانه من مواصلة التعليم كان نقطة استفهام كبيرة و أكاد أجزم بأنّ والدته كانت هي الحريصة على تعليمه، فبوفاتها كان الإنقطاع عن التعلّم و كانت بداية رحلة الألم. كل المحيطين به كانوا يجهلون أو يتجاهلون نبوغه، فرموه في غياهب فندق الغلّة كمن يرمي حملا بريئا بين مخالب لا ترحم في سوق يمتزج فيه الخير مع الشر، فلا نستطيع التمييز بينهما ، ليقوم ليس فقط بتوصيل طلبات العائلات الراقية التي استوطنت الأحياء الأوروبية الجديدة، بل و أيضا لينجز أعمالا شاقّة كالإنزال و التعبئة، و هي أعمال مدمّرة و للجسم الغضّ الطري و مرهقة للنفس البريئة التي لم تتعوّد على الأشغال الشاقة و ما يمكن أن يرافق هذه الأعمال من إهانات جارحة لمشاعر طفل يتيم.
"من المؤلم أن يشعر محمد علي الحامي و هو في سن الثامنة من عمره بأنه قد فقد أعزّ شيئين في حياته و هما والدته و دراسته"و قد كانت ظاهرة تشغيل الأطفال زمن الإستعمار الفرنسي منتشرة في تونس نظرا لانخفاض نسبة التمدرس، حتى أن المدارس "الفرانكو عربية" Franco-Arabes القليلة لم تكن في متناول إلا الفئات المحظوظة من التونسيين. بل إن ظاهرة الأطفال المتشرّدين كانت ملحوظة في تلك الفترة و ذلك لانتشار الفقر و الخصاصة. و ما تأسيس البشير صفر للتكية سنة 1906 لدليل على تفاقم ظاهرة التشرّد في مدينة تونس بسبب السياسة الإستعمارية منذ 1881. لا أظنّ بأن محمد علي كان محلّ عطف و رأفة الغرباء في هذا السوق بعد أن كان يعيش حياة أمن و دعة وسط عشيرته و بين أحضان والدته الدافئ. فما أبشع الأقدار عندما تحيط بالطفولة البريئة، و ترمي بها في غياهب المجهول بين عالم الكهول الموحش، بعد أن كانت تحيا في عالم جميل من حياة البراءة ة بين أطفال قرية الحامة الهادئة و الجميلة رغم انتشار الفقر و الخصاصة. من المؤلم أن يشعر محمد علي الحامي و هو في سن الثامنة من عمره بأنه قد فقد أعزّ شيئين في حياته و هما والدته و دراسته، ثمّ يزجّ به في ذلك العمر في السوق ليصبح في ليلة و ضحاها ضمن فئة الكادحين و العمال. أو فلنقل ضمن فئة البروليتاريا حسب التقسيم الماركسي للمجتمع الرأسمالي. و هاته الفئة لا يمكن أن تتواجد إلا في المدينة، أين يقع تسخير الإنسان من أجل خدمة الفئة المهيمنة المالكة لوسائل الإنتاج. و ربما منذ تلك الفترة المبكرة من عمره بدأ إحساس محمد علي بانتمائه الطبقي الذي سيتطور فيما بعد ، أي عندما ينضج إلى وعي راسخ و نضال من أجل نصرة هذه الطبقة المسحوقة من المجتمع، فالوعي الطبقي لا يمكن أن ينشأ صدفة أو يولد من فراغ في نفوس العباقرة من أمثال محمد علي. إن مكابدة محمد علي الحامي لحياة الكادحين منذ وقت مبكر و معايشته لأوضاعها، ولّد لديه تيقّظا فكريا و ذهنيا يميزه عن غيره من العمال و الكادحين، و منحه طاقة رهيبة في المقاومة و التحدي. و ذلك ما يفسّر سعيه المحموم من أجل التعلّم و قدرته العجيبة في تجاوز الأوضاع الصعبة و المحن التي تعرض إليها طيلة حياته.
زوجة القنصل النمساوي
"في بيت السفير النمساوي سوف يتعلّم محمد علي لغة جديدة و سيكتشف حضارة جديدة و أسلوب حياة جديد"
لا نعرف بالضبط كم دامت معاناة محمد علي الحامي في سوق الخضر و الغلال، و لكن ما نعلمه يقينا بأن هذا العذاب لم يدم طويلا و كانت له نهاية. يد انسانية رحيمة قد بادرت بانتشال محمد علي الحامي الطفل من جحيم السوق و من قسوة الحياة و البشر، فكان المنعرج و كانت نقطة التحول لأفق انساني أرحب و لحياة كريمة بعيدة عن أجواء الإستغلال لطفولة كاد أن يدمرها الأقربون من الناس قبل الأبعدون. هذه اليد الرحيمة لم تكن تونسية و لا عربية بل كانت يدا أوروبية،و لم تكن يدا ذكورية بل أنثوية رؤوفة آمنت بموهبة و قدرات محمد علي الحامي و أتاحت له فرصة ثمينة ليخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم و الإبداع. كانت صاحبة هذه اليد زوجة قنصل النمسا في تونس . كانت والدة محمد علي الحامي قبل وفاتها هي المتمسكة بتعليمه، و الآن زوجة القنصل هي التي أنقذته من براثن التهميش و من ميوعة السوق. المرأة كانت خير سند لمحمد علي سواء أكانت والدته أم زوجة السفير التي لمست الذكاء و قوّة الهمّة و التصميم في بريق عينيه. في بيت السفير النمساوي سوف يتعلّم محمد علي لغة جديدة و سيكتشف حضارة جديدة و أسلوب حياة جديد. سيعيش محمد علي تجربة جديدة في الحياة، و ستلوح له أفاق مثيرة سنجعل لحياته قيمة و لوجوده معنى . سيسافر محمد علي مع هذه العائلة السخية إلى النمسا في كل عطلة صيفية، من الواضح أنها قد ولعت به و لم تعامله كخادم في المنزل و قد أتاحت له وسائل التعلّم و الإكتشاف. و سيكتشف محمد علي منذ الصغر عالم ماوراء البحر، أو العالم الأوروبي المتقدم. ومن المؤكد أن محمد علي قد قارن بين عالمنا و عالمهم، ففكّر و قدّر و وازن و طرح الأسئلة. أصبح محمد علي منذ احتكاكه بهذه العائلة محبا للمعرفة. و لذلك فقد سعى إلى تعلّم اللّغات الأوروبية و منها خاصة الألمانية و الفرنسية. و الأكيد أن محمد علي قد شعر بالنقمة على المستعمر الفرنسي لأنه كان المتسبب في تأخر البلاد و في تهميش الطاقات الحية. هكذا يتشكل وعي أغلبية المناضلين عندما يحتكون بالأقوى، فيقارنون ثمّ يستنتجون، و يطرحون الأسئلة ثم ينطلقون نحو العمل النضالي و الممارسة.
"لا نعلم بالضبط كم كان عمر محمد علي الحامي عندما تمّ انتشاله من فندق الغلّة و لا نعلم أيضا المدّة التي بقيها في خدمة السفير النمساوي و زوجته، و نجهل أيضا طبيعة المهام التي كُلّف بها"لقد تعاّم محمد علي الحامي اللغة الألمانية من خلال الإحتكاك و عملية التواصل المستمر مع العائلة التي احتضنته. و كذلك تعلم اللغات من خلال حضوره للدروس الليلية بمقابل مادي. لا شكّ بأن هذه العائلة كانت سخية في عطائها لهذا الفتى الحالم. و قيل أيضا أن محمد علي الحامي قد تابع دروسا في اللغة العربية و المعارف الدينية من خلال حضوره للدروس الليلية التي كان ينظمها جامع الزيتونة. لقد كانت لدى محمد علي الحامي رغبة كبيرة في التعلّم، ربّما لأنه قد صدمت نفسه البريئة لمّا أخرجه أبوه من المدرسة و ألقاه في غياهب " فندق الغلّة". و لمّا أتيحت له الفرصة لم يبخل على نفسه العطشى إلى العلم و المعرفة. و قد لبّى دعوة ذاته المتطلّعة فرواها بالمعارف الأساسية المتاحة في ذلك الوقت. لا نعلم بالضبط كم كان عمر محمد علي الحامي عندما تمّ انتشاله من فندق الغلّة و لا نعلم أيضا المدّة التي بقيها في خدمة السفير النمساوي و زوجته، و نجهل أيضا طبيعة المهام التي كُلّف بها.ما نعلمه يقينا هو أنّ هذه العائلة الأوروبية قد انتشلته من أوضاع قاسية و مريرة، و ما نعلمه يقينا هو أن السفير النمساوي و زوجته قد تعلّقا به و أعجبا بذكائه و جديته و لذلك فقد كان محمد علي مرافقا لهما إلى النمسا خلال عطلة القنصل. لابدّ أن محمد علي الحامي قد تعلّم الكثير من هذه العائلة، و لا بدّ أنه قد تأثّر بنمط و أساليب عيشها، لأنه كان طفلا و كان لديه استعدادا كبيرا للتشكّل بحكم الذكاء و الفطنة التي كان يتميّز بها. مؤكّد أن العائلة الأوروبية تختلف في أسلوب و نمط عيشها عن العائلة التقليدية التونسية، و خاصّة العائلة التونسية المنحدرة من الجنوب المعروفة بمحافظتها و بتمسّكها بالقيم الدينية و بالأعراف التقليدية التي لم تكن تعطي قيمة للضعيفين و هما المرأة و الطفل.
.jpeg)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق