المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2025

إغتيال صالح بن يوسف: السياقات

صورة
   لن نلعب في هذه الورقة دور المحقّق أو القاضي من أجل البحث عن الجاني أو الجناة الذين تسبّبوا في مقتل الزّعيم صالح بن يوسف، لأنّ هذا الدّور يتجاوز مهامّ المؤرّخ، الذي هو مدعوّ في هذا الإطار للبحث عن لأسباب و الدّوافع من وراء هذه الجّريمة السّياسيّة النّكراء.  كما أنّ البحث عن الجرائم السّياسيّة في أيّ بلد ما هو موكول للعدالة الإنتقاليّة في حال توفّرها، و ما على المؤرّخ إلاّ لإستفادة من نتائج أحكامها و من المدعّمات التي وفّرتها من أجل تحديد الجناة و نشر الحقيقة. إنّ الدّور لذي يقوم به المحقّق المباشر لأيّ جريمة اغتيال يختلف عن دور المؤرّخ رغم أنّهما يسعيان تقريبا لهدف واحد وهو معرفة الحقيقة التي تهمّ المحقّق من أجل القبض على الجاني. أمّا المؤرّخ فهو يستثمر النّتائج لتي توصّل إليها التّحقيق القضائي من أجل كشف "حقيقة" الجريمة كوقائع علاوة على أسبابها و دوافعها و فاعليها. و عادة الجّرائم السّياسيّة أو ما يعبّر عنه بجرائم الدّولة تتطلّب حيّزا زمنيّا من أجل الكشف لا فقط عن مرتكبيها بل و أيضا عمّن يقف وراء جريمة الإغتيال السّياسي. و قد قال جاك موريل Jacques Morel " ...

قراءة في كتاب: الحداد و بورقيبة معركة السفور و اللقاء المؤجل (1924-1956)

صورة
  قراءة في كتاب الأستاذ محمد لطفي الشايبي: أفتتح سلسلة مراجعات الكتب التاريخية بهذا العمل القيّم لأستاذي الفاضل محمد لطفي الشايبي، "الحداد وبورقيبة: معركة السفور واللقاء المؤجل (1924-1956)". يسبر هذا الكتاب أغوار حقبة مفصلية في تاريخ تونس، مسلطًا الضوء على صراع فكري واجتماعي وسياسي بين رمزين بارزين؛ الطاهر الحداد (1899-1935)، المفكر النقابي والمصلح الاجتماعي الرائد الذي نادى بتحرير المرأة وقضايا العمال في وقت مبكر من القرن العشرين، وواجه بسبب أفكاره تعسفا واضطهادًا، والحبيب بورقيبة (1903-2000)، الزعيم السياسي الذي قاد تونس نحو الاستقلال، ثم أسس الدولة الحديثة وتبنى إصلاحات اجتماعية جريئة بعد الاستقلال، متأثرًا في بعضها بأفكار الحداد.  على الرغم من صدور الكتاب في عام 2019، إلا أن عنوانه المشوّق، الذي يجمع بين شخصيتين بحجم الحداد وبورقيبة، لفت انتباهي بشدة. في هذه المراجعة، سأشارككم قراءتي المتعمقة للكتاب، مسلطًا الضوء على رؤى الأستاذ الشايبي وتحليله لهذه الحقبة التاريخية المهمة، وكيفية تقديمه للمعلومة، متسائلًا عن أبعاد العلاقة الفكرية بين الحداد وبورقيبة قبل وبعد الاستقلال، و...

الزّعيم السياسي : محرّك الجماهير (نظريّة قوستاف لو بون Gustave Le Bon)

صورة
     تُعد ظاهرة القيادة السياسية وتحريك الجماهير من أقدم وأكثر الظواهر الاجتماعية تعقيداً وجذباً للدراسة. فكيف يتشكل الزعيم؟ وما هي الآليات النفسية التي تمكنه من التأثير في الجموع وتوجيه مسارها؟ في هذا السياق، يبرز اسم المفكر الفرنسي غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) وكتابه الرائد "سيكولوجية الجماهير" كمرجع أساسي لفهم العلاقة بين الزعيم والجماهير. لقد بوأ هذا العمل لوبون مكانة رفيعة في عالم الفكر والمعرفة، واعتُمدت نظرياته من قبل العديد من الباحثين في دراساتهم لظاهرة الحشود والقيادة. يهدف هذا المقال إلى الغوص في رؤية غوستاف لوبون للزعيم السياسي، محللاً المحاور الأساسية لنظريته. سنتناول مفهومه لضرورة وجود الزعيم، وطبيعة العلاقة بينه وبين الجماهير التي يصفها بـ"القطيع"، مع تسليط الضوء على سماته التي قد تبدو غريبة، ككونه صاحب فكرة وليس بالضرورة رجل فكر، أو ميله للعصاب والاضطهاد. كما سنبحث في نفوذ الزعيم ودوره الأساسي في بث الإيمان، وأنواع الزعماء التي حددها، والوسائل التي يستخدمها لفرض سلطته، وصولاً إلى مفهوم الهيبة الكاريزماتية لديه. من خلال تحليل هذه الجوانب، نسعى لتقديم...

بين السعي لتحقيق الاستقلال والانفراد بالزعامة في تونس

صورة
تعتبر البورقيبية، بوصفها نهجًا سياسيًا مرتبطًا بشخصية الزعيم الحبيب بورقيبة، محطة محورية في تاريخ تونس المعاصر، ليس فقط في مسيرة النضال من أجل الاستقلال، بل وفي تشكيل ملامح الدولة الوطنية بعده. لقد حدد بورقيبة لنفسه خططه الخاصة من أجل تحقيق رهاناته ومشاريعه وأهدافه الاستراتيجية. وقد عُرفت البورقيبية، بل وعرّفت نفسها، بسياسة المراحل، القائمة على مبدأ "التقدم خطوة بخطوة وضعية ممهدة لأخرى". يثير هذا المبدأ تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه السياسة: هل كانت استراتيجية واقعية وضرورية لتحقيق الاستقلال، أم أنها شكلت تنازلاً عن المبادئ الوطنية الجوهرية؟ هذا التباين في وجهات النظر بين البورقيبيين واليوسفيين يمثل في الحقيقة لب الخلاف بين الاتجاهين. ويهدف هذا المقال إلى تحليل سياسة المراحل البورقيبية من زاويتين أساسيتين: الأولى، كيف وظفت هذه السياسة لتحقيق الاستقلال، والثانية، كيف ارتبطت بهدف بورقيبة في الانفراد بالزعامة والسلطة.   1. سياسة المراحل: بين تحقيق الاستقلال والتنازل عن المبادئ لقد ارتكزت البورقيبية على سياسة المراحل كنهج أساسي لتحقيق هدفين رئيسيين: نيل الاستقلال والوصول إلى الزعا...