الذكاء الإصطناعي و الكتابة العلمية و الإبداعية
بقلم د. حسن النجار
أثار الذكاء الاصطناعي (AI) منذ ظهوره المتسارع في السنوات الأخيرة العديد من الإشكاليات الفلسفية والأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بإنتاج الكتابة العلمية والإبداعية. هذا النمط الجديد من الكتابة الآلية والأوتوماتيكية قد زرع بذور الشك، لدى القارئ العادي والناقد على حد سواء، في مدى أصالة أي نص أدبي أو علمي يُنسب لكاتب محدد، وفي خلوه من التدخل الكلي أو الجزئي للذكاء الآلي.
ويزداد هذا الشك رسوخًا لكون القدرة على التمييز بين الكتابة البشرية والآلية ما زالت تمثل تحديًا حتى للذكاء البشري نفسه، وفي كثير من الأحيان، للذكاء الآلي أيضًا، خاصة في حالة عدم اعتراف الكاتب صراحةً. من هنا، تبرز مسألة الأمانة العلمية والإبداعية كضرورة قصوى، وتصبح الحاجة ملحة لأن يُصَرِّح ناشر النص بِنِسبة تدخل الذكاء الآلي في إنتاجه، مع الإشارة إلى أن هذا لا يتعلق بظاهرة التناص (Intertextuality) اللاإرادي في عملية الإبداع. قد يصل الأمر إلى التشكيك في مصداقية الشهادات الأكاديمية، كالماجستير والدكتوراه، التي تعتمد على إنتاج البحوث.
كل هذه التحديات دفعتني للتفكير في هذا المقال، ومحاولة الإجابة على التساؤل المحوري التالي: هل الذكاء الاصطناعي خادم مُفَوَّضٌ أم مُبدع مُعَوِّضٌ في عملية الكتابة العلمية والإبداعية؟
1. الكتابة الآلية: إبداع جديد أم مجرد محاكاة متطورة؟
قبل التعمق في السؤال الرئيسي، يجب طرح إشكالية أساسية تتعلق بظاهرة الكتابة الآلية. هذا النمط، المبني على الخوارزميات ومعالجة كميات هائلة من البيانات، يتفوق على العقل البشري من حيث الدقة والقدرة على التنظيم والتصنيف. ولكن، هل يمكن اعتبار هذه الكتابة نمطًا إبداعيًا جديدًا يُضاف إلى الكتابة العلمية أو الفنية والأدبية، أم أنها مجرد محاكاة فائقة السرعة والإتقان للإنتاج البشري؟
إن الذكاء الآلي، بطبيعته، هو ذكاء مقلّد وليس ذكاءً مُبْدِعًا. ورغم ذلك، فهو يتجاوز قدرة الإنسان من ناحية السرعة في الإنجاز والدقة المتناهية. ففي غضون ثوانٍ، يستطيع إنتاج مقال علمي يطابق المعايير المتعارف عليها وخالٍ من الأخطاء اللغوية. بل إن هذا الذكاء قادر على التعامل مع معطيات متعددة لإنجاز كتاب أو أطروحة علمية في مدة زمنية قياسية لا تُقارن بالسنوات التي يحتاجها أي كاتب بشري.
في الوقت الراهن، يتمكن الذكاء الاصطناعي من محاكاة الذكاء البشري في إنتاج نصوص علمية وإبداعية ببراعة، لكنه يظل عاجزًا عن إبداع نمط جديد أو الخروج عن المألوف، لأنه يتصرف وفقًا للبيانات الضخمة (Data) التي خُزِّنَت من قبل العقل البشري. بالتالي، فإن حدود الذكاء الاصطناعي تكمن في كونه ذكاءً مُحاكيًا للعقل البشري؛ صورة أقرب إلى المثالية من ناحية السرعة والإتقان، لكنه ليس ذكاءً مُبْدِعًا كالوعي الإنساني.
2. الذكاء الاصطناعي: خادم مُفَوَّض
شخصيًا، أميل إلى عدم تسميته بـ"الذكاء الاصطناعي"، بل أفضّل تسمية "الخادم الاصطناعي"، لدوره الحقيقي في تقديم الخدمات في مختلف المجالات، ومنها مجال الكتابة.
يمكن تشبيه العلاقة بين الكاتب المبدع والذكاء الاصطناعي بعلاقة الكُتَّاب العباقرة في القرون الماضية بـ نُسَّاخهم أو كُتَّابهم الخاصين. فمثلاً، كان دستويفسكي يُملي على كاتبته نصَّه، وهي تتولى مهمة تنظيمه وتنسيقه، ويقوم هو بالمراجعة النهائية وتصحيح الأخطاء. بل كانت الكاتبة آنا غريغوريفنا دوستويفسكايا (Anna Grigoryevna Dostoyevskaya) تقدم رأيها عندما يُطلب منها، وقد يستجيب الكاتب لهذا الرأي فيُعَدِّل نصَّه على ضوئه. في هذا السياق، يعمل الذكاء الاصطناعي كـ خادم ذي قدرة فائقة على إصلاح الأخطاء اللغوية والنحوية، وتنظيم الأفكار، واقتراح بدائل؛ لكن الكاتب البشري هو الذي يضع اللمسة النهائية ويرسم النص الأخير.
إن الذكاء الاصطناعي هو بالنسبة للكاتب خادم مُفَوَّض، يرتقي إلى درجة المستشار الذكي لقدرته الفائقة على التنظيم وتقديم البدائل المُحَسَّنة وحتى الترجمة. الكاتب يتفحص هذه المقترحات ويستثمرها، ولكنه يظل يتبع ما يُشير إليه عقله ووعيه، فلا إمام سوى العقل.
إن "التفويض" هنا لا يعني الاستسلام الكامل للذكاء الاصطناعي في صناعة النص وإنتاجه. الكاتب هو من يبدع نصه ويصنعه، ويقوم الخادم الاصطناعي فقط بمهمة الإصلاح والتنظيم والاقتراح. ومع ذلك، هناك حالات يتحول فيها الذكاء الاصطناعي إلى مُبدع مُعَوِّض. كيف يحدث ذلك؟
3. الذكاء الاصطناعي: مُبدع مُعَوِّض
نصل هنا إلى مأساة حقيقية تهدد جديًا الأمانة العلمية والإبداعية، وهي تحوّل الخادم الاصطناعي إلى مُبدع مُعَوِّض. يحدث هذا عندما يُنتج الذكاء الآلي النص العلمي أو الأدبي بالكامل، ثم يُقدم الكاتب على نسبة هذا النص لنفسه كمنتج أصيل، وينجح في إيهام عامة الناس بأنه الكاتب الحقيقي.
إن هذا التصرف، الذي يتمثل في إخفاء اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لإنتاج النص الأولي أو النهائي، هو في جوهره غِش وكذب على القارئ والساحة العلمية والأدبية. إنه مسألة تنبع من ضمير الكاتب وأخلاقه. الكاتب الذي ينسب لنفسه نصًا لم يكن هو مُبْدِعَه الحقيقي، حتى لو كان من إنتاج الآلة، هو كاتب مُزَيَّف و"سارق".
ومع كل هذه المخاطر، تظل الحقيقة التي لا لبس فيها أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يصبح مُبْدِعًا حقيقيًا؛ لأنه يفتقد الوعي والإحساس والروح الإنسانية. ويمكن، في الغالب، التمييز بين النص الإبداعي الأصيل والنص الآلي الذي يفتقر إلى تلك "الروح" والنَفَس الإنساني العميق.
الخاتمة
في الختام، يمكن القول إن الخادم الآلي أو ما يُسمى بالذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون مُبْدِعًا بالمعنى الأصيل للكلمة الذي يتطلب الوعي والاستقلال المعرفي. إن قدرة الذكاء الاصطناعي، رغم ما تتميز به من سرعة ودقة فائقة في التعامل مع البيانات، لا تتجاوز حدود المحاكاة والتنظيم والإتقان. وتبقى المسؤولية الأخلاقية، في نهاية المطاف، هي الفاصل بين توظيفه كـ خادم مُفَوَّض أو الاستسلام له كـ مُبدع مُعَوِّض.
تعليقات
إرسال تعليق