المشاركات

عودة الحبيب بورقيبة المفاجئة من الشرق سنة 1949: انتهاء مهمّة أم انقاذ لزعامة مهدّدة؟!

صورة
مثلت عودة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى أرض الوطن يوم 8 سبتمبر 1949 نقطة تحول حاسمة في مسار الحركة الوطنية، فقد كانت هذه العودة نتيجة لتقاطع جملة من العوامل الذاتية والموضوعية، التي كشفت عنها بوضوح التقارير الأمنية الفرنسية التي سعت لتحليل دوافع "الزعيم المؤسس" بعد غياب دام أربع سنوات في الشرق. لقد كان صالح بن يوسف وأنصاره، الذين قادوا الحزب بـ "سياسة الحرب الباردة" الهادئة، أكثر من يخشى هذه العودة التي هددت استراتيجياتهم ودفعت الحزب الذي كان على "وشك انفجار داخلي رهيب" إلى أتون الصراع العلني. (الحبيب بورقيبة في الشرق مع ثلة من المناضلين و السياسيين المغاربة و المصريين) 1. فشل مهمة تدويل القضية في الشرق أول وأبرز الدوافع كانت تتلخص في فشل مهمة بورقيبة في المشرق العربي، وهي المهمة التي غامر من أجلها بالهجرة في مارس 1945 وكانت تهدف بالأساس إلى تدويل القضية التونسية عبر منظمتي الجامعة العربية والأمم المتحدة. هذا الفشل كان نسبياً ولكنه كان حاسماً في تقدير بورقيبة، وتجلى في عدة نقاط: عجز الجامعة العربية: لم يتمكن بورقيبة من الضغط أو التأثير على الجامعة العربية، با...

الذكاء الإصطناعي و الكتابة العلمية و الإبداعية

صورة
أ ثار الذكاء الاصطناعي (AI) منذ ظهوره المتسارع في السنوات الأخيرة العديد من الإشكاليات الفلسفية والأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بإنتاج الكتابة العلمية والإبداعية. هذا النمط الجديد من الكتابة الآلية والأوتوماتيكية قد زرع بذور الشك، لدى القارئ العادي والناقد على حد سواء، في مدى أصالة أي نص أدبي أو علمي يُنسب لكاتب محدد، وفي خلوه من التدخل الكلي أو الجزئي للذكاء الآلي. ويزداد هذا الشك رسوخًا لكون القدرة على التمييز بين الكتابة البشرية والآلية ما زالت تمثل تحديًا حتى للذكاء البشري نفسه، وفي كثير من الأحيان، للذكاء الآلي أيضًا، خاصة في حالة عدم اعتراف الكاتب صراحةً. من هنا، تبرز مسألة الأمانة العلمية والإبداعية كضرورة قصوى، وتصبح الحاجة ملحة لأن يُصَرِّح ناشر النص بِنِسبة تدخل الذكاء الآلي في إنتاجه، مع الإشارة إلى أن هذا لا يتعلق بظاهرة التناص (Intertextuality) اللاإرادي في عملية الإبداع. قد يصل الأمر إلى التشكيك في مصداقية الشهادات الأكاديمية، كالماجستير والدكتوراه، التي تعتمد على إنتاج البحوث. كل هذه التحديات دفعتني للتفكير في هذا المقال، ومحاولة الإجابة على التساؤل المحوري التالي: هل الذكاء...

الطاهر لسود بين صمت الوثائق وحدس التاريخ:

صورة
  محاولة الإجابة على   أسئلة غائبة عن سيرة قائد مقاومة مغاربي يظل التاريخ الرسمي للحركة الوطنية التونسية، بعد الاستقلال، يُهمل عمدًا ذكر أدوار المقاومين المسلّحين، أو ما عُرفوا بـ"الفلاقة"، في إطار سعي واضح لتثبيت سردية تُعلي من شأن المقاومة السياسية السلمية. هذا التهميش يطال قامات وطنية خاضت أبرز المعارك، ومن أبرزهم المقاوم والقائد الميداني الطاهر لسود (1910-1996). تُرك اسم لسود في طي النسيان، على الرغم من دوره القيادي في التنسيق المغاربي لتحرير تونس والجزائر والمغرب. النشأة والانخراط في النضال وُلد الطاهر لسود سنة 1910 في ريف الحامة ، وينتمي إلى عرش "الخريجي" من قبيلة بني يزيد، وهو ابن خالة الشهيد البطل محمد الدغباجي. تُشير سيرته الذاتية إلى انخراطه المبكر في العمل الوطني؛ فبعد خدمته العسكرية التي نال فيها رتبة رقيب سنة 1930، التحق بالحزب الحر الدستوري ثم سرعان ما انضم إلى الحزب الحر الدستوري الجديد (تأسس في 2 مارس 1934). لم يكن لسود من النخبة المتعلمة، فقد عاش يعمل خياطًا لمساعدة أسرته، لكن فقر الحال لم يمنعه من الانخراط بفعالية في صفوف المقاومة المسلّحة.و قد نشأ...

"إذا لم تكن تونس موجودة، لكان علينا اختراعها"!!

صورة
صورة من إنشاء الذكاء الإصطناعي تعبر عن احتلال تونس سنة 1881 لا نختار  النصوص موضوع التحليل في هذه المدونة على نحو اعتباطي، بل يتم انتقاؤها وفق معايير معرفية وتاريخية دقيقة، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بالخطابات السياسية ذات الطابع التأسيسي التي رافقت تحوّلات كبرى في التاريخ الحديث. فهذه الخطابات لا تكتفي بتوثيق الحدث، بل تعمل على إنتاج شرعية جديدة وتبرير ممارسات استعمارية أو توسعية، وتؤسّس لمسارات سياسية واقتصادية طويلة المدى. إنّ احتلال تونس سنة 1881، وما نتج عنه من إمضاء معاهدة باردو، يمثّل لحظة تاريخية محوّلة في مسار البلاد التونسية، إذ وضعها في قلب المشروع الكولونيالي الفرنسي، وربط مستقبلها السياسي والاقتصادي بمصالح الإمبراطورية الفرنسية لعقود طويلة. ومن هذا المنطلق، يصبح الخطاب الذي رافق هذا الاحتلال وثيقة أساسية لفهم آليات التبرير السياسي، وأدوات الإقناع البرلماني، وكيفية توظيف التاريخ والجغرافيا والعاطفة الوطنية في صناعة قبول جماعي لمشروع استعماري. النص الذي نعتمده هنا مأخوذ من كتاب شؤون تونس ( Affaires de Tunisie )، أحد الأرشيفات الفرنسية الصادرة في باريس سنة 1882، والذي يت...

بورقيبة يعود... وبن يوسف يتوجّس: شهادة صورة فوتوغرافية سنة 1949

صورة
  الصور الفوتوغرافية تضيف إلى التاريخ بعدًا جديدًا في الفهم، إذ تزيح ظلال الغموض وتفتح آفاقًا للتأويل، رغم ما يغلب عليها من طابع ذاتي وانطباع شخصي. فهي من جهة تثري قراءة المؤرخ للأحداث، لكنها في الآن نفسه تشككه في معارفه التي يعدّها يقينية. فالمؤرخ يتسلح بوثائقه المكتوبة أو الشفوية، معتقدًا أن علمه بالأحداث لا يقبل النقاش، لتأتي الصورة وتعيد خلط الأوراق وتنزع عنه ذلك اليقين، موجهة إليه رسالة مفادها: أعد القراءة وتثبت، فما قرأته لم يكن كافيًا. ذلك ما حدث لي أمام هذه الصورة التي سألت بشأنها أستاذي لطفي الشايبي، فأخبرني بأنها التقطت في نوفمبر 1949 قبيل الجولة الدعائية التي قام بها الحبيب بورقيبة. غير أنه لم يحدد لي المكان، وقد رجحت أنه أحد مقاهي الأسواق القريبة من جامع حمودة باشا الذي كان يؤمه الشيخ محمد الهادي بلقاضي، أحد شيوخ الحنفية، علما أن هذا المذهب كان معتمدًا لدى العائلة الحسينية ذات الأصول العثمانية. ومع ذلك فقد ساورني شك في الزمان، إذ تبدو ملابس الحاضرين صيفية ، مما يجعل شهر سبتمبر أو أكتوبر تاريخًا أكثر احتمالًا، خاصة أن بورقيبة عاد من رحلته المشرقية يوم 8 سبتمبر. وأنا شبه...

اعترافات عميقة مع الأستاذ لطفي عيسى

صورة
  الصدفة أو الأقدار، كما يحلو لي أن أسميها، جعلتني أتابع الحلقة كاملة ليلة المولد النبوي الشريف، وخُيِّلَ إليَّ أنني في القيروان وأنا أستمع إلى أحد رجالاتها الأفذاذ وأساتذتها المرموقين. وقد يكون بداخلي أسف عميق على أني لم أحظ بشرف التعلم على يد الأستاذ لطفي عيسى. وقد تأكد في خاطري لزوم كتابة هذا المقال عن أستاذنا، لأخبره - سواء كان مهتمًا بذلك أم لا- بالأشياء التي تلتقي فيها ذواتنا المعرفية أو تختلف، رغم فارق السن الذي بيننا، وهو غير كبير وغير مهم أيضًا. في هذه الحصة الملهمة، التي أثثتها الشابة المتألقة نوال بيزيد على قناتها "Deep Confessions" أي اعترافات عميقة، ورغم أهمية الحصص التي تقوم بها الأستاذة نوال، إلا أني أعتقد أن الاعترافات العميقة لا يمكن أن تحدث إلا بين الإنسان وذاته أو بينه وبين ربه فقط. أما مع الآخرين، فلا تحدث إلا نادرًا في التاريخ الإنساني، في الثقافة المسيحية خاصة، و نجد ذلك في كتاب "اعترافاتي" لسان أوغسطين أو كتاب "الاعترافات" لجان جاك روسو.  ولا أتوقع أبدًا اعترافات عميقة يمكن أن  تصدر عن أي شخصية من الشخصيات العربية مهما علا شأنها. وإن...

تسلّح المعارضة اليوسفية: دفاعاً عن النفس أم سعياً للقضاء على الخصم البورقيبي؟

صورة
  بعد الإمضاء على الإتفاقيات، انقسمت الحركة الوطنية التونسية إلى تيارين متناحرين، أحدهما بقيادة الحبيب بورقيبة والآخر بقيادة صالح بن يوسف. لم يقتصر الخلاف على الرؤى السياسية، بل تطور إلى صراع وجودي عنيف. يهدف هذا المقال إلى استقصاء الأهداف الحقيقية وراء تسلح المعارضة اليوسفية. فهل كان هذا التحول النوعي في طبيعة الصراع مدفوعاً بالدفاع عن النفس في وجه القمع، أم أنه كان خياراً استراتيجياً يهدف إلى القضاء على الخصم البورقيبي الذي كان يرفض الحوار السّياسي السّلمي؟ 1) خطاب بورقيبة ومواجهة توقعات الحرب لقد كان الحبيب بورقيبة يتوقّع حرباً مع اليوسفيين، وذلك بعد تكوين هيكل جيش التحرير التّونسي. وما زيارته للجنوب التونسي المساند في أغلبيته للتيّار اليوسفي، إلاّ سعياً منه للتحذير من الحرب وجلب أكثر ما يمكن من الأنصار من أجل المواجهة المنتظرة. وقد وصف القائد محمّد بن النيفر المهذبي هذه الزّيارة في مقاله الذي نشره في جريدة البلاغ الجديد قائلاً: "الحبيب بورقيبة الذي ذهب إلى الجنوب فأراد الضّرب على الوتر الحسّاس وحاول أن يلعب بالألفاظ". والمقصود بالوتر الحسّاس هنا هو التخويف من الحرب وال...